~اشتقت لك حيل يالغالي..~
-عند فهد ووطن
النتيجة بيدها، لكنها ما كانت قادرة تستوعبها
عيونها نزلت ببطء على بطنها، وكأنها تحاول تصدّق إن في حياة تنمو داخلها، حياة جديدة... لكن في نفس اللحظة، كان فهد على سرير المستشفى، بين الحياة والمجهول
عضّت على شفتها، حسّت بحرارة دموعها وهي تنزل بدون استئذان يدها كانت ترجف، صدرها يضيق مع كل نفس تاخذه
بخطوات ما حست فيها، رجعت لعنده، وقفت عند الباب للحظة، تطالعه، تطالع ملامحه الهادية رغم كل العاصفة اللي صايرة حولهم تقدمت ببطء، جلست على الكرسي اللي حافظ شكل جلستها من كثر ما صارت تجلس فيه
يدها امتدت ببطء، لمست أصابعه بحذر
نطقت اسمه وصوتها طلع مبحوح، كأنه مكسور بنص الحلق
بلعت ريقها، حاولت تجمع شجاعتها، نظرتها معلّقة بوجهه:
أنا... أنا ما أدري كيف أقولها لك، ما أدري إذا المفروض أقولها الحين أصلاً، بس...
شهقت، غطت فمها بيدها، تحاول تسيطر على الرجفة اللي ماسكة قلبها:
فهد، أنت... بتصير أب مره ثانية
هنا، فقدت سيطرتها، دموعها صارت أقوى، شهقاتها تطلع غصب، رفعت يده بين يدينها، ضمّتها:
أنا خايفة، خايفة عليك، خايفة على اللي في بطني، خايفة من كل شيء، فهد، إذا كنت تسمعني... لا تخليني، تكفى لا تخليني لحالي
عصرت يده، تنتظر أي استجابة، أي حركة، أي شيء يثبت إنه معاها، إنه مو غايب، لكنه ظل على هدوئه، ونبضات الأجهزة هي الوحيدة اللي ترد على صوتها
لكن الصمت ظل مسيطر
شهيقها كان متقطع، يدها بردت وهي تمسك يده، عيونها نزلت ببطء على النتيجة اللي لا زالت تمسكها بيدها الثانيه
رفعت عيونها للسماء، تنفست بعمق، بصوت أقرب للرجاء، للكلام اللي يطلع من القلب بدون تفكير:
يا رب... يا رب خله يرجع لي، خله يفتح عيونه، خله يسمعني
بعد لحظات
الممرضة دخلت، شافت حالتها، قربت منها بهدوء: وطن، لازم تهدّين نفسك
هزّت رأسها وهي تحاول تكتم شهقاتها، مسحت دموعها، نظرت لفهد من جديد... وبعدها، رفعت يدها على بطنها، كأنها تستوعب لأول مرة إنها تحمل حياة جديدة، جزء من فهد، أمل جديد رغم كل شيء
-عند سطام وهيام
سطام صحى على ثقل فوق صدره، طرف عيونه لمح شعر هيام، مبعثر على خدها، وملتصق بوجهها من آثار الدموع اللي جفت
رفع يده بهدوء، أبعد خصلة عن خدها، أثر الدموع على وجنتيها، وشفايفها اللي كانت ناشفة كأنها ما نطقت ولا شربت شيء من أمس حس بثقل إحساسها حتى وهي نايمة، وكأن الألم ما فارقها حتى في غفوتها
حاول يتحرك بدون ما يصحيها، ساندها على الكنب بلطف، ترك لها المخدة، ووقف يتمدد شوي وهو يحس بجسمه متصلب من جلسته طول الليل مد يده للجوال، فتحه وهو يلقى كم اتصال من أبوها، تنهد بعمق، وطلع من الصالة وهو يضغط على اسمه ويدق
ما طول، الرد جا سريع، وصوت أبوها كان متوتر: هيام عندك؟
سطام: إيه، عندي، وهي بخير
أبوها تنهد، وكأن هم انزاح من صدره لكنه بنفس الوقت متردد: ليه ما ردت؟ ليه ما كلمتني؟
سطام شدد نبرته: لأنها منهارة
صار فيه لحظة صمت، بعدها أبوها:كنت بعلمها بس مو ذحين
سطام ضغط على عيونه، حس إنه لو استمر بالمكالمة بيقول شيء يندم عليه، فاكتفى بإنهاء الحوار بسرعة: برجعها اليوم
سكر الخط، أخذ نفس عميق، ورجع للصالة، بس أول ما دخل، لقى عيون هيام عليه، كانت صاحيه، جالسة تمسح على وجهها بتعب
طالعها سطام، أشر لها: غسلي وجهك
هيام ما جادلت، وقفت بخطوات ثقيلة واتجهت للحمام، وتركته يراقب كيف إنها حتى في حركاتها، كأنها مو مستوعبة الدنيا حولها
سطام أخذ جواله، طلب فطور خفيف، وبعدها جلس ينتظرها، وما طولت، طلعت وهي تمسح وجهها بالمنشفة، وقف عند الطاولة وحط كوب قهوة قدامها، أشر لها تجلس، وبعد ما صبت لنفسها قهوه، بدأ يتكلم:
هيام، أنا ما أبيك تكرهين أبوك، مهما كان، يظل أبوك، يمكن أخطأ، يمكن كان لازم يقولك الحقيقة من بدري، بس صدقيني، ما كان قصده
رفعت عيونها له، نظرتها كانت مليانة مشاعر متضاربة، همست وهي تحرك الكوب بدون تركيز: خلاني أعيش كذبة كبيرة
سطام راقبها، شاف كيف إنها تحاول تتمسك بنفسها رغم كل اللي صار، مد يده، مسك يدها اللي كانت ترتجف خفيف:
يمكن مو الآن، بس بيجي يوم بتفهمين ليش سوا كذا، ووقتها... يمكن تسامحينه
هيام ظلت ساكتة، عيونها معلقة على كوب القهوة، وكأنها تحاول تستوعب كلامه، لكن الثقل اللي على صدرها ما كان يسمح لها حتى تفكر بوضوح أخذت نفس بطيء، وحاولت تبلع الغصة اللي في حلقها
سطام ترك يدها، أعطاها مساحتها، لكنه ظل يراقبها، يدري إن هاللحظة هي الأصعب، اللحظة اللي بين الغضب والخذلان، بين إنها تستوعب الواقع أو تتمسك بالماضي اللي انهار فجأة
أنت تقرأ
مالي غنى عنك أنا الله فيك مغنيني
Romansرواية تنبض بالعاطفة، وتتصادم فيها القلوب وسط العتمة والخذلان عن حبّ وُلد في زمن متعِب، وعن وعدٍ كاد أن يضيع بين جدران الخوف وسياط الأسرار هي ليست فقط قصة وطن وفهد، ولا غرام وخالد، ولا سطام وهيام... بل قصة وجع يتوارى خلف الحنين، وأمل يتشبث بالحياة حت...
