18

57 5 0
                                        

                               *****
لا أُصدق أُذُناي أهذا وسيم؟ لِمَ ليفرغ غضبه بي؟ وماذا يعني: بعاد عقلي إلى رأسي؟ ألا يكفيني ما أتحمله هنا؟ حتى أنت يا وسيم, أعلم أنني أهملته كثيراً هذه الفترة, لكن ماذا أفعل؟ أخاف أن تتسلط علي المشرفة, وأقضي سنين بالسجن من أجل تهمةٍ باطلة. يا رب ألطف بي, لم أعد أحتمل, أخاف أن تضعف نفسي وأفعل كما فعلت رزان, يا رب قوني بك, وثبتني؛ كي لا أظِل.
-"لانا: ألن تأتي لنتناول طعام الإفطار؟"
-"بتونيا: لا أشتهي شيئاً يا لانا "
-"لانا: ألا زلت تفكرين بحديث وسيم؟"
-"بتونيا: بوسيم, ورزان, وجدتي, وبعطلة ما قبل الامتحانات, وتسجيل الصوت الذي تُخفيه المشرفة, لو أننا في المدرسة؛ لتحسنت حالتي قليلاً"
-"لانا: لا اله إلا الله .هل اشتقت للمدرسة بهذه السرعة؟ لا تقلقي, بقي يومين للامتحانات, وتعودين إلى عزيزتك المدرسة"
-"بتونيا: متى ستنتهي امتحاناتي وأرتاح؟ "
-" لانا: لن ترتاحي, وعدتني أن نخرج من هنا معاً, بقي لي أُسبوعين هنا"
-"بتونيا: الحمد لله, وأنا أفكر.. هل بقي مصائب لم أُحصِها؟"
-"لانا: صحيح باتي, ما رأيك أن نفعل مغامرة قبل خروجنا من هنا؟"
-"بتونيا: مغامرة؟ وما هي؟"
-"لانا: أن نسرق هاتف المشرفة, ونمسح التسجيل "
-"بتونيا: هل جُننتِ أنتِ؟ مستحيل"
-"لانا: لا تخافي, أنتِ فقط ستراقبين المدخل, أنا سأدخل وأُعيد ضبط المصنع لهاتفها, وحركة إضافية سأرش حاسوبها الشخصي بالماء, وأسرق منه كرت الذاكرة"
-"بتونيا: ما شاء الله, من أين اشتريتِ ذكاءك هذا؟ لو إستهلكته في كتب المدرسة؛ لكان أنفع لكِ, كيف ستفعلين كل هذا سريعاً؟ ثم أنت جبانة, وتخافين, لن تفعليها"
-"لانا: لا أنوي أن أنجح أصلاً هذا أولاً.. ثانياً هذه لعبتي, لا تقلقي, وأخيراً ليُصبح من يخاف منكِ مثلكِ"

ضحكت على سذاجتها, إنها فتاة طيبة القلب, لكنها بلهاء, كيف سنعيش سوياً ونحن لا نملك عشرة قروشٍ حتى؟ آهٍ من حياتنا نحن المشردين, يا رب عوضنا بالآخرة.
-"سحر: باتي أسرعي إلى غرفة المديرة"
-"بتونيا: ماذا حدث؟"
-"سحر: لم يحدث شيء, لديك ضيفة تُريد رؤيتك"
-"بتونيا: من هي؟"
-"سحر:لا أعلم, فقط أرسلوني لأخبرك, هيا ما بك؟"
هل عساها تكون عمتي منى؟ أم جدتي؟ هل عادتا من أجلي؟ انطلقت مهرولةً إلى الإدارة, والفرحة تغمرني؛ في النهاية رق قلبها, كنت أعلم أن هذا سيحصل.
طرقت الباب ثم دخلت, وطبعاً صُدمت, لا بل دُهشت كثيراً, حتى أنني تحنطت في أرضي.
-"المديرة: تعالي يا ابنتي اقتربي, السيدة رنا أتت للإطمئنان عنكِ"
ماذا يجري هنا؟ لماذا أتت؟ هل ستُعيدني معها إلى المنزل؟ يا رب.
-"رنا: اقتربي يا باتي, هيا اجلسي أمامي أريد أن أتحدث معكِ"
ذهبتُ مذعنةً للأمر, وجلست أمامها على المقعد, ثم استأذنت المديرة وخرجت, قلبي ينبض بشدة يكاد يخرج من مكانه, ماذا ستخبرني؟
-"رنا:كيف حالك يا باتي؟ هل أنتِ مرتاحة هنا؟"
-"بتونيا: الحمد لله "
-"رنا: بتونيا يا ابنتي, دعينا ننهي هذه الترهات التي بيننا, تعلمين أنني أُحبك كسلمى. وأنني ساعدتك كثيراً بعد وفاة والديكِ "
-"بتونيا: شكراً لك؛ لأنك ساندتني, لكن لِمَ كل هذه المقدمة؟"
-"رنا: أُريدك أن تتطلقي من وسيم"
ماذا؟ هل جُنت؟ لا طبعاً, ماذا سأخبرها؟ إمتقع لون وجهي, وبدأت عيناي تترقرق بالدمع.
-"رنا: اسمعيني يا بنتي, وسيم يُشفق عليكِ لا أكثر, لا أريد أن يكسر قلبك بعد أن تتعلقي به أكثر, وسيم لا يحبك, يُحب رزان التي وعدها بالزواج, رزان التي حاولت الانتحار؛ لأنه لا يزال معكِ, هذا هوسٌ عابر يا ابنتي, عندما تكبُرين ستتأكدين من كلامي, أرجوكِ اعذريني كان يجب علي أن أكسر قلبك؛ لتُصبحي أقوى "
-"بتونيا: لكنني أحبه كثيراً, وسيم سندي الوحيد في هذه الحياة, وأنا متأكدة من حبه لي"
-"رنا: وأنا؟ كيف ستُكملين حياتك وأنا لا أُريدك؟ افهميني يا باتي أريد أن أُزوج ابني بفتاة من مستواه, هل ترضين أن يُذاع بين الناس أن رنا زوجت ابنها للقيطة؟ فكري برزان, إذا تزوجتما هل ستنجو للمرة الثانية؟ هل تستطيعين أن تحملي ذنبها طوال عمرك؟"
-"بتونيا: وأنا هل تستطيعين تحمل خَطيتي طوال عمرك؟"
-"رنا: لن أتركك أعدك, كلما احتجت لشيء اتصلي بي, لكن لا تُدمري حياة وسيم, الذي طلبك من والدك؛ لأنه أشفق على معاملته لك, ولأنه علم بحقيقتك, وإن لم يكن بقاؤه معك شفقة؛ فهو لا يترك أمانةً أوصاهُ بها أحد فكيف لو كانت أمانة أموات؟"
تصلب الدم بعروقي, ماذا عساني أفعل؟ هل حقاً وسيم يُشفق علي؟ لا أستطيع تركه, كيف سأفعل ذلك؟ تمالكت نفسي وهممت واقفة, ثم قلت:
" سينتهي الأمر اليوم, لا تخافي, أريد منكِ أن تأخذي لي إذناً لساعتين؛ لألتقي بوسيم"
-"رنا: كما تريدين يا ابنتي"
-"بتونيا: لو سمحتِ لا تناديني بابنتك؛ لأنني بلا والدين, يعني لقيطة كما تقولين."
خرجت من الغرفة أجر أذيال الخيبة, والحسرة, كانت تنتظرني لانا بالممر, عندما رأيتها أسرعت أحاوطها بذراعي وأبكي, تذكرت أمي, تخيلت لانا أمي حياة.. آهٍ يا أمي, كنتِ تقولين: لا أتصور حياتي بدونك, ها أنا الآن أحيا هذه الحياة بدونك.
تخلى عني الجميع يا أبي, سامحكما الله, لما اشتريتماني؟ لِمَ لمْ تدعاني أعيش طفولتي بمراكز الأيتام؟ لآخذ احتياطاتي من العالم الخارجي, لِمَ لمْ تُدرباني على هذه الحياة القاسية؟
اصطحبتني لانا إلى الغرفة, لم أبح لها بما دار بيننا, كنت أميل برأسي على كتفها وأبكي, إلى أن أتت سحر مرةً أخرى تخبرني: أن أُهيئ نفسي بعد عشرة دقائق؛ للخروج من هنا.
أخذت هاتفي واتصلت بوسيم, هاتفه مغلق, أرسلت رسالة لسلمى أطلب رقم هاتف زيد؛ لأنني متأكدة من وجوده معه.
اتصلت بزيد فأجاب:
"نعم, من معي؟"
-"بتونيا: أنا بتونيا, هلّا أعطيت الهاتف لوسيم لو سمحت؟"
-"زيد: نعم بالطبع, انتظري قليلاً"
ثم بدأ يناديه.
-"وسيم: بتونيا؟ ماذا حدث؟"
-"بتونيا: لا تقلق لم يحدث شيء, هاتفك مغلق, فطلبت رقم زياد من سلمى؛ لأنني أعلم أنك برفقته"
-"وسيم: عقلة الإصبع لا أريد الحديث بأي موضوع أرجوكِ, ثم أخبرتك أنني سأعاود الاتصال بك في وقت فراغي"
أخافني حديثه معي, وبدأت أشك بما قالته رنا, هل تبقى معي لشعورك بالشفقة أم لأنني أمانة والداي لك؟
-"بتونيا: لا تُغلق تمهل, سأكون في مدينة الألعاب التي أخذنا إليها أبي, أريد أن أراك هناك, على ذات المقعد الذي جلس عليه والداي, إلى اللقاء"
أغلقت الهاتف وبدلت ملابسي, ثم عدت لأرافق الخالة رنا, وطبعاً أحضرت عقد الزواج معي؛ لأنني أنوي إنهاء كل شيء اليوم, سأُفرغ حياتي من الجميع, سترون.
وصلت إلى المكان قبل نصف ساعة, لكنه كان هناك, قابعاً على نفس المقعد, شارد الذهن, هنا بدأ حبي له وهنا سينتهي, اتجهت نحوه, عندما انتبه لوجودي دهُش:
-" ماذا تفعلين هنا قبل الموعد؟"
-"بتونيا: أنت ماذا تفعل هنا قبل الموعد؟"
-"وسيم: لا تردي على سؤالي بسؤالٍ"
-"بتونيا: كنت أُريد الجلوس لوحدي قليلاً"
أمسك بيدي وأجلسني بجانبه, ثم قال:
"هل حدث معكِ خطبٌ ما؟ أخبريني أرجوكِ, ثم كيف استطعت الخروج؟ هل هربتِ؟"
-"بتونيا: لا يا وسيم, أتيت لسببٍ مختلف, ولم أهرب"
-"وسيم: سبب ماذا؟"
-"بتونيا: أريدك أن تُطلقني"

بتونيا زهرة المجرة 🌸 حيث تعيش القصص. اكتشف الآن