9

76 5 1
                                        

                            *****
بعد ثلاثة أيام خرجت من المستشفى, أمضيتهن بالتفكير والسكوت التام, سمعت زوج أمي يقول لها: أن السكوت علامة الرضا, ولا تستغربوا قولي: (زوج أمي) فلم أعد أشعر أنه يمت لي بصلة, كانت أيامي الماضية مسمومة, أما عن سكوتي؛ فلم يكن رضا أبداً, كنت أفكر كيف سأخلص نفسي من تلك الورطة؟ فكرت أن أهرب عند خالي, لكن كيف سأصل؟ فبيتهم بمحافظةٍ أخرى, ولم يكن لأمي سوى هذا الأخ, لكنني فكرت فيما بعد أن زوجته لن تقبل, وستخبر والداي قبل أن ألج منزلهم.
لا أعلم كيف سأنقذ نفسي, حتى أمي التي كانت تتهدد, بدأت ترضخ للأمر الواقع, أما عمتي منى فتوافق أخاها وهذه كانت صدمةٌ أخرى لم أتوقعها. اشعر أنه لم يتبقى لي أحد سوى سلمى, التي كانت تزورني يومياً, وتطبطب على جراحي, أخبرتها أني أريد الهروب, لكن إلى أين لا ادري, فكانت نصيحتها لي:أن أقبل بهذه الخطوبة, وأخبرتني: أنه ليس لي خلاص إلا بها, وأنها مؤقتة, أشعر أنها تُسايرني, وتحاول التخفيف عني؛ كي لا أرتكب خطأً أندم عليه ما تبقى من عمري, فأفكاري كانت سوداويه جداً حتى أني فكرت بالإنتحار. نسيت أن أخبركم: في كل المرات التي زارتني بها كان يرافقها وسيم, لكنه كان ينتظرها في الخارج, وسيم الذي أعرفه يدخل ويُلقي بسمومه ثم يذهب, ما الذي جعله يوافق أبي؟, هناك شيء ما خلف تلك الحكاية, يجب أن أعرفه, ربما غايته أن ينقذني من يد والدي؛ فوسيم رجل من هذا النوع, بالرغم من أنني لا أستلطفه, لكنه ذو قلبٍ طيب, وحنون والدليل على هذا, أنه لم يُكمل عقابه لي, ولم يُخبر والدي أو حتى والدته بما فعلت.

عندما وصلنا إلى المنزل, كانت جدتي وعمتي تجلسان في الصالة تنتظران وصولنا, ذهبت باتجاه جدتي, حضنتها ورحت أنظر إليها برجاء؛ علها تقف بوجه والدي, لكنها حركت وجهها يميناً ويساراً بقلةِ حيلة, خرجت من بين يديها وذهبت لغرفتي متجاوزةً عمتي, التي كانت تنتظر لآن آخذها بالأحضان, لكن لا, كل من يقف بطريق سعادتي سأمسحه من حياتي.
بعد أقل من ساعة, أتت أمي للإطمئنان على وضعي, كنت قد أنهيت صلاة الحاجة, وأدعو الله وعيوني تنهمر, اقتربت مني ومسحت على رأسي ثم قالت:
-"ربما خلاصك يا عزيزتي؛ هو الزواج من وسيم"
نظرتْ نحوها مستنكرةً ما تقول:
-" لِمَ لمْ تقفي في وجهه كما قلتي؟ لِمَ تقفين أمامي الآن؛ لإقناعي بالزواج؟ هل تظنين أن زواجي من وسيم سيخلصني من والدي؟ ألم تفترضي أن يكون وسيم كوالدي, أو أسوأ منه؟"
-"حياة: وسيم يحبك يا باتي؛ وإلا لِمَ ليقبل بطلب والدك؟ "
-"بتونيا: هذا يعني أنه يُريد أن يُخلصني من ظلم والدي, اجلسي لأخبرك ماذا فعلت به, وأنتِ قرري إذا كان يحبني أم لا"
رحت أسرد لها كل ما حدث من البداية, كانت تستمع لي باهتمام, ودهشة
-"حياة: أنتِ يا بتونيا فعلتِ هذا؟ بماذا تختلفين عن والدك إذن؟"
-"بتونيا: لم أخبرك هذا؛ لتلوميني بل لتعلمي أنه من المستحيل أن يوافق وسيم على هذا الزواج لأنه يحبني, ربما يريد أن يعاقبني عقوبةً أكبر"
-"حياة: لا تخافي يا عزيزتي, أنا سأساندك. أنتِ وحيدتي, لن أفرط بك فقط أخبريني, إذا حصل شيءً ما "
-"بتونيا: ها أنا أُخبرك: أبي يريد أن يزوجني وأنا في هذا العمر, تفضلي ماذا ستفعلين؟"
تأوهت أمي وقالت بضيق:
" آه يا عزيزتي, هذا الأفضل من أجلك, هناك خير في كل شر"
-"بتونيا: أمي, ألم يحن الوقت؛ لتخبريني بما تخفونه عني؟ "
-"حياة: لا نُخفي عنكِ شيئاً, لِمَ لتفكري بهذه الطريقة؟"
-"بتونيا: تعلمين أني لن أغفر لكِ ما حييت, إذا تأكدتْ من ذلك, أرجوكِ أخبريني الآن, لا أريد أن أكرهكِ أنتِ أيضاً"
-"حياة: أنا يا باتي؟ وهل تستطيعين ذلك؟"
-"بتونيا: لا أعلم, أنتِ أدرى بتفكيري, وبما افعله."
اضطربت ونهضت, أولتني ظهرها وقالت وهي تهم بالخروج من غرفتي:
" غيري ملابسك وتزيني قليلاً؛ لتُخفي ذبول وجهك, سيأتون أهل وسيم بعد صلاة المغرب, أرجوكِ لا أريد المزيد من الهموم."
هي أغلقت الباب, وأنا أخذت أضرب بقدميَّ الأرض, وألطم وجهي, لا أصدق ما يفعلونه بي, وكأني لست إبنتهم, ووحيدتهم, قرة عينهم الأولى والأخيرة.
توجهت إلى خزانتي, أخرجت تنورة خضراء, وقميص بنفسجي, وحجاب قرمزي اللون, ووضعت الكثير من الألوان على وجهي.
جرس المنزل يُقرع... اقترب أجلي يا الله. كن بعوني
بعد نصف ساعة أتت أمي تُناديني للخروج, عندما رأتني فتحت فمها و عينيها مصعوقةً, من قوس قزح الَّذي يظهر أمامها, هتفت:
-" ما هذا يا باتي؟ هل ستفضحيننا أمامهم؟ أرجوك يا ابنتي بدلي ملابسك, وامسحي تلك الألوان عن وجهك, هيا أسرعي, إنهم بانتظارك"
-"بتونيا: هكذا سأخرج ولن أبدل شيئاً"
-"حياة: أنتِ أدرى, سأهتف لوالدك ليتدبر أمرك"
خرجتْ, وبعد أقل من دقيقة أتى والدي, نظر نحوي بغضب, ثم التقط ذراعي بشدة, وراح يوبخني, أشعر بأن ذراعي تتهشم بين يديه,
رفعت رأسي لأنظر إليه, ثم قلت:
"لن أخرج, ولن أتزوج, إفعل ما تشاء"
و قبل أن أتم جملتي, نزلت يدهُ على وجهي كالصاعقة, ثم قال:
"بدلي ملابسك سريعاً, وإلا سأُبرحكِ ضرباً أمامهم, بل سأزوجكِ اليوم ومِنْ صديقي هشام "
أفلتَ ذراعي وولى خارجاً, كانت أمي تقف أمام الباب, أغلقت الباب ولم تتحرك لي شعرة لحزنها. لم أستطع منع دموعي من السقوط, أخرجت فستاناً أسود, وحِجاب بنفسجي اللون, نَظفت وجهي من المكياج, ولم أبالي باحمرار وجهي, ولا بأصابعه التي وُشِمت على خدي الأيمن.
ذهبت إلى المطبخ: كانت عمتي قد حضَّرت القهوة, حملت الصينية؛ لأخرج فقالت لي:
-" ما هذا يا باتي؟ وجهك ذابل, لِمَ لم تضعي شيئاً ليُزهر قليلاً؟, أو على الأقل لتُخفي الاحمرار الّذي يصبِغُ خدك"
لم أعر كلامها أي اهتمام, حملتْ صينيتي, وتوجهت إلى غرفة الضيوف.

بتونيا زهرة المجرة 🌸 حيث تعيش القصص. اكتشف الآن