*****
اتجهت إلى غرفتي على عجل؛ كي لا تراني والدتي على هذا الحال, ألقيت بجسدي المتهالك على السرير؛ أحاول النوم, لكن أفكاري كثيرة وأحلامي كبيرة, كنت أدفن رأسي تحت وسادتي؛ لأوقف تلك الأفكار, لكن من أوقفها لم تكن الوسادة: بل رسالة نصية من مُهجة الفؤاد الجارحة.
كانت تعتذر مني على خطأها, كيف سأرد عليها الآن؟ فأنا يا رفاق كما تعلمون لم أعد وسيم سليط اللسان, لا أعلم كيف أصبحتُ رقيق القلب, دافئ الكلمات؟
أجبتها:
"إعترفتِ أنك ساحرة إذن, لا عليكِ, سامحتك. تستطيعين النوم براحة تامة. تُصبحين على خير يا عقلة الإصبع"
وغرقت أنا بنومٍ عميق, استيقظت في الواحدة ظُهراً, ولأول مرة أغطُ بنومٍ هانئ دون أن يُزعجني أحد, غسلت وجهي ونظفت أسناني, واتجهت إلى الطابق السفلي, حيث يقع المطبخ. كان المنزل فارغ: أمي وسلمى في المدرسة, صنعت شطيرة, ثم تناولت هاتفي وطلبت رقم باتي؛ للإطمئنان عليها, فهي لا زالت في إجازة من المدرسة؛ بسبب ارتجاج الدماغ الّذي أصابها مؤخراً.
رن الهاتف طويلاً, أيُعقل أن تنام للآن؟
-"بتونيا: ماذا تريد يا وسيم؟"
-"وسيم: أتموتين إذا تكلمتِ بلُطف؟ أُريد الإطمئنان عليكِ, هل مرضتِ؟"
-"بتونيا: لا, لم أمرض, وحتى لو مرضت, لن أُخبرك؛ لتشمت بي, أصلاً تكفيني الأمراض التي تُلازمني في المدة الأخيرة."
-"وسيم: ما هذا الصوت؟ هل أنتِ في الخارج؟"
-"بتونيا: أجل, خرجتُ مع والديّ إلى مدينة الألعاب"
-"وسيم: هل تُمازحينني؟ والدكِ, وأنتِ, والألعاب, لن أُصدق ذلك, حتى لو رأيتكما بأم عيني"
-"بتونيا: إذن تفضل لترى بعينيك, ننتظرك.. لا تتأخر"
أغلقت الهاتف بذهول, ما الّذي يحصل لزياد؟ ما هذا التغيير المفاجئ والكبير؟ هل يُعقل أن يفسخ الخطوبة أيضاً؟ لا, لن يفعلها, ليس إلى هذا الحد.. سأذهب لأرى.
بدَّلت ملابسي وخرجت من المنزل على عجل؛ كي لا أتأخر على الحبيبة. عندما وصلت كانت الخالة حياة تجلس على مقعدٍ لوحدها, اتجهت نحوها, رحبت بي ثم سألتها:
"أين باتي وعمي زياد إذن؟"
أشارت بيدها إلى إحدى الألعاب, كانا يجلسان بقرب بعضهما, وصوت صُراخهما وضحكاتهما يظهر من بين عشرات الأشخاص الّذين يلعبون ذات اللعبة.
نظرت نحو الخالة حياة, كانت تنظر نحوهما, وهي تضحك تارةً, وتبكي تارةً أُخرى.
-"وسيم: ما الذي يحصل يا خالتي؟ بماذا يُفكر العم زياد هذه المرة؟"
أمسَكَتْ بيدي وأجلستني على المقعد أمامها, ثم قالت:
"أن يُطلقها منك ويستعيد ابنته"
صعد الدم إلى رأسي, واصطكت أسناني, وأخذ قلبي ينبض بشدة, بان الخوف على وجهي الَّذي شحب بسرعة البرق, ثم نطق لساني مُثقلاً:
"نعم؟"
-"حياة: لا تخف يا بني, لِمَ تغير لون وجهك؟"
-"وسيم: هل تريدين مني أن أضحك على هذا الحال؟ سيأخذ بتونيا مني, ثم سيعود إلى شدته, لن أقبل بهذا, لا.. مستحيل, لن أسمح لكما"
-"حياة: اهدأ يا بني, لن يحصل هذا, زياد أَحبك كثيراً, ورأى شبابه فيك, لن يتخلى عنك"
-"وسيم: على ماذا ينوي إذاً؟ ماذا يُريد أن يفعل؟"
-"حياة:عاد زياد القديم, وأنت سرُّ هذا التغيير المًفاجئ, بفضلك يا ولدي تعود حياتنا إلى الاتزان, أعدت البهجة والحب إلى منزلنا, الأهم من ذلك عودة المياه إلى مجاريها بين زياد وباتي, في الأمس أخبرته عن قصتك مع صغيرتي, لو رأيته كيف بكى كالثكلى؛ لأنه جرَّ إبنته للقسوة, ربما كانت الآن ستكون في حالٍ آخر بعد الحادث, وابنتي في السجن, تخيل! فكَّرَ حتى بهذا الإحتمال, وأخبرني أنه لن يستطيع أن يفقدها بعد كل هذا التعب؛ لحمايتها والخوف المكتوم الذي كان يعيشه"
-"وسيم: مع هذا لن أسمح لكما بأخذها, وحتى لو أصبح أفضل أب في العالم, بتونيا ستصبح زوجتي, هل فهمتِ؟"
وقفت ألتف حول نفسي, وأُفكر بالإحتمالات الجديدة, ثم قلت:
-" هل أخبرها أنهُ بإمكانها الطلاق مني؟"
-"حياة: هلَّا جلست؟ لقد أشعرتني بالدوار."
بعد أن جلست في مكاني عادت تُكمل حديثها:
"أجل, أخبرها"
-"وسيم: وماذا قالت؟"
-"حياة: لم تُجب, لا زالت تفكر, تخاف أن تكسر قلبك بعد كل المساعدات التي قدَّمتها من أجلها, لكن زياد أعطاها أسبوعين؛ لتأخذ قرارها على مهل"
-"وسيم: أسبوعين ها "
أغمضت عينّي بألم, ورحت أحاول ضبط دموعي من الإنفجار, كنت أعلم أن هذه الخطوبة ستنتهي, لكن لم أفكر أنها ستكون بهذه السرعة, ماذا سأفعل؟ كيف سأُطيقُ الحياة بدونها؟ وزياد ماذا لو عاد إلى ما كان عليه؟
نهضت بصعوبة عن مقعدي؛ لأُغادر المكان, عادت الخالة حياة وأمسكت ذراعي, ثم قالت:
"لا تخف يا وسيم, لن تتطلقا فابنتي لن تتخلى عنك بعد تضحياتك لأجلها, حتى أنني متأكدة من حُبها لك"
-"وسيم: أتمزحين يا خالة؟ ألم تكوني شاهدة على حادثة البارحة؟ هل رأيتِ مُحِباً يُعامل حبيبه بحقد؟ ثم أنتِ تعلمين أنها ستنتظر هذين الأسبوعين؛ لتُبلغني الموضوع بروية وتتركني, لِمَ لِتُراوغي في الكلام, وتزرعي داخلي أملً مستحيل, لا عليكِ, إنسي الأمر؛ لعله خيراً. سأذهب الآن, أراكم لاحقاً"
ثم ضرب في الوسط الصوت المفضل لدي, ألطف من ألطف موسيقى في العالم.
-"بتونيا: إلى أين؟ هل ستذهب قبل أن ترانا؟"
استدرت نحوها: كانت تفيض بالحياة, تقاسيم وجهها تشعُ فرحاً, خفت أن أُلوث هذه اللوحة الكاملة بحزني, وألم قلبي, فاجأتني بيدها التي تمتد لمصافحة يدي, ما إختلاطات المشاعر التي أعيشها الآن؟ أأفرح؟ أم أموت؟ لا أعلم, مددت يدي والتقطت يدها الصغيرة ذات الأنامل الرقيقة, ثم مد زياد يده مصافحاً وسحبني نحوه, ضَّمني وهو يُفلِت ضحكة من أنفه, ثم هتف:
"لن أدعك تذهب, ستُمضي اليوم برفقتنا "
-"وسيم: لا يا عمي, لن أستطيع, طرأ لي أمراً عاجلاً, يجب أن أذهب الآن"
-"زياد: لن تذهب إلى مكان, ثم لا تقلق لن يحصل ما تُفكر به, أرح دماغك يا رجل"
-"بتونيا: ما الَّذي لن يحدث يا أبي؟"
-"زياد: كلام كبار يا فتاة, لا تتدخلي, هيا اذهبي واشتري لنا شيئاً نتناوله, معِدَتي تئن من الصباح, هيا يا وسيم رافقها"
والله إني تائه, لا أعلم بما سأفكر؟ وبما أجيب؟
-"بتونيا: أأنت مُتأكد يا أبي؟ "
-"زياد: أُريد أن أجلس مع زوجتي بمفردنا, هل تسمحين لنا؟"
وبلحظةٍ مفاجئة قَبَضَت على معصمي, وقالت :
"هيا إذن, ستأكلون على ذوقي اليوم"
شدتني من يدي لأقترب إلى جانبها؛ وكأني طفل ضائع عاد إلى والدته بعد ساعةٍ من البحث عنه, لله مشاعري وما أنا عليه الآن, أكاد أموت من دهشتي, قلبي يرفرف يا رفاق, حتى أنني نسيت الخَطَر الَّذي يقترب مني, ورحنا نركض بالساحةِ: كمجانين دون أن نتفوه بحرف, تُمسك بيدي وقلبي في ذات الوقت.
أنت تقرأ
بتونيا زهرة المجرة 🌸
عاطفيةرواية بتونيا "زهرة المجرة" pdf تأليف نعمه الزعبي.. رواية اجتماعية رومنسية، ستأخُذكَ بعيداً عن عالمِك حتى و إن كنت لا تُحِبُ القراءة؛ فستُعجِبُك روايتي هذه، ستذهبُ معها برحلةٍ طويلة نوعاً ما، لكنك ستُحِبها ستعيش تفاصيلها، ستُضحكُك و تُبكيك، وربما تك...
