الفصل الثالث
( ريتشيل )
الجمعة، 12 تموز\يوليو 2013
في الصباح
مرهقة أنا! النعاس يثقل رأسي. لا أكاد أنام على الإطلاق عندما أشرب. أغيب عن الوعي ساعة أو ساعتين ثم أستيقظ مع ذعر يصيبني
بالغثيان... غثيان من نفسي. وإذا مرَّ بي يوم من غير شرب، فإنني أغرق تلك الليلة في نوم عميق، فقدان وعي عميق... ثم يصعُبُ عليّ
أن أستيقظ في الصباح التالي؛ لا أستطيع نفض النعاس عني. يلازمني هذا النعاس ساعات كثيرة. يلازمني طيلة اليوم أحياناً.
ليس في عربتي اليوم غير حفنة من الناس. لا أحد منهم جالساً بالقرب مني. لا أحد يراقبني. أسند رأسي إلى حافة النافذة وأغمض
عينَيّ.
يوقظني زعيق مكابح القطار. لقد بلغنا الإشارة الضوئية. في هذا الوقت من الصباح، في هذا الوقت من السنة، تشعّ الشمس مباشرة على
أسطح تلك البيوت عند خط القطار فيغرقها ضياؤها. أكاد أشعر بها... أكاد أشعر بدفء أشعّة الشمس ذلك الصباح على وجهي وعلى
ذراعيَّ وأنا جالسة إلى طاولة الإفطار. توم جالس قبالتي. قدماي العاريتان مستقرتان فوق قدميه لأنهما أدفأ من قدمَيَّ دائماً. عيناي
منكبّتان على الجريدة. أستطيع الشعور به يبتسم لي فيشع الاحمرار من صدري إلى وجنتي مثلما يحدث دائماً عندما ينظر توم إليّ
بطريقة معينة.
ترمش عيناي رمشاً قوياً فيختفي توم. لا نزال واقفين عند الإشارة. أستطيع رؤية جس في حديقتها، ومن خلفها رجل يسير خارجاً من
البيت. إنه يحمل شيئاً ـ لعله يحمل القهوة ـ أنظر إليه فأدرك أنه ليس جيسون. هذا الرجل أكثر طولاً، وأكثر نحولاً... أكثر سمرة من
جيسون. إنه من أصدقاء العائلة. لا بد أنه شقيقها أو شقيق جيسون. ينحني الرجل واضعاً كوبَيْ القهوة على الطاولة المعدنية عند
مدخل البيت. إنه ابن عم قادم من أوستراليا ليمكث عندهم أسبوعين. إنه أقدم أصدقاء جيسون، الرجل الأول في زفافهما. تسير جس
نحوه... تلف ذراعيها حول وسطه ثم تقبله قبلة طويلة عميقة. يتحرك القطار.
لا أستطيع تصديق هذا. تختطف رئتاي الهواء اختطافاً حتى أتنفّس. أدرك أنني كنت أحبس أنفاسي. لماذا تفعل هذا؟ جيسون يحبها...
أستطيع رؤية هذا... إنهما سعيدان. لا أستطيع تصديق أنها تفعل هذا به. هو لا يستحق هذا. أشعر بانزعاج حقيقي. أشعر أنني تعرّضت
للخيانة. يملأ صدري ألم أعرفه جيداً. جاءني هذا الإحساس من قبل واستمرَّ زمناً أطول، وكان أكثر شدة بطبيعة الحال... لكني أذكر
طبيعة ذلك الألم. لا يستطيع المرء نسيانه.
لقد اكتشفت الأمر مثلما يبدو أن الناس كلها تكتشفه هذه الأيام: رسالة إلكترونية! تكون رسالة نصّية أحياناً، أو رسالة صوتية. كانت
بريداً إلكترونياً في حالتي أنا. هذه هي النسخة المعاصرة لأثر أحمر الشفاه على ياقة القميص. حدث الأمر مصادفة... حقاً! لم أكن
أتلصّص. ما كان مفترضاً بي أن أقترب من حاسوب توم لأنه كان قلقاً دائماً من أن أحذف شيئاً مهماً عن طريق الخطأ، أو أن أنقر على
مفتاح لا يجوز أن أنقر عليه فأسمح بدخول فيروس أو تروجان، أو شيء ما.
«ليست التكنولوجيا واحدة من نقاط قوَّتك يا راتش، أليس كذلك؟» قال لي هذا بعد تلك المرة التي حذفت فيها كل محتويات قوائم
الاتصال في حاسوبه من غير أن أقصد هذا. وهكذا، كان مفترَضاً بي ألّا ألمس الجهاز. لكني كنت أفعل شيئاً طيباً في واقع الأمر! كنت
أحاول تعويضه عن كوني بائسة وصعبة بعض الشيء. كنت أخطط لرحلة نقوم بها في الذكرى الرابعة لزواجنا. رحلة تجعلنا نتذكر كيف
كنا. أردتها مفاجأة له. وهذا ما جعلني أحاول إلقاء نظرة على برنامج عمله... سراً... كان عليَّ أن ألقي هذه النظرة.
ما كنت أتلصّص عليه! ما كنت أحاول الإمساك به، أو أي شيء. كنت أعقل من ذلك! ما أردت أن أكون واحدة من تلك الزوجات الشَكّاكات
الفظيعات اللواتي ينقّبن في جيوب أزواجهن. ذات مرة أجبت على هاتفه عندما كان في الحمام فانزعج كثيراً واتهمني بأنني لا أثق به.
كان إحساسي فظيعاً لأنه بدا لي مجروحاً حقاً.
كنت في حاجة إلى النظر إلى برنامج عمله. ترك حاسوبه مفتوحاً لأنه كان يعتزم الخروج في وقت متأخر... إلى اجتماع. كانت تلك
فرصة ممتازة... وكنت أريد أن أنظر إلى برنامج عمله، وأن أسجِّل بعض التواريخ. عندما أغلقت نافذة المتصفّح الذي يحتوي على
برنامج عمله ظهر بريده الإلكتروني، مفتوحــاً... عاريـاً. كانت في قمته رسـالة من com.cinamon@aboyd. نقرت عليها. ×××××. هكذا
كانت الرسالة، مجرد سطر من حرف × يتكرّر. ظننتها في البداية بريداً غير مرغوب فيه... إلى أن أدركت أن تلك الأحرف كانت قُبَلاً.
كانت رداً على رسالة أرسلها قبل بضع ساعات، بعد السابعة تماماً... أي عندما كنت لا أزال أغالب النعاس في الفراش.
غفوتُ الليلة السابقة مفكراً فيكِ. كنت أحلم بتقبيل فمكِ، بتقبيل ثدييك، بتقبيل باطن فخذيكِ. استيقظت هذا الصباح فكان رأسي مليئاً
بك. كنت توّاقاً إلى لمسك. لا تتوقعي أن أكون عاقلاً... لا أستطيع أن أكون عاقلاً... ليس معك أنتِ.
مضيت أقرأ رسائله: وجدت عشرات منها... مخبَّأة في ملف يحمل اسم «آدمن». اكتشفت أن اسمها آنّا بويد، وأن زوجي واقع في غرامها.
هكذا كان يخبرها في رسائله... كثيراً. قال لها إنه لم يعِشْ هذه المشاعر من قبل، وإنه غير قادر على الانتظار حتى يكون معها، وأن الأمر
لن يستغرق طويلاً حتى يتمكنا من أن يكونا معاً.
لا كلمات عندي تصف ما شعرت به ذلك اليوم. أما الآن، وأنا جالسة في القطار، فإنني في غاية الغضب... أظافري منغرسة في راحتَيْ
يدي، والدموع تحرق عيني. أحسست لفحة من غضب عاصف. أشعر كأن شيئاً قد انتُزع مني... مني أنا. كيف استطاعت فعل هذا؟ كيف
استطاعت جس فعل هذا؟ ما مشكلتها؟ انظروا إلى الحياة التي يعيشانها! انظروا إلى جمال تلك الحياة! لا أفهم أبداً كيف يستطيع
الناس التغاضي بلا مبالاة عن الأذى الذي يتسبّبون به عندما يتبعون قلوبهم. من الذي قال إن اتباع القلب أمر جيد؟ بل هو أنانية
محضة، أنانية تحمل المرء على قهر الجميع. غمرتني الكراهية. لو رأيت تلك المرأة الآن... لو رأيت جس... لبصقت في وجهها. سأنتزع
عينيها بأظافري.
في المساء
هنالك مشكلة في الخط. تم إلغاء قطار الساعة الخامسة وست وخمسين دقيقة السريع الذاهب إلى ستوك. وهكذا غزا مسافروه قطاري
فامتلأت العربة بهم، جلوساً ووقوفاً. كان عندي مقعد من حسن حظي. لكنه كان من ناحية الممر لا من ناحية النافذة. وكانت أجساد
المسافرين ضاغطة على كتفي، وعلى ركبتي، كانت تقتحم حيّزي الخاص. أحسست بشيء يدعوني إلى دفعهم عني، إلى النهوض
وإزاحتهم. كانت الحرارة في تزايد طيلة اليوم. كانت مطبقة عليّ الآن. أحسست كما لو أنني أتنفس عبر قناع. كانت النوافذ مفتوحة
كلها، لكن العربة بدت لي من غير هواء رغم حركة القطار... أحسست أني في علبة معدنية مغلقة. لا تستطيع رئتاي الحصول على
كفايتهما من الأكسجين. أشعر بالغثيان. لا أستطيع إيقاف تكرار تذكّر ذلك المشهد في المقهى هذا الصباح. لا أستطيع الكف عن إحساسي
بأنني لا أزال هناك. لا أستطيع أن أكف عن رؤية تلك النظرات على وجوههم. جس هي الملومة في هذا. كنت مسكونة بها وبجيسون هذا
الصباح، وبما فعلته، وبما سيشعر به، وبالمواجهة التي ستحدث بينهما عندما يكتشف الأمر... عندما يتمزَّق عالمه مثلما تمزّق عالمي أنا.
كنت أتجول هائمة غير مركّزة على مساري. ومن غير تفكير دخلت المقهى الذي يقصده جميع من في هنتينغدون وايتلي. دخلت،
وعبرت الباب قبل أن أراهم. وعندما رأيتهم كان وقت الاستدارة والعودة قد فات. نظروا إليّ بأعين متّسعة للحظة قبل أن يتذكروا رسم
ابتسامات على وجوههم. كان مارتن مايلز جالساً مع ساشا وهارييت، كانوا مجموعة ثلاثية خرقاء، تومئ إليَّ... وتلوّح لي من بعيد.
صاح مارتن: «ريتشل!»، ومدَّ ذراعيه صوبي وشدَّني فعانقني. لم أكن أتوقع هذا. صارت يداي محصورتين بيننا، مضغوطتين على
جسده. ابتسمت ساشا وهارييت ومنحتني كل منهما قبلة مترددة في الهواء محاولتَين عدم الاقتراب أكثر من ذلك. عاد مارتن يسأل:
«ماذا تفعلين هنا؟».
مرت لحظة طويلة كان ذهني خلالها خاوياً من كل شيء. نظرت إلى الأرض وأحسست أنني بدأت أحمَرّ. وعندما أدركت أن هذا يجعل
الأمر أكثر سوءاً أطلقت ضحكة زائفة ثم قلت: «مقابلة. مقابلة».
لم يستطع مارتن إخفاء دهشته. وأما ساشا وهارييت فهزتا رأسيهما وابتسمتا. قال مارتن: «أوه! مع من؟»
لم أستطع أن أتذكر اسم شركة علاقات عامة واحدة. ولا واحدة. لم أستطع أن أفكر في اسم شركة عقارية أيضاً. ولم أستطع أن أتذكر
اسم شركة يمكن أن تكون بصدد تعيين موظفين جدد. ظللت واقفة فحسب، أفرك شفتي السفلى بإصبعي، وأهزّ رأسي. قال مارتن
أخيراً: «هذا سرّي جداً، أليس كذلك؟ هنالك شركات غريبة تفعل ذلك. لا يريدون منك أن تقولي أي شيء قبل أن يجري توقيع العقود
ويصبح الأمر كله رسمياً». كان هذا كلاماً فارغاً. وكان مارتن يعرف ذلك. لقد قال هذا لينقذني. لكن كلامه لم يقنع أحداً. تظاهر الجميع
بالاقتناع. وهزّ كل منهم رأسه موافقاً على الكلام. كانت هارييت وساشا تنظران من فوق كتفي صوب الباب. كانتا تشعران بالإحراج من
أجلي. كانتا تريدان الخروج من هذه الحالة بأي طريقة.
قلت: «من الأفضل أن أذهب لأجلب قهوتي. لا أريد أن أتأخر». وضع مارتن يده على ساعدي وقال: «رائع أن أراك يا ريتشل». كانت
شفقته واضحة. لم أدرك من قبل، لم أدرك إلا في السنة الماضية أو السنتين الماضيتين من حياتي، كم هو مخجل أن يكون المرء موضع
شفقة.
كانت خطتي أن أذهب إلى مكتبة هولبورن في طريق ثيوبالدز؛ لكني لم أستطع مواجهة الأمر. فمضيت إلى منتزه ريجنت بدلاً من ذلك.
مضيت حتى نهايته، بالقرب من حديقة الحيوانات. جلست في الظل تحت شجرة دلب مفكرة في الساعات الخاوية التي لا تزال
أمامي... جلست مستعيدة ذلك الحديث في المقهى، متذكرة النظرة في وجه مارتن عندما ودَّعني.
لا بد أن نصف ساعة قد مرّت على جلوسي عندما رن هاتفي. كان ذلك توم من جديد. كان يتصل من رقم البيت. حاولت أن أتخيله وهو
يعمل على حاسوبه المحمول في مطبخه المشمس. لكن الصورة تشوّهت بفعل تدخلات زوجته الجديدة. لا بد أنها موجودة هناك، في
مكان ما، في الخلفية. تعِدّ الشاي أو تطعم طفلتها الصغيرة... ويسقط ظلها عليه. تركت الهاتف يرن حتى تحوَّلت المكالمة إلى البريد
الصوتي. أعدت الهاتف إلى حقيبتي وحاولت تجاهله. ما عدت أريد سماع المزيد... ليس اليوم! كان يومي حتى الآن فظيعاً بما فيه
الكفاية... ولم تبلغ الساعة العاشرة والنصف صباحاً بعد. انتظرت نحو ثلاث دقائق قبل أن أستعيد هاتفي من حقيبتي لأستمع إلى
الرسالة الصوتية. جهّزت نفسي لعذاب سماع صوته ـ ذلك الصوت الذي كان يحدّثني ضاحكاً خفيفاً فصار الآن موبّخاً، أو مواسياً، أو
مشفِقاً ـ لكن الصوت لم يكن صوته!
«ريتشل، هذه آنّا تكلمك». أغلقت الهاتف.
لم أستطع التنفس. لم أستطع منع ذهني من الذهاب هنا وهناك. ولم أستطع منع الوخز في جلدي. نهضت واقفة ومضيت إلى المتجر عند
زاوية شارع تيتشفيلد واشتريت أربع عبوات من الجن مع التونيك. عدت إلى مكاني في الحديقة. فتحت العبوة الأولى وشربتها بأسرع
ما استطعت. ثم فتحت الثانية. أدرت ظهري صوب الممر حتى لا أرى من يمارسون الجري في الحديقة، حتى لا أرى الأمهات يدفعن
عربات الأطفال، حتى لا أرى السائحين. عندما لا أراهم أستطيع أن أتظاهر بأنهم لا يستطيعون رؤيتي أيضاً ـ كما يفعل الأطفال. استمعت
إلى الرسالة المسجَّلة من جديد.
«ريتشل، هذه آنّا». توقف طويل. «يجب أن أتحدث معك عن مكالماتك الهاتفية». توقف طويل آخر ـ إنها تكلمني وتفعل شيئاً آخر... تفعل
أشياء كثيرة في الوقت نفسه، مثلما تفعل الزوجات المشغولات ومثلما تفعل الأمهات... يرتّبن البيت، ويضعن الملابس في الغسالة.
«انظري، أعرف أنك تمرّين بوقت عصيب». هكذا قالت، كأن لا علاقة لها بألمي، «لكنك لا يجوز أن تتصلي بنا في الليل طيلة الوقت». كان
صوتها متكسّراً، مزعجاً. «أمر سيئ أن توقظينا عندما تتصلين، لكنك توقظين إيفي أيضاً. وهذا أمر غير مقبول أيضاً. إننا نتعب كثيراً
حتى نجعلها تنام في هذه الفترة». ماذا؟ ... نتعب كثيراً حتى نجعلها تنام! نعم، نتعب، نحن! أسرتنا الصغيرة... مع كل مشاكلنا وبرامجنا
اليومية. عاهرة ملعونة. إنها دجاجة تضع بيضها في عشّي أنا. لقد أخذت كل شيء مني. أخذت كل شيء، ثم تتصل بي الآن لتقول إن
ألمي لا يناسبها... لتقول إنه يزعجها!
أنهيت العبوة الثانية وفتحت الثالثة. لم يستمر أثر الكحول الطيب في دمي أكثر من دقائق معدودة ثم شعرت بالغثيان. إنني أشرب
أسرع مما يُفترَض، حتى بالنسبة لي أنا. يجب أن أبطئ. وإذا لم أبطئ فسوف يحدث لي أمر سيئ. سأفعل شيئاً أندم عليه. سأتصل بها
وأقول لها إنني لا أبالي بها ولا أبالي بأسرتها ولا أبالي بأن تحظى ابنتها أبداً بنوم هانئ في الليل طيلة ما بقي من حياتها. سأقول لها
العبارة التي استخدمها هو عندما خاطبها ـ لا تتوقعي مني أن أكون عاقلاً ـ استخدم تلك العبارة معي أيضاً في أول تعارفنا. كتبها في
رسالة لي كاشَفَني فيها بعاطفته المتّقدة، بل إنها ليست عبارته أصلاً: لقد سرقها من هنري ميلر. ليس لديها إلا أشياء مستعمَلة. أود أن
أعرف كيف تشعر حيال ذلك. أود أن أتصل بها وأسألها: كيف تشعرين يا آنّا عندما تعيشين في بيتي محاطة بالأثاث الذي اشتريته أنا.
كيف تشعرين عندما تنامين في سريري الذي شاركني إياه سنوات كثيرة. كيف تشعرين عندما تطعمين طفلتك على طاولة المطبخ التي
ضاجَعَني فوقها؟
ما زلت لا أفهم كيف قررا أن يظلا هناك، في ذلك البيت، في بيتي أنا! لم أصدّق عندما أخبرني. كنت أحب ذلك البيت. كنت أنا من أصَرَّ
على شرائه، رغم موقعه. أحببت أن أكون هناك قرب خط القطار. أحببت النظر إلى القطارات ماضية على ذلك الخط. كنت أستمتع
بصوتها الذي لا يشبه زعيق القطار السريع داخل المدينة بل يبدو شبيهاً بالقرقعة التقليدية التي تصدرها القطارات القديمة. قال لي توم
إن الأمر لن يبقى كذلك لأنهم سوف يقومون بتحديث ذلك الخط وسوف تسير عليه قطارات حديثة زاعقة. لكني لم أستطع تصديق أن
هذا سوف يحدث حقاً. كان من الممكن أن أبقى هناك. كان من الممكن أن أسدد ثمن حصته في البيت لو كان لديّ نقود. لكن، ما كان لديَّ
نقود. ولم نستطع أن نجد مشترياً يدفع سعراً مقبولاً عندما افترقنا. وهكذا، قال لي توم إنه سيشتري حصتي ويبقى في ذلك البيت حتى
يحصل على سعر مناسب له. لكنه لم يجد المشتري المناسب أبداً. لقد جعلها تسكن في البيت. أحبت آنّا ذلك البيت مثلما أحببته أنا
وقرَّرَت البقاء فيه. لا بد أنها امرأة تشعر بأمان كبير في داخلها... هكذا أظن... أظن هذا لأن عيشها هناك لا يزعجها. لا يزعجها أن تمشي
حيث مشت امرأة أخرى قبلها. من الواضح أنها لا تعتبرني خطراً عليها. أفكر في تيد هيوز عندما جعل آسيا ويفيل تنتقل إلى البيت
الذي عاش فيه مع سيلفيا كلاف قبل ذلك. تذكرت كيف كانت ترتدي ثياب سيلفيا، وكيف كانت تمشط شعرها بالفرشاة نفسها. أود أن
أتصل بآنّا وأذكّرها بأن رأس آسيا انتهى إلى الفرن، مثلما حدث لرأس سيلفيا أيضاً.
لا بد أنني غفوت. نعست بسبب الجن والشمس الحارة. استيقظت مجفلة ورحت أنظر من حولي مذعورة... باحثة عن حقيبتي. لا تزال
الحقيبة موجودة. كان جلدي يحكّني، ويخِزني. عليه نمل كثير. كان النمل في شعري وعلى رقبتي وفي صدري، فقفزت واقفة على
قدميَّ ورحت أنتزع النمل عني. كان صبيّان مراهقان يتقاذفان كرة قدم بينهما على مسافة عشرين متراً مني. توقفا عن اللعب وراحا
ينظران إليَّ غارقَين من الضحك.
يتوقف القطار. وصلنا تقريباً قبالة بيت جس وجيسون. لكني جالسة في الناحية الأخرى. لا أستطيع الرؤية عبر العربة، وعبر سكة
القطار. هنالك بشر كثيرون يعترضون النظر. لست أدري إن كانا هناك، لست أدري إن كان قد عرف. لست أدري إن كان قد ترك البيت. أو
لعله لا يزال يعيش حياة سيكتشف أنها ليست إلا كذبة.
السبت 13 تموز\يوليو 2013
في الصباح
أعرف أنها بين الثامنة إلا ربع والثامنة والربع من غير أن أنظر إلى الساعة. أعرف هذا من ضوء النهار، ومن الأصوات التي في الشارع
خارج نافذتي، ومن صوت مكنسة كاثي الكهربائية في الرواق خارج باب غرفتي. تستيقظ كاثي باكراً لتنظف البيت، كل سبت... مهما
يكن الحال. حتى لو كان السبت يوم ميلادها. وحتى لو كان يوم انفصالها عن صديقها ـ لا يهم: تنهض كاثي باكراً صباح السبت لتنظف
البيت. تقول إن هذا يمنحها بداية يوم طيبة، وإنه يجعل نهاية الأسبوع كلها حسنة. وبما أنها تنظف البيت تنظيفاً رياضياً، فهذا يعني
أنها ليست في حاجة إلى الذهاب لتمارس الرياضة في الصالة.
هذا لا يزعجني حقاً! لا يزعجني هذا التنظيف بالمكنسة الكهربائية في الصباح الباكر... لأنني لا أكون نائمة في ذلك الوقت أصلاً. لا
أستطيع النوم في الصباح. لا أستطيع أن أغفو بسلام قبل منتصف النهار. أستيقظ فوراً، أنفاسي مقطوعة وقلبي يخفق سريعاً، وطعم
مزعجٌ في فمي... فأدرك الأمر على الفور. إنني مستيقظة! كلما ازددت رغبة في النسيان كلما صرت أقل قدرة عليه. لن تسمح لي الحياة
ولن يسمح لي الضوء بالنسيان. أظل راقدة هناك، مصغية إلى صوت مشاغل كاثي العجولة المبتهجة. وأفكر في كومة الملابس إلى
جانب سكة القطار. أفكّر في جس عندما قبَّلت عشيقها تحت ضوء شمس الصباح.
يمتد النهار طويلاً أمامي... ليس فيه دقيقة واحدة مشغولة بأي شيء.
أستطيع أن أذهب إلى سوق الفلاحين في مركز برود. أستطيع أن أشتري لحماً، وأن أمضي اليوم في الطبخ.
أستطيع أن أجلس على الأريكة فأشرب فنجاناً من الشاي وأضع برنامج «مطبخ السبت» على التلفزيون.
أستطيع الذهاب إلى صالة الرياضة.
أستطيع أن أعيد كتابة سيرتي الذاتية.
أستطيع أن أنتظر ريثما تفرغ كاثي من تنظيف البيت فأذهب إلى المتجر وأشتري زجاجتين من نبيذ سوفنيون الأبيض.
في حياتي الأخرى، كنت أستيقظ باكراً أيضاً. يوقظني صوت قطار الثامنة والأربع دقائق مقعقعاً عندما يمر قرب البيت. فتحت عينيّ
ورحت أصغي إلى صوت المطر على النافذة. أحسست به من خلفي، نعساً، دافئاً، صلباً. وبعد ذلك، كان يمضي لإحضار الجرائد. وكنت
أعدّ بيضاً مقلياً، فنجلس في المطبخ ونشرب الشاي. كنا نذهب إلى الحانة لتناول عشاء متأخر. وكنا نسقط نائمَيْن، متشابكين معاً أمام
التلفزيون. أتخيل أن الأمر مختلف بالنسبة إليه الآن... لا ممارسة جنس كسول في يوم سبت، ولا بيض مقلياً... لديه الآن متعة مختلفة:
طفلة صغيرة مزروعة بينه وبين زوجته... تثرثر من غير توقف. لا بد أنها بدأت تتعلم الكلام الآن... دادي وماما وتلك اللغة السرية التي
لا يفهمها إلا الوالدان.
الألم قاسٍ ثقيل... إنه في وسط صدري. لا أطيق انتظار خروج كاثي من البيت.
في المساء
سوف أذهب لرؤية جيسون.
أمضيت اليوم كله في غرفتي أنتظر خروج كاثي من البيت حتى أستطيع أن أشرب شيئاً. لكنها لم تترك البيت. جلست صامدة، لم
تتحرّك... جلستْ في غرفة المعيشة «لإنجاز بعض الأمور المتعلّقة بالعمل». وفي وقت متأخر من بعد الظهر، لم أعد أستطيع احتمال
الحبس في غرفتي فقلت لها إنني سأخرج لأتمشّى قليلاً. ذهبت إلى ويتشيف... تلك الحانة الكبيرة التي لا يعرف أحد فيها أحداً... تلك
الحانة بالقرب من هاي ستريت. شربت فيها ثلاث كؤوس كبيرة من النبيذ. ثم شربت قدحين من ويسكي جاك دانييلز. ثم مشيت حتى
المحطة واشتريت عبوتين من الجن مع التونيك... وصعدت إلى القطار.
إنني ذاهبة لرؤية جيسون.
لست ذاهبة لأزوره. لن أذهب إلى باب بيته وأقرع الجرس. لا شيء من هذا! لا شيء من ذلك الجنون! لا أريد إلا أن أمر بجانب المنزل...
أمرّ بجانبه وأنا في القطار. ليس عندي شيء آخر أفعله. ولا أشعر برغبة في الذهاب إلى البيت. أريد أن أراه فحسب. أريد أن أراهما.
هذه ليست فكرة حسنة. أعرف أنها ليست فكرة حسنة.
لكن... ما ضررها؟
سوف أذهب إلى إيستون، ثم أعود. (أحب القطارات... ما العيب في هذا؟ القطارات رائعة).
منذ زمن، عندما كنت ما أزال على طبيعتي، كنت أحلم برحلات قطار رومانسية مع توم. (خط بيرغن في ذكرى زواجنا الخامسة،
والقطار الأزرق في يوم ميلاده الأربعين).
انتظري! نوشك أن نمرّ بهما الآن.
الضوء ساطع؛ لكني لا أستطيع أن أرى جيداً. (نظري مشوَّش. أغمض إحدى عينيّ. هكذا أفضل).
ها هما! هل هذا هو؟ إنهما واقفان على الشرفة، أليس كذلك؟ هل هذا جيسون؟ وهل هذه جس؟
أريد أن أقترب أكثر... لا أستطيع الرؤية. أريد أن أقترب منهما أكثر.
لن أتابع رحلتي إلى إيستون. سوف أترك القطار في ويتني. (لا يجوز أن أترك القطار في ويتني. هذا خطير جداً... ماذا لو رآني توم...
وماذا لو رأتني آنّا؟)
سوف أترك القطار في ويتني.
ليست هذه فكرة حسنة.
هذه فكرة سيئة جداً.
هنالك رجل بالقرب مني، إلى الناحية الأخرى من عربة القطار. شعره أشقر بلون الرمل لكنه ضارب إلى البني بعض الشيء. إنه يبتسم لي.
أود أن أقول له شيئاً، لكن الكلمات تتبخّر مني، تختفي عن لساني قبل أن أستطيع قولها. أشعر بطعم تلك الكلمات، لكني لا أعرف إن
كانت حلوة أو مرة.
هل يبتسم لي، أم أنه مكشّر؟ لا أستطيع التحديد.
الأحد، 14 تموز\يوليو 2013
في الصباح
أشعر بنبضات قلبي كأنها في أسفل حلقي... مزعجة، مرتفعة الصوت. فمي جاف. البلع يؤلمني. أنقلب إلى جانبي فيصير وجهي قبالة
النافذة. الستائر مسدَلة، لكن الضوء القليل القادم منها يؤلم عينيّ. أرفع يدي إلى وجهي، وأضغط بأصابعي على أجفاني محاولة مسح
الألم. أظافري وسخة.
هنالك شيء خاطئ. أشعر... لحظة... أنني أسقط، كأن السرير قد اختفى من تحت جسدي. الليلة الماضية... حدث شيء ما. أنفاسي
تدخل رئتيّ بعنف فأجلس... أجلس سريعاً، فيزداد خفقان قلبي وينبض الألم في رأسي.
أنتظر مجيء الذكرى. يستغرق الأمر بعض الوقت أحياناً. تصبح الذكرى ماثلة هنا، أمام عيني، في بضع ثوانٍ، أحياناً. وفي أحيان أخرى،
لا تأتيني الذكرى أبداً.
حدث شيء ما، شيء سيّئ. كانت هنالك مشاجَرة. أصوات مرتفعة. قبضات؟ لست أدري... لا أستطيع تذكر هذا. ذهبت إلى الحانة؛
وصعدت إلى القطار؛ كنت في المحطة؛ كنت في الشارع. شارع بلنهايم رود. لقد ذهبت إلى شارع بلنهايم رود. يجتاحني هذا مثل موجة،
مثل ذعر أسود.
حدث شيء ما... أعرف أنه حدث. لا أستطيع استعادة الصورة، لكني أستطيع أن أشعر بالأمر. يؤلمني باطن فمي، كأنني عضضت على
وجنتي من الداخل. لذعة طعم الدم المعدنية على لساني. أشعر بالغثيان، بالدوار. أضع يدي في شعري، على جمجمتي. أنتفض مجفلة.
في رأسي كتلة ناتئة مؤلمة... على الجانب الأيمن من رأسي. شعري ملطخ بالدم.
لقد تعثّرت وسقطت؛ هكذا هو الأمر. تعثّرت على درجات السلم... في محطة ويتني. هل أصيب رأسي عندما سقطت؟ أذكر أنني كنت
في القطار؛ وأما بعد ذلك فلا أجد إلا هوَّة من السواد... فراغاً فقط. أتنفس عميقاً؛ أحاول تهدئة ضربات قلبي... أحاول لجم الذعر
المتصاعد في صدري. أقول لنفسي: فكّري! ماذا فعلتِ؟ ذهبت إلى الحانة، وركبت القطار. كان هنالك رجل ـ أتذكّره الآن... رجل أحمر
الشعر. ابتسم لي. أظن أنه كلّمني، لكني لا أذكر ما قاله لي. هنالك شيء آخر يتعلّق بهذا الرجل، شيء أكثر من مجرد أنني أتذكره. لكني لا
أستطيع بلوغ ذلك الشيء، لا أستطيع العثور عليه في تلك الظلمة.
إنني خائفة؛ لكنني لا أعرف من أي شيء خائفة أنا. وهذا يزيد ذعري. لا أعرف حتى إن كان هنالك شيء مخيف أم لا. أنظر في الغرفة
من حولي. لا أجد هاتفي على الطاولة الصغيرة إلى جانب السرير. لا أجد حقيبة يدي على الأرض. وهي ليست معلَّقة على ظهر الكرسي
حيث أضعها عادة. لا بد أنها كانت معي لأنني في البيت الآن. هذا يعني أن مفاتيحي معي أيضاً.
أنهض من السرير. إنني عارية! ألمح نفسي في المرآة الطويلة على الخزانة. يداي مرتجفتان، ووجنتاي ملطختان بالكحل. وهنالك جرح
في شفتي السفلى وعلى ساقيّ كدمات. أشعر بالغثيان. أعود فأجلس على السرير وأضع رأسي بين ركبتيَّ منتظرة مرور موجة الغثيان.
أنهض واقفة على قدميَّ. ألتقط ثوبي المنزلي وأفتح باب الغرفة، أشقّه قليلاً فقط. البيت هادئ. إنني واثقة، لسبب ما، أن كاثي ليست
هنا. هل أخبرتني أنها ستمضي الليل عند داميين؟ أحس أنها قالت لي ذلك، لكني لا أستطيع أن أتذكّر متى أخبرتني. أكان هذا قبل
خروجي؟ أو لعليّ تكلّمت معها بالهاتف بعد ذلك! أسير خارجة من الغرفة إلى الصالة بأهدأ ما أستطيع. أرى الآن أن باب غرفة نوم كاثي
مفتوح. ألقي نظرة على الغرفة. سريرها مرتَّب. من المحتمل أنها نهضت قبل قليل فرتبته. لكنّي لا أظن أنها باتت هنا ليلة أمس. يمنحني
هذا بعض الراحة. إذا لم تكن هنا، فإنها لم تَرَني، ولم تسمعني أدخل البيت الليلة الماضية. وهذا يعني أنها لا تعرف مدى سوء حالتي في
تلك اللحظة. لا يجب أن يكون لهذا أهمية. لكنه مهم: يكون إحساسي بالخجل من حادثة ما متناسباً مع عدد الأشخاص الذين شهدوها، لا
مع طبيعة الوضع فحسب.
يداهمني الدوار من جديد عندما أقف عند أعلى السلم، فأطبق كفّي بإحكام على الدرابزين. هذا واحد من أكبر مخاوفي (إلى جانب
خوفي من النزف في بطني عندما يفشل كبدي أخيراً)... أخاف من السقوط على السلم وكسر رقبتي. يجعلني التفكير في هذا الأمر أشعر
بالإعياء من جديد. أريد أن أستلقي. لكن عليَّ أن أجد حقيبتي، وأن أتفقد هاتفي. أريد أن أتأكد، على الأقل، من أنني لم أفقد بطاقات
الائتمان. أريد أن أعرف من اتصل بي، ومتى. وجدت حقيبتي ملقاة عند مدخل البيت، تماماً داخل الباب الرئيسي. ووجدت بنطلوني
الجينز ولباسي الداخلي بالقرب منها، كومة مجعلكة. أستطيع أن أشم رائحة البول تأتيني من أسفل السلم. ألتقط حقيبتي لأبحث فيها
عن الهاتف ـ إنه موجود، الحمد لله، ومعه مجموعة مكرمشة من الأوراق النقدية والمناديل الورقية الملطخة بالدم. يأتيني الغثيان من
جديد... يأتي أقوى هذه المرة. أشعر بطعم الحموضة في أسفل حلقي... فأجري، لكنني لا أفلح في الوصول إلى الحمام... أتقيأ على
السجادة عند منتصف السلم.
يجب أن أستلقي. سوف أفقد الوعي إذا لم أستلقِ الآن. إنني موشكة على السقوط. سوف أنظّف ذلك في وقت لاحق.
وفي الأعلى، أصل هاتفي بالكهرباء وأستلقي على السرير. أرفع أطرافي، بهدوء، بحذر شديد، حتى أتفقّدها. أرى كدمات على ساقيّ،
فوق الركبتين. هذا شيء معتاد ناتج عن كثرة الشراب... يشبه الكدمات التي تصيب المرء عندما يصطدم بالأشياء في سَيره. في أعلى
ذراعي علامات تدعو لقلق أكبر... آثار قاتمة بيضوية الشكل تبدو كأنها آثار أصابع. ليس هذا أمراً سيئاً بالضرورة. ظهرت لدي هذه
الكدمات من قبل. كانت تظهر عادة عندما أسقط فيلتقطني أحد ما ليساعدني في الوقوف. تؤلمني كثيراً تلك الإصابة في رأسي. لكنها
يمكن أن تكون نتيجة شيء غير مؤذ... كالاصطدام بسيارة مثلاً. هل عدت إلى البيت بسيارة أجرة؟
ألتقط هاتفي. فيه رسالتان. الأولى من كاثي ـ جاءت بعد الخامسة تماماً ـ تسألني أين ذهبت. تقول إنها ذاهبة لقضاء الليل عند داميين
وأنها سوف تراني غداً. تأمل ألّا أشرب وحدي. كانت الرسالة الثانية من توم... وصلتني في العاشرة والربع. يكاد الهاتف يسقط من
يدي... لذعري... عندما سمعت صوته. إنه يصرخ!
«بحق يسوع المسيح يا ريتشل! ما مشكلتك؟ لقد شبعت من هذا، هل تفهمين؟ أمضيت ساعة تقريباً أقود السيارة في المنطقة باحثاً
عنك. لقد أخفتِ آنّا حقاً. هل تعرفين هذا؟ ظنت أنك كنت سوف... ظنت... هذا كل ما استطعت فعله حتى لا تتصل بالشرطة. اتركينا
وحدنا! كفّي عن الاتصال بنا! كفّي عن التجول حول بيتنا! اتركينا فقط! لا أريد الكلام معك. هل تفهمين ما أقول؟ لا أريد الكلام معك،
ولا أريد رؤيتك، ولا أريد أن تقتربي من أسرتي. تستطيعين أن تدمّري حياتك كما تشائين، لكني لا أسمح لك بتدمير حياتي. لن أسمح
لك بتدميرها بعد الآن. لن أستمر في حمايتك. هل تفهمين؟ ابتعدي عنا؛ ابتعدي فقط!».
لا أعرف ماذا فعلت! ماذا فعلت؟ ماذا فعلت بين الخامسة والعاشرة والربع؟ لماذا كان توم يبحث عني؟ ماذا فعلت لآنّا؟ أسحب اللحاف
فوق رأسي. أغمض عينيَّ بإحكام. أتخيل نفسي ذاهبة إلى البيت... ماضية في ذلك الممشى الصغير بين حديقتهم وحديقة الجيران ثم
متسلّقة السياج. أفكر في فتح باب الحديقة الزجاجي المنزلق والتسلل خلسة إلى المطبخ. آنّا جالسة عند الطاولة. أمسك بها من الخلف.
أضع يدي في شعرها الأشقر الطويل. أنتر رأسها إلى الأسفل. أشدها إلى الأرض ثم أضرب رأسها بالبلاطات الزرقاء الباردة.
في المساء
هنالك شخص يصرخ. أعرف من زاوية سقوط شعاع الضوء عبر نافذة غرفتي أنني نمت وقتاً طويلاً. لا بد أن الوقت قد بلغ آخر فترة
بعد الظهر، بداية المساء. رأسي يؤلمني. أرى دماً على وسادتي. أسمع شخصاً يصرخ في الأسفل.
«لا أستطيع تصديق هذا! بحق الرب! يا ريتشل! ريتشل!».
أسقط نائمة من جديد. يا ربّي... لم أنظف السلم حيث تقيّأت. ولا تزال ثيابي في مدخل البيت. يا ربي... يا ربي! أرتدي بنطلوناً وقميصاً
قصير الكُمَّين. وعندما أفتح باب غرفتي، أرى كاثي واقفة عنده تماماً. يبدو عليها الذعر عندما تراني.
تسألني: «ماذا أصابك بحق الله؟». ثم ترفع يدها وتقول: «إنني آسفة بالفعل يا ريتشل، لكني لا أريد أن أعرف. لا أقبل أن يحدث هذا في
بيتي. لا أقبل أن...». تكفّ عن الكلام، لكنها تعود إلى النظر إلى الأسفل، صوب الصالة، صوب السلم.
أقول لها: «إنني آسفة! إنني آسفة! كنت مريضة حقاً. وسوف أنظّف كل شيء...».
«لم تكوني مريضة! أليس هذا صحيحاً؟ كنت سكرانة. كنت ميتة من كثرة الشرب. إنني آسفة يا ريتشل. لا أستطيع أن أقبل هذا. لا
أستطيع أن أعيش هكذا. عليك أن تذهبي، هل تفهمين؟ سوف أمهلك أربعة أسابيع ريثما تجدين مكاناً آخر. لكن عليك أن تذهبي بعد
ذلك». تستدير ثم تمضي صوب غرفتها... «حباً بالله يا ريتشل... هل تستطيعين تنظيف تلك القذارة؟». تطبق باب غرفتها بعنف من
خلفها.
عدت إلى غرفتي بعد أن انتهيت من التنظيف. لا يزال باب غرفة كاثي مغلَقاً، لكني أستطيع أن أحس غضباً هادئاً يشعّ من الغرفة متخللاً
ذلك الباب. لا أستطيع لَوْمها! سأكون في غاية الغضب إذا عدت إلى البيت لأجد ثياباً تفوح برائحة البول وبركة من القيء على السلم.
أجلس على السرير وأفتح حاسوبي المحمول. أدخل إلى بريدي الإلكتروني وأبدأ كتابة رسالة إلى أمي. أقول في نفسي إن الوقت قد
جاء... أخيراً. عليّ أن أطلب مساعدتها. إذا انتقلت لأعيش عندها فلن أعود قادرة على مواصلة المضي على هذا النحو. سأكون مضطرة
إلى التغير. سأكون مضطرة إلى أن أصبح أفضل. لكني لا أستطيع التفكير في الكلمات الآن... لا أستطيع الاهتداء إلى طريقة لأشرح
الأمر لها. أستطيع أن أتخيل وجهها عندما تقرأ مناشدتي، عندما تقرأ توسّلي طالبةً مساعدتها... أستطيع تخيّل الخيبة المُرّة... أستطيع
تخيّل غضبها. أكاد أسمع زفراتها.
يصدر هاتفي طنيناً. لقد تلقّى رسالة، منذ ساعة. إنه توم من جديد. لا أريد أن أسمع ما يود قوله، لكن عليَّ أن أسمع... لا أستطيع تجاهله.
تتسارع ضربات قلبي عندما أفتح البريد الصوتي؛ وأستعد لتلقّي ما هو أسوأ.
«ريتشل! هلّا تتصلين بي من فضلك؟». لا يبدو غاضباً كثيراً الآن. تتباطأ ضربات قلبي بعض الشيء. «أريد أن أتأكد من أنك عدت إلى
البــيت سـالمة. كنـتِ فـي حالـة فظيعـة ليلـة أمـس». أسـمعه يطلـق زفـرة طويلـة، مـن قلبـه. «انظـري! يؤسـفني أننـي صـرخت عليـك الليلـة
الماضية. لقد مضت الأمور أكثر مما يجب... بعض الشيء. إنني آسف من أجلك يا ريتشل! إنني آسف حقاً... لكن، يجب أن يتوقف هذا».
أعيد الاستماع إلى الرسالة مرة ثانية. أصغي إلى الرِقّة في صوته. فتداهمني الدموع. يمر وقت طويل قبل أن أتوقّف عن البكاء، قبل أن
أصبح قادرة على كتابة رسالة نصية أقول فيها إنني في غاية الأسف وإنني في البيت الآن. لا أستطيع أن أقول شيئاً آخر لأنني لا أعرف
عن أي شيء أعتذر. لا أعرف ماذا فعلت لآنّا، ولا كيف أخفتها. في الحقيقة، لا أبالي بها كثيراً؛ لكن يهمّني ألّا أسبّب تعاسة لتوم. فهو
يستحق أن يكون سعيداً بعد كل ما مَرَّ به. لن أحسده على سعادته أبداً؛ لكني، فقط ... كنت أتمنى أن تكون سعادته معي أنا. أستلقي
على الفراش ثم أزحف تحت اللحاف. أريد أن أعرف ما حدث. ليتني كنت أعرف ذلك الشيء الذي يجب أن أكون آسفة كَوْني فعلته.
أحاول يائسة الخروج بشيء من المعنى من هذه الذاكرة المراوغة. أحس أنني واثقة من أن شجاراً جرى، أو من أنني شهدت شجاراً.
أكان ذلك الشجار مع آنّا؟ تمضي أصابعي إلى ذلك الجرح في رأسي، وإلى ذلك الجرح في شفتي. أكاد أستطيع رؤية الأمر، أكاد أستطيع
سماع الكلمات. لكنها تهرب بعيداً عني مرة أخرى. لا أستطيع وضع يدي عليها. كلما ظننت أنني موشكة على القبض على تلك اللحظة...
أراها تبتعد عني مجدَّداً لتختفي في الظل بعيداً عن متناولي.
أنت تقرأ
فتاة القطار
Adventureتحكي الرواية عن ريتشل ، سيدة مطلقة فقدت وظيفتها بعدها تدخل في حالة كآبة. تستقل القطار يومياً في ذهابها للندن وعندما يتوقف القطار في احدى المحطات تلمح زوجين في أحد المنازل فيتشكل لديها رابط خاص بهما. غير انه في احد الأيام تكتشف خيانة الزوج لزوجها من...
