٣

146 31 24
                                        

سار  موكب  الأمير المهيب في طرقات المدينة يشق الحشود كما يشقّ السفين صفحة الهائج. تدفق الدهماء من كل حدب وصوب وتكدسوا على جانبي الطريق، تحملوا قسوة الحراس بينما يبعدونهم عن طريق الموكب بعنف وكل ذلك في سبيل رؤيته، ذلك الرجل الذي خرج من براثن الأفعى أورليا حياً، بل وعاد يمتطي حصانه كمن يمتطي الرياح.

لم يعلموا أهو شقيّ أم سعيد، صحيح أنه لازال يتنفس ولكن لابد أنه دفع ثمن أنفاسه غالياً.

رومان كيلمان ،ذلك الأمير الذي خرج من مملكته قسراً، مكبلاً بين مخالب أورليا قد عاد ليكون شيئاً آخر، شيئاً أعظم. هذا ما فكر به رومان حين توقف جواده أمام بوابة القصر الفارهة، تعالى صهيل الجواد تزامناً مع ارتفاع قائمتيه في الهواء، وحين دقت أقدامه الأرض فتحت البوابة على مصراعيها.

كان مشهداً رهيباً حين دلف الأمير يعتلى صهوة جواده ليستقبله شقيقه وليّ العهد السمين ذو الخدين المكتنزين.

ترجّل رومان ليتقدّم نحو جاريد بخطىً ثقيلة بينما تعلو شفتيه ابتسامة.... غريبة.

" حمداًلله على سلامتك أخي، أخيراً ستعود المملكة إلي سابق عهدها بعودة بطلها المغوار"

" أجل صحيح"  أجاب رومان يضع كف يده على كتف شقيقه الصغير بينما يسيران إلى داخل القصر قبل أن يستدرك قائلاً " كيف حال والدي الملك، لا شك أنه اشتاق إليّ"

ضحك جاريد تتورد وجنتاه ليجيبه بإيماءة أعقبها بقوله" الجميع افتقدك رومان، حتى الآن لا أفهم كيف أطلقت سراحك تلك المرأة المجنونة، في كل مرة كنت آتي لجدالها في أمر تركك لحال سبيلك كانت تطردني، لقد ترجيتها عشرات المرات لكن غرورها لا حدود له "

كان الشقيقان قد وصلا إلى المكتب الملكيّ حين علّق رومان يغلق الحديث" لا بأس لقد عدت في النهاية، وستعود الأمور إلي نصابها"

تحرك الباب الثقيل محدثاً طقطقة ذكرته بطرقات كعب أورليا على أرضية السجن الحجرية، عجباً كم يشبه حالها حال هذا الباب العتيق. هذا الباب ذو الخشب الأحمر مهترئ رغم نقوشه الذهبية الجميلة أما هي ورغم جمالها وسلطتها فروحها بالية ،في النهاية يوجد وجه شبه بينهما.

أطلّ من خلف الباب الملك في ثيابه الملكية، يرفل في أكوام القطيف والحرير، بينما بدا شكله كنسخة عجوز من جاريد لاسيما ببطنه الكبير الذي يظهر حتى من تحت كل ذلك القماش، اما إن كان يشبه رومان في شيء فهما عيناه الفيروزيتان الباهتتان.

فتح الملك ذراعيه يستقبل ابنه الغائب منذ عام، هل فعل كل ما بوسعه لإنقاذه، رضي بهدنة مع الذهبية لأجلك كما أنه أرسل ولي عهده يرتمي تحت قدميها عدة مرات لكن ما باليد حيلة.

القرن المظلم : عواصف الشتاء.( مستمرة)حيث تعيش القصص. اكتشف الآن