*****
بعد خروج سلمى لمدرستها, أقفلت باب غرفتي بالمفتاح؛ كي أمنع رزان من تنغيص نهاري, وضعتُ سمَّاعتي في أذناي, وأخذت أستمع لفيروز, تناولت كتاب لأحلام مستغانمي بعنوان (عابر سرير) وقرأت الكثير من الصفحات, حتى وصلت إلى هذا الاقتباس, اقرأوا بالله عليكم.
(عاودتني تلك الأمنية ذاتها: ليت صوتها يُباع في الصيدليات لأشتريه .. إنني أحتاج صوتها لأعيش.. أحتاج أن أتناوله ثلاث مراتٍ في اليوم.. مرة على الريق, ومرة قبل النوم, ومرة عندما يهجم علي الحُزن, أو الفرح كما الآن .. أي علمٍ هذا الذي لم يستطع حتى الآن أن يضع أصوات من نحب في أقراص, أو في زجاجة دواء نتناولها سرا, عندما نُصاب بوعكةٍ عاطفية بدون أن يدري صاحبها كم نحن نحتاج إليه)
التفكير وحده بأنني لن أراها يومياً يُنغَّصُ كُلَّ أوقاتي, لست بحاجةٍ لتدخل من رزان, سأنتظر الآن الفترات المتباعدة لأُلقي عليها السلام فقط, يا رب أعلم أنها من ضلعي, أشعر بهذا فعجل التئامنا.
في الثانيةِ عصراً, عادت سلمى من مدرستها, اتَجَهت نحوي مباشرةً دون أن تُلقي السلام, كنت حينها أجلس مع خالتي وأمي, وصاحبة الشعر المُنتفش, انحنت مُقتربةً من أُذُني, ثم قالت مُرتجفة الصوت:
"هلّا أتيت معي؟"
كان الجميع ينظرون نحوها متسائلين, لكنها لم تُعرهم انتباهاً, وذهبت إلى غرفتها.
-"رنا: ماذا أخبرتك؟ ما بها؟"
-"وسيم: لا أعلم يا أمي, الآن سأصعد لأرى ما بها "
لم أصل إلى غرفتها إلا بشق الأنفس؛ فقد كانت قدماي تؤلمانني بشدة, عندما صرعتُ الباب وجدتُها تجلسُ على الأريكة: مُصفرة الوجهِ, مُرتجفة الجسد.
-"وسيم: ما بكِ يا صغيرتي؟ أخبريني ما هذه الحالة؟"
-"سلمى: باا..تي"
انزلق قلبي إلى قدماي خوفاً, وكأن ما أصاب سلمى من هلعٍ قد أصابني.
"ماذا حدث لها؟ هيا تكلمي"
أخبرتني بما حصل أمام مدرستها, اشتعلت النار بداخلي, ماذا سنفعل الآن؟ كيف سنتدخل؟
لحِقت بنا والدتي؛ لتعلم ماذا يحدث؟ فأعادت سلمى سرد الحادثةِ على أمي, وأنا أذرعُ الغُرفة ذهاباً, وإياباً, يميناً يساراً, يداي مُتشابكتان, وباطنهما مُتعرق, قلبي يتسابق بالنبض والألم مع أمعائي, هل يا تُراه يؤذيها؟
أَخَذَت أمي تُطبطب على سلمى, وتُهدأ من روعها, وأنا يا أمي, ألا تعلمين بكمية الحريق الذي يجتاحُ جوفي؟
إصطحبتنا أمي معها لنتناول طعام الغداء؛ لكننا بقينا نُحرِك الملاعق في أطباقنا دون أن نُقربها من أفواهنا حتى.
اعتذرت أنا وصعدت إلى غرفتي, ولحقت بي سلمى, بقينا نفكر بحلٍ, لكننا لم نجد, في المساء غادرت خالتي, ولم ننزل لنودعها.
بقينا هكذا لليوم التالي, ثم أصريتُ على سلمى أن تتصل بها.
"سلمى, هلّا اتصلتِ بوالدة بتونيا؟ "
-"سلمى: لا أستطيع, أخاف أن أزيد الطين بِلة"
-" أرجوكِ. هيا المهم هو أن نطمئن عليها"
أخذت سلمى هاتفها تطلب والدة باتي, فردت عليها عُقلة الإصبع, أخذت الهاتف من سلمى, وفتحتُ مُكبر الصوت, نَظَرَت الأخيرةُ نحوي باستغراب ثم حركتُ لها إصبع السبابة بحركة دائرية أمام فمي؛ لتتذكر لِمَ اتصلت بها؟.
أنت تقرأ
بتونيا زهرة المجرة 🌸
عاطفيةرواية بتونيا "زهرة المجرة" pdf تأليف نعمه الزعبي.. رواية اجتماعية رومنسية، ستأخُذكَ بعيداً عن عالمِك حتى و إن كنت لا تُحِبُ القراءة؛ فستُعجِبُك روايتي هذه، ستذهبُ معها برحلةٍ طويلة نوعاً ما، لكنك ستُحِبها ستعيش تفاصيلها، ستُضحكُك و تُبكيك، وربما تك...
