بدأتُ أشكُ أنهم حقونني بشيءٍ ما.. لأني عندما استيقظتُ شعرتُ بخِدرٍ تام، داخليًا وخارجيًا.
شُرِحَت لي الكثيرُ من الأمور.. أنهم لم يستطيعوا إبقاءَه، وأنه لم يكن هناكَ خيارٌ آخر إلا من فعلِ الأمرِ المحتوم، وأنا أومأتُ فقط وأنا أحدقُ بالحائطِ خلفَ المتحدِث..
كانَ يتحدثُ بنبرةِ العظةِ والنصيحة، ولا أعلمُ أكنتُ ممتنةً لذلكَ أم لا.
قالَ لي بأنّ آخذَ راحةً من الخدمة في العملِ لبضعةِ أسابيعٍ تاليّة، وأعلمني كذلكَ بأنّهم قد تواصلوا مع أقربائِنا وأبلغوهم بالذي حدث، ولم يذهب إلا وقد أعطاني بطاقةَ طبيبَ نفسيّ بتعبيرٍ جامدٍ وواضحٍ يقولُ لي فيه بأنّه يجبُ أنّ أذهبَ لأراه.
ومع تجربتي المسبقة قبل سنتين مع الأطباء النفسيين، لم أجزم بأنني سأحاولُ مرةً أخرى.
اقترحت عليّ جاي هي إيصالي للمنزل ولكنني رفضتُ ذلك متعذرةً بأنني أحتاجُ للسيرِ قليلاً واستنشاقِ بعضِ الهواء الطلق لعلّ ذلكَ يساعدني في تصفيةِ أفكاري.
بدت على وشكِ الاحتجاج، ولكنها وافقت بعدَ ذلك مفضلةً عدمَ إجباري على فعلِ شيءٍ لا أريدُه.
شاهدتني بأعينٍ قلقةٍ وأنا أسيرُ خارجَ المركزِ شاقةً طريقي إلى منزلي.
كانَ شهرُ مايو شهرًا منعشًا ومريحًا دائمًا، ولكنني كنتُ باردةً من الداخلِ كثيرًا.. خاصةً حينَ بقيتُ أفكرُ بشخصٍ أتيتُ معه قبلَ ليلةٍ فقط إلى هذا المركز.. ولكنني عدتُ وحدي ذاكَ المساء.. وسأبقى دائمًا وحدي..
تفاجأتُ - مرةً أخرى - من حقيقةَ نضوبِ الدموعِ حينَ استيقظت، بل ولم أشعر إلا بصداعٍ.
أخبروني بأنه أغشيّ عليّ حينَ أخرجوني من الغرفة، وهو أمرٌ معقولٌ نسبةً للمشهدِ الذي شهدتُه بعينيّ.
بالطبعِ كان مشهدًا يغشي العقول..
شرعَ عقلي بالجنون، بالتخبطِ بين شتى الأفكار.. تمحورًا حولَ شخصٍ معين تركني ورحل.. للأبد.
لم يكن الموتُ شيئًا من المفترضِ أنّ نعايشَه في عمرٍ صغيرٍ كذاك..
يموتُ الناسُ في أعمارٍ محددةٍ بعدَ حياةٍ جميلة، تقامُ فيها مراسيمُ الوفاةِ في سلامٍ ووئام..
الوفاةُ تعني السفرَ إلى جانبٍ آخر، على أملِ أنّ تستيقظَ مجددًا في جسدٍ آخر سيعيشُ حياةً مثاليةً ينظمُها المجتمعُ لنا.
ولكن حينَها.. لم يمت سعيدًا..
وصلتُ لشارعِ منزلنا فرأيتُ فورًا منزلي، ولم يكن من الصعبِ تمييزُه وقد احتشدَ الناسُ حولَه منتظرين..
ينتظرون وصولي.. بمفردي..
تمَ إعلامُهم بالذي حَدث، ولم أعلم طبعًا بأي هيئةٍ تمَ فعلُ ذلك، ولكن المديرُ حتمًا وجدَ وسيلةً ما نسبةً لكونِهم جميعًا كانوا هناك.
بدؤوا يدركونَ قدومي وأنا أسيرُ إليهم.. كان منظرُ أهلِ الحيّ وهم يقفون أمامي يومَها بتلكَ النظراتِ المليئةِ بالشفقةِ مألوفًا كثيرًا..
مزيدٌ من الشفقة، مزيدٌ من الاعتذارات، مزيدٌ من الرثاء.. وأسفًا لا شيءَ يُشفي الجروحَ.. لا شيء يخففُ وطأةَ ألمِ الفقدانِ الثاني في حياتي.
حينَ وصلتُ أخيرًا إليهم، كانت والدتي أولَ من رحبَ بي.. رأيتُها تبكي حينَ احتوتني بينَ يديها.
في بادئ الأمرِ لم أتزحزح حتى، اكتفيتُ فقط بإراحةِ رأسي على كتفِها وأفكاري تحومُ في مكانٍ آخر.. ولكنها احتوتني بقوة لحدٍ عجزتُ فيه عن عدمِ احتوائها كذلك.
لففتُ ذراعيّ حولَ خصرِها وأغلقتُ عينيّ.. عانقتُها بكلِّ قوة.
أتبعَ والدي كذلك ووقفَ خلفنا معانقًا إيانا معًا بذراعيه.. وحينَ أراحَ رأسه على رأسي، شعرتُ بشيءٍ يبللُ شعري.
- دا يونّ.. آه.. لا أصدقُ الذي حدث.. تمتمت والدتي بين نشيجِ بكاءٍ وآخر، وتحركت أخيرًا للتفحصَ تعابيري. أنا آسفة.. آسفةٌ جدًا.
أنكستُ رأسي متمعنةً بقدميّ عاجزةً عن تحملِ أي نظرةٍ أخرى.. كان هناكَ نظراتُ شفقةٍ لا تحصى، نظراتُ قلقٍ كثيرةٍ تحطُ عليّ.. لم أتحملها.
كانَ المشهدُ مألوفًا كثيرًا.. كلُّ تلك النظراتِ كانت نظراتٍ سبقَ وأنّ تلقيتُها قبل سنتين ونصف.. تكررت مرةً أخرى، واكتفيتُ من ذلك.
تلكَ النظراتُ خاليةُ الوفاض.. الشفقةُ لا تساعدُ أحدًا.. لا تؤخرُ ولا تقدم.. لا تشفي ولو قليلاً من الندوب..
لا شيء يمحو الندوب.
تقبلتُ كلِّ العناقاتِ والاعتذاراتِ مجبرةً، على شفيرِ انفجارٍ وشيك، حتى تبقى والديّ فقط..
تقبلُ اعتذاراتِ يورا كانَ الأصعب، وهوسوك لم يكن متواجدًا.
تفهمته.. تفهمتُ ألمَه جيدًا.
مرةٌ ثانيةٌ تكررت..
خسرتُ فيها شخصًا أعزُه أكثرَ من أي شيءٍ في العالمِ بأسرِه في ذلكَ المجتمع..
الأولُ خسرتُه لأنهم عجزوا عن رسمِ مستقبلِه، والآخرُ لأنهم ببساطةٍ لم يعطوه مستقبلاً من الأصل..
مرتان..
سلبني المجتمعُ أشخاصًا استندتُ عليهم دونَ سواهِم مرتين..
كسرني المجتمعُ مرتين..
حرمني السعادةَ مرتين..
لماذا كانَ الكلُّ من حولي سعداءً إلا أنا لم يجبرني شيءٌ واحدٌ حتى؟
والأهم، لماذا وثقتُ بشيءٍ قد يخطئُ لحدِ العمى هكذا إنّ كنتُ سأخطئُ كذلكَ إنّ اخترتُ لنفسي؟
استغرقني الأمرُ عشرين سنةً كي أتعلمَ أنّ المجتمعَ يخطئ، وأنه ليسَ مثاليًا كما ظننت..
ذاكَ كانَ خطأُ المجتمعِ الثانيّ..
****
أنت تقرأ
مَطرُ نوفمبر
Romanceفي إحدى ليالي نوفمبر حينَ هلَّ المَطر.. فقدتُ جزءًا مني.. أمسى المطرُ ثلجًا.. وقلبي مليئٌ بكلِّ باردٍ في الدُنيا.. #أنا مترجمةٌ لهذه الرواية ليسَ إلا. #الغلاف من تصميم Hope_879 #This story is originally written by Marrilaure, an author here in...
