*****
انتهى أسبوع طويل في البحث عن عمل بدون فائدة, لقد تورمت أقدامنا من السير بين المحال, لم يتبقى لدينا حلول, والمال الذي معنا انتهى؛ صرفناه على المنزل, أشعر أنني كلما انتقلت لمرحلة, أشتاق لما قبلها؛ لأنها تكون أقسى من سابقتها.
عدت إلى المنزل وبدأت أُحضر الطعام, أفتح مواقع الانترنت وأُطبق الوصفات, والنتيجة كارثية, لكننا مُجبرتان على تناولها؛ فلا مال معنا لنشتري الطعام من الخارج.
ها هو صوت لانا يصدح بالشتائم, الواضح أن بحثها عن العمل كان بدون نتيجة.
-"بتونيا: ستُفرج لا تخافي, فقط قولي يا الله"
-"لانا: لقد تعبت اهترأت أقدامي, متُّ من العطش, تخيلي لم يتبقى معي مال لأشتري قنينة ماء, لقد أفلسنا ماذا سنفعل لا أعلم؟"
-"بتونيا: ما بكِ؟ انتهى شغفكِ سريعاً, ثم لا تقلقي أشعر أن الفرج قادم, فلنا ربٌ رحيم"
-"لانا: يا رب. أخبريني ماذا أعددتِ لنا اليوم؟"
-"بتونيا: أرز وعدس, ادعي الله أن يكون لذيذاً"
-"لانا: طعام الفقراء, الحمد لله"
-"بتونيا: ماذا يوجد في فمكِ أخبريني؟"
-"لانا: قابلت اليوم إحدى خريجات المركز, وتحدثنا قليلاً "
-"بتونيا: يعني؟"
-"لانا: لن تصرخي وتحتدي, اسمعيني ثم أجيبي"
اضطربت من كلماتها, أنا متأكدة من أنها ستوقعنا في مصيبة:
"تفضلي.. أسمعك"
-"المكان الذي تعمل به يريد موظفين, والراتب ممتاز لكن العمل سيكون مساءً"
-"بتونيا: ما طبيعة عملها؟ هيا انطقي"
أجابت بتردد:
"في ملهى ليلي"
-"بتونيا: ماذا؟! أجُننتِ؟ لا أستطيع تصديقك, مستحيل طبعاً لن أعمل, أُفضل الموت على العمل به"
-"لانا: يا باتي اسمعيني؛ لنجرب, نذهب الليلة ونجرب, إذا لم يعجبكِ الوضع اذهبي"
-"بتونيا: أقسم أنكِ فقدتِ عقلكِ, أهذا هو حلُّك؟ وماذا سيكون عملنا راقصات أم بائعات هوى؟ أخبريني بالله عليكِ, أنا رفضت بعض فرص العمل فقط لأنني لم أرتح لأصحابها, وتطلبين مني أن أُجرب؟"
-"لانا: لا تعملي, كما تشائين لكن أُريد منك أن تُرافقيني, لا تتركيني أذهب لوحدي"
ذهبت إليها ومسحت على شعرها, وقلت:
" لا تفعلي هذا أرجوكِ, الله هو الرازق سيرزقنا ونحن في بيوتنا, انتظري قليلاً, ثم أخبريني كيف ستتزوجين؟ هل هناك رجلٌ يقبل أن يرتبط بفتاة تعمل في ملهى ليلي؟ "
-"لانا: هل تظنين أن جميع من يعملن هناك بلا أخلاق؟ أنتِ مخطئة إذن, من يقبل الذل على نفسه دون سبب؟ هذه الفتاة التي صادفتها تعمل مغنية منذ خمس سنوات, لكنها أقسمت لي أن أحداً لم يقترب منها, فقط لتُربي طفليها بعد زواجها من شخصٍ ظلمها ودمر حياتها, ثم طلَّقها ورماها إلى الشارع مع أطفالها, أرجوكِ دعيني أُجرب, أنا قوية وأستطيع الدفاع عن نفسي, أريد أن تذهبي معي, وإذا لم أرتح للوضع سنعود إلى هنا, أرجوكِ اقبلي"
-"بتونيا: لا أعلم بما أُجيبكِ, أتستسلمين في بداية الطريق"
-"لانا: الراتب ممتاز يا باتي, سيؤمن لنا ما نحتاج, هيا اقبلي كوني بجانبي الليلة فقط لو سمحتِ"
-"بتونيا: دعينا نتناول طعامنا أولاً "
أنهيت تناول طعامي المالح, ونظَّفت الأطباق, كانت لانا قد نامت والدموع تُغرق وجهها, كيف سأجعلها تُعدل عن قرارها؟ أظن أن هذا صعب, يجب أن ترى بعينها لترفض من دون ضغطٍ مني, لن أتركها سأرافقها, لن أدعها تُلقي بنفسها إلى التهلكة.
فتحت هاتفي أُريد أن أحادث أحدهم, أشعر أنني سأُجن, أأتصل بشهد أم سلمى؟ فكرت قليلاً ثم بدأ هاتفي بالرنين كانت سلمى, بالتأكيد وَصَلتها رسالة؛ تخبرها بأنني قد فتحت هاتفي, هل أُجيب يا ترى؟ لا أريد أن أُصدم بشيءٍ جديد, ليس أمامي حل سوى أن أُجيب.
-"سلمى: بتونيا, أخيراً, لماذا تُغلقين هاتفكِ؟ أخبريني حبا بالله, حتى هاتف لانا مُغلق, وأنا متأكدة أنكِ السبب"
-"بتونيا: اهدئي أرجوكِ, لن أحتمل عتابك الآن, رأسي سينفجر من الصداع"
-"سلمى: هل أنتما بخير؟"
-"بتونيا: لا, سأذهب الليلة إلى ملهى, لأرافق لانا تريد أن تعمل هناك "
-"سلمى: هل جُننتما؟ أتركيني من لانا, كيف ستذهبين أنتِ؟"
-"بتونيا: لا أستطيع تركها بمفردها, سأُرافقها الليلة فقط"
-"سلمى: مجنونة لا تفعلي هذا, بتونيا, أعطني عنوان بيتك, دعيني أتحدث معها"
-"بتونيا: افهميني لا أستطيع "
-"سلمى: كي لا يعلم وسيم بمكان إقامتك, هل هذا صحيح؟"
-"بتونيا: نعم, صحيح, سلمى أردت أن أُفضفض لك لا أكثر؛ لأنني أشعر بالضيق, لا أستطيع العدول عن قراري. أتحدث معكِ لاًحقا, إلى اللقاء"
-"سلمى: انتظري لا تُغلقي "
أغلقت الهاتف ورحت أجوب الغرفة في ضيق, أشعر بكتلةٍ من النار تشتعل بقلبي, يا رب أبعدنا عن الحرام, يا رب ألطف بنا.
في المساء بدلنا ملابسنا, ثم خرجنا, كانت ملابس لانا برَّاقة ومزينة, ووجهها مصبوغٌ بألوان المكياج الفاقعة, خرجت من المنزل بتردد, كنت ادعي الله أن يُعركس هذا العمل, أن يُخرج أمامنا الحل, حاولت إقناعها بالعودة؛ لكنها رفضت, وتشبثت بذراعي أكثر, كنت أشعر برجفةٍ في يديها, وكأنها تقرع بروحي.
وصلنا إلى المكان بشق الأنفس, كانت الساعة تُشير إلى العاشرةِ مساءً, لا أعلم كيف طاوعتها وخرجت من المنزل في هذا الوقت, الرعب يجتاح كل خلايا جسدي, وأفكاري متداخلة, ماذا لو اعترض طريقنا أحدهم؟ كيف سنحمي أنفسنا؟
توقفنا قليلاً؛ لنرتدي أقنعة القوة, ونأخذ نفساً عميقاً, علَّ الخوف الذي يُريبنا يتبخر, ثم عزمنا الدخول, وفي طريقنا إلى المدخل, سمعت أحدهم يصدح باسمي بغضب, سَرَت القشعريرة بجسدي, تصلبت أطرافي, لم أجرؤ على الالتفات إلى الخلف.
-"لانا: باتي, هذا وسيم "
لا أعلم, وكأن الرعب داخلي قد انجلى, فرحت وحمدت الله كثيراً, إذن وسيم هو العائق, استجمعت قواي والتفت إليه: وجهه مُتعب, كتفيه متراخيان, لكن ملامح الغضب في وجهه تفوز على ملامح التعب, كان يشد على قبضتيه ويحدِجُني بقسوة, ثم اقترب مني وقال حانقاً:
"أهذا ما تطمحين له؟ هل ستعملين هنا؟ فعلتِ ما بوسعك لتتخلصي مني, ألهذا السبب؟ كي تتجهي إلى الحرام"
لم أكن أنتظر هذا الكلام منه, كنت أُريد مواساةً وحب.
-"لانا: أنا السبب, هي أتت معي فقط لتساندني"
رنوت إليه بنظرةٍ باردة, وقلت:
"من أنت لتتدخل بحياتي؟ من تظن نفسك؟ أجبني"
هتف كالملدوغ:
"لا أحد, أنت جعلتني لا أحد بالنسبة لكِ.. أنتِ من أجليتني من حياتك رغماً عني, لم تُخبريني بإتهام المشرفة لكِ, وأخفيت عني ما تعيشينه بالمركز,تخليتي عني بكل بساطة, تركتني بحالةٍ يُرثى لها, ومن دون أسبابٍ مُقعنة, نعم, أصبحت لا أحد بالنسبة لك, لماذا؟ لا أعلم, تكلمي أجيبيني, هل ابتلعت لسانك؟"
لقد خفت لوهلةٍ منه, لم أره بهذه الحال إطلاقاً, ليس وسيم الذي أعرفه, عاد الرعب إلى قلبي, ماذا سأجيبه؟ أخفيت عنه كي لا أزيد همومه, تركته برجاءٍ من والدته, فعلت ما فعلته من أجلك, أهكذا يكون جزائي؟
-"بتونيا: سأحتفظ بالإجابة لنفسي, هيا عد إلى خطيبتك, واتركني وشأني"
-"وسيم: سأعود لا تخافي, اتيت لأعطيكِ أمانة جدتك "
ومد لي ظرف منتفخ, ثم أضاف بتهكم تشوبه مرارة:
"هذا المال المتبقي من وصية والدكِ, خذيه وشاركي صاحب هذا المكان, في شهرٍ واحد تجمعين عشرة أضعاف هذا المبلغ "
ماذا يقول هذا؟ لم أعد أحتمل قلة أدبه, سقطت دموعي بصمت, ثم رفعت يدي لأصفعه بكل قوتي, و كأني سأُخرج كل قهري وألمي من الدنيا فيه, وبحركة سريعة منه, قبض على معصمي ولواه.
قلت بنبرةٍ متهدجة تشي بالضيق:
"إياك أن تقلل أدبك معي! لن أُسامحك يا وسيم, ولا أُريد رؤية وجهك مرةً أخرى, إياك أن تخرج أمامي! "
سحبت يدي من قبضته والتقطت الظرف من يده الأخرى, ثم أعطيته ظهري؛ لأعود إلى المنزل, بظهرٍ محني, وقلبٍ منكسر, متناسيةً لانا التي وضعتني في هذا الموقف المحرج.
أنت تقرأ
بتونيا زهرة المجرة 🌸
Любовные романыرواية بتونيا "زهرة المجرة" pdf تأليف نعمه الزعبي.. رواية اجتماعية رومنسية، ستأخُذكَ بعيداً عن عالمِك حتى و إن كنت لا تُحِبُ القراءة؛ فستُعجِبُك روايتي هذه، ستذهبُ معها برحلةٍ طويلة نوعاً ما، لكنك ستُحِبها ستعيش تفاصيلها، ستُضحكُك و تُبكيك، وربما تك...
