الفصل التاسع والعشرين
( ريتشل )
الأحد، 18 آب/أغسطس 2013
بعد الظهر
تستدير آنّا على عقبيها عندما تراه، ثم تدخل البيت. قلبي يخفق عنيفاً، يضرب أضلعي. أتبعها حذرةً، ثم أتوقف عند الباب المنزلق. إنهما
متعانقان في الداخل. ذراعاه تلفّانها والطفلة بينهما. رأس آنّا منكَّس، وكتفاها مرتعشان. فمه على قمة رأسها، لكن عينيه مسلطتان عليّ.
يسأل، وظل ابتسامة على شفتيه: «ماذا يجري إذاً؟ إن رؤيتكما هنا، أيتها السيدتان، تتهامسان في الحديقة، لم تكن بالشيء الذي
توقعت رؤيته عند وصولي إلى البيت». نبرة صوته خفيفة، مَرِحة. لكنه لا يخدعني. لا يستطيع خداعي بعد الآن. أفتح فمي لأتكلم،
لكني لا أجد كلمات أقولها. لا أعرف من أين أبدأ.
«ريتشل! هل ستخبرينني عمّا يجري؟». يفلت آنّا من بين ذراعيه ثم يخطو خطوة واحدة صوبي. أتراجع خطوة فيبدأ بالضحك.
«ماذا بك، بحق الله؟ هل أنت ثملة؟» لكني أستطيع أن أرى في عينيه أنه يسألني هذا السؤال وهو مدرك أنني صاحية. وأنا واثقة من أنه
يفضِّل رؤيتي ثملة الآن. تنزلق يدي في الجيب الخلفي لبنطلون الجينز ـ هاتفي هناك ـ صلب، جاهز، مطمئن. أتمنى فقط لو أنني اتصلت
في تلك اللحظة. سواء صدَّقتني الشرطة أم لم تصدقني عندما أقول لهم إنني موجودة مع آنّا وطفلتها، فسوف تأتي بالتأكيد.
لا تفصل توم عني الآن إلا خطوات قليلة ـ هو واقف عند الباب من الداخل، وأنا واقفة خارجه.
«لقد رأيتك»... أقولها أخيراً فتغمرني الفرحة، فرحة عابرة لكنها واضحة، تغمرني عندما أقول تلك الكلمات جهاراً... «تعتقد أنني لا
أستطيع تذكّر أي شيء، لكنني أتذكّر. لقد رأيتك. تركتني هناك بعد أن ضربتني في النفق...».
يبدأ الضحك، لكني أستطيع أن أرى الأمر الآن... أعجب كيف لم أكن قادرة على رؤيته بهذه السهولة من قبل. هنالك ذعر في عينيه.
يلتفت سريعاً صوب آنّا، لكن عينيها لا تقابلان نظرته.
«عن أي شيء تتحدثين؟».
«في النفق. ليلة اختفاء ميغان هيبويل...».
يقول ملوّحاً بيده صوبي: «أوه، كلام فارغ! لم أضربك. أنت التي سقطت». يمد يده إلى يد آنّا ويجذبها أقرب إليه. «حبيبتي... أهذا هو
سبب انزعاجك؟ لا تستمعي إليها! إن ما تقوله كلام فارغ تماماً. لم أضربها. لم أرفع يدي عليها في حياتي كلها. ليس الأمر هكذا». يلفّ
ذراعه حول كتفَيْ آنّا ويشدها إليه. «هيا الآن! ألم أخبرك عنها؟ إنها لا تعرف ما يحدث حولها عندما تشرب. وهي تختلق أغرب الـ....».
«صعدْتَ إلى السيارة معها. رأيتكما تذهبان». لا يزال مبتسماً، لكن ابتسامته لم تعُد ابتسامة مقنعة. لست أدري إن كنت أتخيل هذا، لكنه
يبدو لي أكثر شحوباً الآن. يرفع يده عن آنّا، يتركها مرة أخرى. تجلس إلى الطاولة مديرة ظهرها إلى زوجها. طفلتها غير مستقرة في
حضنها.
يمسح توم بيده على فمه ثم يستند إلى طاولة المطبخ طاوياً ذراعيه على صدره: «تقولين إنك رأيتني أصعد السيارة مع من؟».
«مع ميغان».
يبدأ الضحك من جديد. ضحكة مزمجرة عالية قسرية مصطنعة: «أوه، لا بأس! عندما تحدثنا عن هذا الأمر آخر مرة، قلت لي إنك
شاهدتني أصعد السيارة مع آنّا. والآن تقولين إنها ميغان، أليس كذلك؟ مع من سأصعد إلى السيارة في المرة القادمة؟ مع الليدي ديانا؟».
ترفع آنّا رأسها وتنظر إليّ. أستطيع أن أرى الشك والأمل متصارعَيْن في تعبير وجهها. تسألني: «ألستِ واثقة؟».
يركع توم إلى جانبها: «ليست واثقة طبعاً! إنها تختلق هذا كله ـ تفعل هذا طيلة الوقت. أرجوك يا حبيبتي. لماذا لا تصعدين إلى الأعلى
قليلاً... موافقة؟ سوف أنهي الأمر مع ريتشل. وهذه المرة...» يلقي نظرة سريعة صوبي... أعدك بأنني سأحرص على ألّا تزعجنا بعد الآن
إطلاقاً».
آنّا مترددة. أرى هذا ـ أراه في نظرتها إليه باحثة عن الحقيقة في وجهه، في عينيه المثبتتين على عينيها. أناديها محاولة استعادة
انتباهها: «آنّا! أنت تعرفين. تعرفين أنه يكذب. تعرفين أنه كان يضاجعها».
تمر لحظة لا يقول أحد فيها شيئاً. تنتقل نظرات آنّا من توم إليّ، ثم إليه من جديد. تفتح فمها لتقول شيئاً، لكنها لا تقول شيئاً.
«آنّا! ماذا تقصدين بهذا؟ لم يكن هنالك شيء بيني وبين ميغان هيبويل».
تقول له بصوت منخفض غير مسموع تقريباً: «لقد وجدت هاتفها يا توم. لذلك، أرجوك، لا تفعل هذا! لا تكذب! فقط، لا تكذب عليّ».
بدأت الطفلة تئن وتصرخ في حضن أمها. يأخذها توم، بلطف شديد، من بين ذراعي آنّا. يمشي بها عبر الغرفة حتى يصل إلى النافذة،
يهدهد ابنته ويهزّها هذه الناحية وتلك متمتماً لها طيلة الوقت. لا أستطيع سماع ما يقول. رأس آنّا منكس، ودموعها تقطر من ذقنها
فوق طاولة المطبخ.
يقول توم وهو يستدير ليواجهنا... زال من صوته كل أثر للضحك: «أين هو؟ أين الهاتف يا آنّا. هل أعطيتها الهاتف؟»... يقول هذا وهو
يدير رأسه ناحيتي: «هل الهاتف معك؟».
أقول له: «لا أعرف شيئاً عن الهاتف». أقول هذا متمنّية لو أن آنّا ذكرت هذا الأمر من قبل.
يتجاهلني توم. «آنّا! هل أعطيتها الهاتف؟».
تهز آنّا رأسها. «أين هو؟»
تقول: «رميته بعيداً. رميته خلف السياج، عند سكة القطار».
«فتاة جيدة. فتاة جيدة». يبدو شارد الذهن وهو يقول هذه الكلمات. إنه يحاول أن يفهم الوضع... يحاول أن يقرر كيفية تحركه بعد هذا.
يلتفت صوبي ثم يشيح بنظره بعيداً عني. وللحظة واحدة، تبدو عليه ملامح شخص مهزوم.
يستدير إلى آنّا، ويقول لها: «كنت في غاية التعب طيلة الوقت. لم تكوني مهتمة أبداً. كان كل شيء يدور من حول الطفلة. أليس هذا
صحيحاً؟ كان الأمر كله بسببك أنت، أليس كذلك؟ كله بسببك». هكذا هو. استعاد زمام الموقف من جديد. راح يحاول إضحاك ابنته،
يدغدغ بطنها فيجعلها تبتسم... «وكانت ميغان شديدة... لن... طيب... لقد كانت موجودة، متاحة».
تابع يقول: «انتهى الأمر في بيتها أول مرة. لكنها كانت فزِعة من إمكانية أن يكتشف سكوت ما حدث. وهكذا بدأنا نلتقي في فندق
سوان. كان ذلك، نعم، أنت تذكرين كيف يكون ذلك، ألا تذكرين يا آنّا؟ ألا تذكرين كيف كنا في البداية عندما كنا نذهب إلى ذلك البيت
في شارع غرانهام؟ أنت تفهمين». يلتفت من فوق كتفه ناظراً إليّ غامزاً بعينه... «كنا نلتقي هناك، أنا وآنّا، في تلك الأيام الطيبة».
ينقل ابنته من ذراع إلى أخرى ويدعها تستريح على كتفه. «تظنين أنني شخص قاسٍ؛ لكنني لست كذلك. إنني أقول الحقيقة. هذا ما
تريدين، أليس كذلك يا آنّا؟ طلبت مني ألا أكذب».
لا ترفع آنّا رأسها، ولا تنظر إليه. يداها قابضتان على حافة الطاولة، وجسدها متصلّب كله.
يتنهّد توم بصوت مرتفع: «يريحني أن أقول الصدق». إنه يتحدث معي... ينظر إليَّ مباشرة... «لا فكرة عندك أبداً كم يمكن أن يكون الأمر
مرهقاً عندما يحاول المرء التكيف مع أشخاص مثلك. ثم... تباً... لقد حاولت. حاولت كثيراً أن أساعدك. حاولت مساعدتكما أنتما
الاثنتين. إنكما... كلتاكما... أقصد... أحببتكما، أحببتكما فعلاً، لكنكما تكونان أحيانًا ضعيفتين إلى حدٍّ لا يصدَّق».
تقول آنّا رافعة نفسها عن الطاولة: «اللعنة عليك يا توم! لا تحشرني معها. لا تعتبرني مثلها». أنظر إليها وأدرك كم هما متناسبان، آنّا وتوم.
إنها تناسبه أكثر مني كثيراً لأن هذا ما يثير قلقها: لا يثير قلقها أن زوجها كاذب، وأنه قاتل، بل إنه يقارنها بي!
يمضي توم إليها ويخاطبها مسترضياً: «إنني آسف يا حبيبتي. كان هذا وضعاً غير منصف بالنسبة لي». تدفعه عنها فينظر صوبي ويقول:
«لقد فعلت ما بوسعي، وأنت تعرفين هذا. كنت زوجاً طيباً لك يا راتش. تحملتك كثيراً. اكتئابك وشربك. تحمّلت هذا كله زمناً طويلاً قبل
أن أرفع الراية البيضاء».
قلت: «لقد كذبت عليّ»، ففوجئ واستدار لينظر إليّ... «كنت تقول لي إنني مخطئة في كل شيء. جعلتني أصدّق أن لا قيمة لي. جلست
تنظر إليّ وأنا أعاني. إنك...».
يرفع كتفَيْه: «هل تدركين كم صرت مضجِرة يا ريتشل؟ وكم صرت بشعة؟ أكثر حزناً من أن تستطيعي النهوض من السرير في الصباح.
وأكثر تَعَباً من أن تستطيعي الاستحمام أو غسل شعرك الملعون! يا إلهي! لا عجّب أبداً في أنني فقدتُ صبري، أليس كذلك؟ لا عجب أبداً
في أنني وجدت نفسي مضطرّاً إلى البحث عن طرق أخرى لأروّح عن نفسي. ليس لكِ إلا أن تلومي نفسك وحدها».
يتحول تعبير وجهه من الازدراء إلى الاهتمام عندما يستدير مخاطباً زوجته: «آنّا! كان الأمر مختلفاً معك. أقسم على هذا. ذلك الأمر مع
ميغان... لقد كان مجرد شيء من اللهو، لا أكثر. هذا ما كان مقصوداً منه. أعترف بأنني لم أتصرّف تصرفاً حسناً؛ لكنني كنت في حاجة
إلى شيء من الترويح عن نفسي. هذا كل ما في الأمر. لم أكن أعتزم الاستمرار. لم يكن ذلك ليشوّش على حياتنا، على أسرتنا. يجب أن
تفهمي ذلك».
«أنت...» تحاول آنّا أن تقول شيئاً، لكنها لا تستطيع نطق الكلمات.
يضع توم يده على كتفها ويضغط قليلاً: «ماذا يا حبيبتي؟».
تقول بصعوبة: «لقد أتيت بها حتى تعتني بطفلتنا. هل كنت تضاجعها عندما كانت تعمل هنا؟ ... عندما كانت تعتني بطفلتنا؟» يبعد يده
عنها... صار وجهه تجسيداً للندم والخجل: «كان هذا فظيعاً. لقد ظننت... ظننت أنه سيكون... صدقاً... لا أعرف ماذا ظننت. لا أعرف
كيف فكرت. لست واثقاً من أنني كنت أفكر أصلاً. كان شيئاً خاطئاً. لقد فعلت شيئاً خاطئاً إلى حد مخيف». ثم يتغير القناع من جديد ـ
يفتح عينيه الواسعتين، برئيتين، ويخاطبها متوسلاً: «لم أكن أعرف عنها شيئاً في ذلك الوقت يا آنّا. يجب أن تصدّقي أنني لم أكن أعرف
حقيقتها. لم أكن أعرف شيئاً عن الطفلة التي قتلتها. لو عرفت ذلك لما سمحت لها أبداً بأن تعتني بابنتنا. عليك أن تصدّقي هذا».
ومن غير إنذار، تقفز آنّا واقفة على قدميها دافعة كرسيها إلى الخلف. ينقلب الكرسي ويسقط على أرض المطبخ. فيوقظ صوته الطفلة.
تقول آنّا مادة ذراعيها: «أعطني إياها». يتراجع توم قليلاً... «الآن يا توم، أعطني إياها الآن. هيا أعطني إياها». لكنه لا يعطيها الطفلة.
يسير مبتعداً عنها وهو يهزّ الطفلة في حضنه، هامساً لها من جديد، محاولاً جعلها تعود إلى النوم. تبدأ آنّا بالصراخ عند ذلك. تكرر في
البداية... أعطني إياها، أعطني إياها... لكن صوتها يصبح بعد ذلك عويلاً لا يمكن تمييزه، عويل غَضَبٍ وحزن ومعاناة. تصرخ الطفلة
أيضاً. يتجاهل توم آنّا، يحاول تهدئة ابنته. يصير عليَّ أنا أن أحاول تهدئة آنّا، أسحبها جانباً وأكلّمها بصوت خافت مستعجل.
«عليك أن تهدئي يا آنّا. ألا تفهمين ما أقول؟ يجب أن تهدئي. أريدك أن تتحدثي معه، أن تلهيه لحظة ريثما أتصل بالشرطة. هل تفهمين
ما أقول؟».
تهزّ رأسها ـ إنها تهتز كلها. تمسك بيدي فتنغرس أظافرها في لحمي: «كيف استطاع أن يفعل هذا؟».
«آنّا! استمعي إليّ. عليك إشغاله لحظة».
تنظر إليَّ أخيراً، تنظر إليَّ حقاً، وتهز رأسها قائلة: «لا بأس».
«عليكِ فقط... لا أعرف. حاولي جعله يبتعد عن هذا الباب. حاولي إشغاله قليلاً». تمضي آنّا إلى داخل المطبخ. أستنشق نَفَساً عميقاً ثم
أستدير وأبتعد خطوات قليلة عن الباب المنزلق. لا أبتعد كثيراً. أصل إلى حافة المرج فقط. أستدير لأنظر خلفي. لا يزالان في المطبخ.
أمشي خطوات قليلة أخرى. الريح في اشتداد الآن: الحرارة على وشك الزوال. أرى طيوراً في السماء، تحوم وتنقضّ صوب الأرض؛
وأشم رائحة مطر قادم. أحب هذه الرائحة.
أدخل يدي في جيبي الخلفي فأخرج الهاتف. أحاول بيدين مرتجفتين لكنني أفشل في فتح قفل لوحة المفاتيح أول مرة، ثاني مرة ـ
أنجح في المرة الثالثة. أفكر لحظة في الاتصال بالمحقّقة رايلي، في الاتصال بشخص يعرفني. أبحث في قائمة المكالمات لكني لا
أستطيع العثور على رقمها. أكف عن المحاولة ـ أطلب الرقم 999. وعند التسعة الثانية أحسّ بقدمه تصدم أسفل ظهري فأطير متدحرجة
فوق العشب. انقطعت أنفاسي. يفلت الهاتف من قبضتي. أراه ممسكاً به قبل أن أتمكن من النهوض على ركبتَيّ، قبل أن أتمكن من
التنفس.
«والآن. والآن يا راتش»... يقول هذا ممسكاً بذراعي. يشدني من غير جهد فيجعلني أقف على قدمَيّ... «دعينا نكفّ عن فعل أي شيء
غبي».
يقودني فيعيدني إلى المطبخ. لا أقاومه لأنني أعرف أن القتال غير مفيد الآن. لن أستطيع الإفلات منه هنا. يرمي بي عبر الباب
الزجاجي المنزلق، ثم يغلقه من خلفنا ويقفله. يلقي بالمفاتيح على طاولة المطبخ. آنّا واقفة هناك. تبتسم لي ابتسامة صغيرة فأتساءل
عند ذلك إن كانت أخبرته بأنني أحاول الاتصال بالشرطة.
تبدأ آنّا بإعداد العشاء لطفلتها. وتضع الركوة على النار لتصنع لنا شاياً، نحن الثلاثة. وفي صورة الواقع العجيبة هذه، أحس أنني صرت
قادرة على أن أقول لهما، بكل تهذيب، تصبحان على خير، وأن أجتاز الغرفة وأخرج إلى أمان الشارع. هذا شديد الإغراء. أسير في الواقع
بضع خطوات في ذلك الاتجاه. لكن توم يعترض طريقي. يضع يده على كتفي. ثم يمر بأصابعه على حنجرتي... مع ضغط خفيف فقط.
«ماذا أفعل بك يا راتش؟».
أنت تقرأ
فتاة القطار
Adventureتحكي الرواية عن ريتشل ، سيدة مطلقة فقدت وظيفتها بعدها تدخل في حالة كآبة. تستقل القطار يومياً في ذهابها للندن وعندما يتوقف القطار في احدى المحطات تلمح زوجين في أحد المنازل فيتشكل لديها رابط خاص بهما. غير انه في احد الأيام تكتشف خيانة الزوج لزوجها من...
