الفصل الثاني
( ميغان )
قبل سنة واحدة
الأربعاء، 16 أيار\مايو 2012
في الصباح
أستطيع سماع القطار قادماً. أعرف إيقاع حركته عن ظهر قلب. تزداد سرعته عندما يخرج من محطة نورثكوت، ثم يبطئ من جديد
مقعقعًا عندما يجتاز المنعطف. وينقلب الصوت هديراً. وأحياناً تزعق المكابح عندما يتوقف القطار عند الإشارة قبل مئتي متر من البيت.
قهوتي باردة على الطاولة. لكني أشعر بدفء وكسل لذيذين يجعلانني غير عابئة بالنهوض لتحضير فنجان آخر من القهوة.
بل إني لا أراقب القطارات المارّة أحياناً... أصغي إليها فقط. وعندما أجلس هنا في الصباح بعينين مغلقتَيْن وشمس برتقالية خلف
أجفاني، أستطيع أن أكون في أي مكان. أستطيع أن أكون في جنوب إسبانيا، على الشاطئ؛ وأستطيع أن أكون في إيطاليا، في سانكتير،
مع كل تلك البيوت الملوَّنة الجميلة والقطارات التي تنقل السيّاح، آتين وذاهبين. أستطيع أن أعود إلى هولكام فتملأ صيحات النوارس
أذنيَّ وأشعر بالملح على لساني وتمر قطارات شبحية على السكة الصدئة على مسافة نصف ميل.
لا يتوقف القطار اليوم. إنه يمرّ بي بطيئاً. أستطيع سماع عجلاته تقرقع فوق فواصل السكة. لا أستطيع رؤية وجوه المسافرين. أعرف
أنهم مجرد مسافرين يوميين منطلقين إلى إيستون ليجلسوا خلف مكاتبهم. لكني أستطيع الحلم: أحلم برحلات أكثر إثارة، بمغامرات
عند نهاية خط القطار... وما بعد ذلك. وفي ذهني، أظل مسافرة عائدة إلى هولكام. غريب أنني مستمرة في التفكير بها، في صباحات
كهذا الصباح، بهذه العاطفة كلها، وبهذا التَوْق... لكني أفعل هذا! ريح تتخلل العشب؛ سماء صافية واسعة كبيرة فوق الكثبان. والبيت
الذي تغزوه الفئران... البيت المتداعي... البيت المليء بشموع وتراب وموسيقى. يبدو لي الآن مثل حلم.
أحس بقلبي يخفق أسرع قليلاً.
أستطيع سماع وقع أقدامه على الدرجات... يهتف باسمي.
«أتريدين قهوة أخرى يا ميغز؟».
ينكسر السحر! ... وأستيقظ.
في المساء
يجعلني النسيم أحس ببرودة منعشة. وأشعر بالدفء بعد إصبعين من الفودكا في كأس المارتيني. إنني في الخارج، على الشرفة، أنتظر
عودة سكوت إلى البيت. سوف أقنعه بأن يصطحبني إلى العشاء في الخارج... في ذلك المطعم الإيطالي في طريق كينغلي. لم نخرج
معاً منذ زمن طويل.
لم أفعل الكثير اليوم. كان من المفترض أن أحضّر الطلب من أجل دورة الخياطة في سان مارتينز. لقد بدأت تحضير الطلب. كنت أعمل
في الأسفل، في المطبخ، عندما سمعت امرأة تصرخ... تصدر صوتاً مخيفاً. ظننت أن أحداً يتعرّض للقتل. جريت إلى الخارج، إلى
الحديقة، لكني لم أرَ شيئاً.
لا أزال أستطيع سماع صراخها. صراخ بشع. صراخ يخترقني. صوتها يائس، حاد حقاً: «ماذا تفعلين؟ ماذا تفعلين بها؟ أعطني إياها...
أعطني إياها». بدا ذلك مستمراً... مستمراً... لكنه لم يستمر أكثر من ثوانٍ قليلة، على الأرجح.
جريت إلى الطابق العلوي، وخرجت إلى الشرفة فاستطعت أن أرى عبر الأشجار امرأتين واقفتين في الأسفل عند السياج على مسافة
بضع حدائق من هنا. كانت واحدة منهما تبكي ـ لعلهما كانتا تبكيان كلتاهما ـ ورأيت طفلة تصرخ أيضاً.
فكرت في طلب الشرطة. لكن الوضع كله بدا هادئاً هناك. ركضت المرأة التي كانت تصرخ فدخلت البيت حاملة الطفلة. ظلت المرأة
الأخرى هناك، في الخارج. ركضت صوب البيت ثم تعثرت، ثم نهضت على قدميها، ثم راحت تتجول في دوائر عبر الحديقة. غريب حقاً!
الربّ وحده يعرف ماذا كان يجري. لكنها أكثر اللحظات إثارة منذ أسابيع.
تتساقط أيامي فارغة الآن بعد أن لم يعد لديّ صالة عرض أذهب إليها. إنني أفتقد صالة العرض حقاً. أفتقد الكلام مع الفنّانين. بل حتى
أفتقد التعامل مع كل هؤلاء الأشخاص المملّين، الثرثارين، الأذكياء، الذين كانوا يدخلون صالة العرض حاملين أكواب القهوة في أيديهم
لينظروا إلى اللوحات ويقولوا لأصدقائهم إن جيسي الصغيرة أنجزت لوحات أفضل من تلك التي في دار الحضانة.
أشعر أحياناً برغبة في محاولة اقتفاء أثر شخص ما من تلك الأيام القديمة. لكني أسأل نفسي عما يمكن أن أحدّثهم الآن؟ لن يستطيعوا
حتى أن يجدوا فيّ ميغان، فتاة الضواحي السعيدة بزواجها. في حالتي أنا، لا أستطيع المغامرة بالنظر إلى الخلف. هذه فكرة سيئة
دائماً. سأنتظر انتهاء الصيف، ثم أبحث عن عمل. يبدو لي مخجلاً أن أضيٍّع أيام الصيف الطويلة هذه. سأجد شيئاً، هنا أو في مكان
آخر... أعرف أنني سأجد شيئاً.
الثلاثاء، 14 آب\أغسطس 2012
في الصباح
أجد نفسي واقفة أمام خزانة ملابسي محدقة، للمرة المئة، في صف من الملابس الجميلة. خزانة ملابس مثالية بالنسبة لمديرة معرض
فنّي صغير، لكنه متميّز. لا شيء في هذه الملابس يوحي بجليسة أطفال. يا إلهي... هذه الكلمة نفسها تجعلني أرغب في التقيؤ. أرتدي
بنطلون جينز وقميصاً قصير الأكمام، ثم أربط شعري إلى الخلف. لا أهتم حتى بإضافة شيء من مواد التجميل. لا معنى لأن أجعل
نفسي أجمل من أجل قضاء اليوم كله مع طفلة رضيعة... هل لذلك معنى؟
أهبط الدرجات متعثرة كأنني ماضية إلى قتال. سكوت يحضّر القهوة في المطبخ. إنه يستدير صوبي مبتسماً فيتغيّر مزاجي فوراً.
يتغيّر عبوسي إلى ابتسامة. يناولني سكوت فنجان القهوة ثم يقبّلني.
لا معنى للومه على هذا... لقد كانت الفكرة فكرتي. لقد تطوّعت للقيام بذلك... تطوّعت أن أرعى طفلة أشخاص يعيشون في شارعنا.
ظننت وقتها أن الأمر يمكن أن يكون ممتعاً. هذا جنون مطبق، فعلاً، لا بد أنني كنت مجنونة. كنت أشعر بالملل، كنت غاضبة... فضولية.
أردت أن أرى. أظن أن الفكرة جاءتني عندما سمعتها تصرخ في الحديقة. وأردت أن أعرف ما يجري. لم أسأل عن الأمر... طبعاً. لا
يستطيع المرء أن يسأل، لا يستطيع!
لقد شجّعني سكوت ـ كان في غاية السعادة عندما طرحت الأمر عليه. يظن سكوت بأن قضائي الوقت مع الأطفال الرضّع يمكن أن
يجعلني راغبة في الأمومة. لكن الحقيقة أن ذلك يجعلني أشعر عكس هذا تماماً. أعود جرياً إلى البيت عندما أغادر بيتهم. ولا أطيق
الانتظار ريثما أخلع ملابسي وأدخل الحمام لأغسل رائحة الطفلة الرضيعة عني.
أتوق إلى أيامي في المعرض الفني... متجمّلة، معتنية بشعري، أتحدث مع أشخاص راشدين عن الفن أو الأفلام... أو عن لا شيء على
الإطلاق. لا شيء أبداً يمكن أن يكون أسوأ من أحاديثي مع آنّا. يا إلهي! إنها بليدة! قد يشعر المرء أن لديها شيئاً يمكن أن تقوله لنفسها
من حين لآخر، لكن كل شيء يدور حول طفلتها الآن: هل تشعر بالدفء؟ أليس الدفء زائداً هكذا؟ كم تناولت من الحليب؟ ثم إنها
موجودة هناك، دائماً. وهذا ما يجعلني أشعر معظم الوقت أنني شيء زائد، احتياطي. عملي أن أراقب الطفلة عندما ترتاح آنّا، أن أمنحها
فسحة لترتاح. ترتاح من ماذا... من ماذا تحديداً؟ إنها عصبية على نحو غريب أيضاً. أشعر بها دائماً تحوم حولي... متضايقة. وهي
تجفل كلما مر قطار، وتقفز في مكانها عندما يرن الهاتف. تقول لي: «الأطفال حسّاسون كثيراً، أليس كذلك؟». لا أستطيع أن أخالفها في
هذا.
أخرج من البيت، وأمشي بساقَين كأنهما من رصاص. أجتاز مسافة خمسين يارداً في شارع بلنهايم رود إلى بيتهم. لا يختلف عدد
خطواتي أبداً. ليست آنّا من يفتح الباب لي اليوم. إنه هو، زوجها. إنه توم مرتدياً بدلته وحذاءه، متحضّرًا ليذهب إلى العمل. يبدو
وسيماً في تلك البدلة ـ ليس وسيماً مثل سكوت، فهو أقصر منه وأكثر شحوباً. كما أن عينيه تبدوان متقاربتَيْن قليلاً عندما ينظر إليه
المرء من مسافة قريبة ـ لكنه ليس سيئَ الشكل. يبتسم لي ابتسامة عريضة مثل ابتسامة توم كروز، ثم يمضي وأظل وحدي معها ومع
الطفلة.
الخميس، 16 آب\أغسطس 2012
بعد الظهر
تركت ذلك العمل!
أشعر أنني أفضل حالاً بكثير... إن كان أمراً ممكناً حقاً أن أشعر بأنني أفضل حالاً. إنني حرة!
أجلس في الشرفة أنتظر المطر.
السماء سوداء من فوقي
. طيور السنونو تدور وتنقَضّ. الهواء مثقل بالرطوبة. سيعود سكوت إلى البيت بعد ساعة، أو نحو ذلك. وسيكون عليّ إخباره أنني تركت
العمل. سوف ينزعج دقيقة أو دقيقتين؛ لكني سأعوّضه عن هذا. لن أظل جالسة في البيت طيلة النهار: إنني أرسم خططاً. أستطيع
الانتساب إلى دورة في التصوير الضوئي؛ أو يمكن أن أفتح كشكاً في السوق وأبيع المجوهرات. يمكن أن أتعلم الطبخ أيضاً.
كان في مدرستي معلّم قال لي مرة إنني سيدة إعادة اختراع الذات. لم أدرك قصده ذلك الوقت. ظننت أنه كان يحاول التودّد إلي. لكني
صرت أحب تلك الفكرة بعد ذلك. هاربة، عاشقة، زوجة، نادلة، مديرة صالة عرض، جليسة أطفال، وعدة أشياء أخرى بين هذا وذاك.
إذن ... من أريد أن أكون غداً؟
لم أقصد أن أترك ذلك العمل حقاً! خرجت الكلمات من فمي تلقائياً. كنا جالسين هناك، حول طاولة المطبخ. آنّا جالسة تحمل الطفلة في
حجرها. وكان توم قد عاد إلى البيت ليأخذ شيئاً. وهكذا، فقد كان هناك هو أيضاً... يشرب معنا فنجاناً من القهوة. بدا الأمر سخيفاً. لم
أجد معنى على الإطلاق لوجودي هناك، معهم. بل كان ثمة ما هو أسوأ من ذلك... أحسست بالانزعاج، كأنني متطفّلة عليهم.
قلت: «لقد وجدت عملاً آخر». قلتها من غير أن أفكر في الأمر حقاً. «وهكذا لن أكون قادرة على رعاية الطفلة بعد الآن». نظرت آنّا إلي ـ لا
أظن أنها صدقتني. لم تقل إلا: «أوه! خسارة». أعرف أنها لم تكن تعني ذلك. بدا عليها الارتياح! بل إنها لم تسألني عن ذلك العمل الذي
قلت إنني وجدته. أراحني هذا لأنني لم أكن قد فكرت في كذبة مقنعة.
بدا شيء من المفاجأة على توم. قال: «سوف نفتقدك». لكن تلك كانت كذبة أيضاً.
سكوت هو الشخص الوحيد الذي سيزعجه هذا. لذا فإن عليَّ أن أفكر في شيء أقوله له. قد أقول له إن توم حاول التودّد إليّ. سيكون
هذا كفيلاً بإنهاء الأمر كله.
الخميس، 20 أيلول\سبتمبر 2012
في الصباح
تجاوزت الساعة السابعة. الطقس بارد في الخارج الآن. لكنه جميل جداً هكذا... كل هذه الحدائق الممتدة مثل شرائط، واحدة بعد
الأخرى، خضراء باردة تنتظر أن تزحف أصابع ضياء الشمس إليها من الدروب وتجعل الحياة تدب فيها. أنا مستيقظة منذ ساعات؛ لا
أستطيع النوم. لم أنم منذ أيام. أكره هذا. أكره الأرق أكثر من أي شيء آخر. أكره أن أظل مستلقية هناك، وذهني يدور في كل مكان ...
تك تك تك تك. أشعر بالوخز في جسمي كله. أود أن أحلق شعر رأسي كله.
أود أن أركض. أود أن أذهب في رحلة في سيارة ذات سقف متحرك... وأن يكون السقف مفتوحاً. أود أن أقود السيارة إلى الساحل ـ أي
ساحل. أود أن أمشي على الشاطئ. كنا نخطط، أنا وأخي الأكبر، أن نصبح جوّالين على الطرقات. كانت لدينا خططنا، بن وأنا. لا بأس،
كان أكثرها خطط بن ـ كان شخصاً حالماً. كنا نعتزم قيادة الدرّاجات من باريس إلى الشاطئ اللازوردي؛ أو على امتداد ساحل الولايات
المتحدة على المحيط الهادي من سياتل إلى لوس أنجلوس. كنا نعتزم سلوك الدروب التي سلكها تشي غيفارا من بيونس آيريس إلى
كاراكاس. لو فعلت ذلك، فربما ما كنت لأنتهي هنا... غير عارفة ما يجب أن أفعله في الخطوة اللاحقة. أو لعلّي، لو فعلت ذلك كله، كنت
لأنتهي هنا أيضاً، تماماً حيث أنا الآن، ولعلي أكون راضية تماماً عند ذلك. لكني لم أفعل ذلك كله بالطبع، لأن بن لم يذهب حتى إلى
باريس، ولم يصل حتى إلى كامبردج. لقد مات على الطريق رقم آ 10. سُحقت جمجمته تحت عجلات شاحنة ثقيلة.
أفتقد بن كل يوم. أفتقده أكثر من أي شخص آخر... هكذا أظن. إنه الثقب الكبير في حياتي، في منتصف روحي. أو لعله بداية ذلك
الثقب فحسب. لست أدري! لست أدري حتى إن كان هذا كله متعلقاً ببن، أو إذا كان متعلقاً بكل شيء حدث بعد ذلك ... بكل شيء حدث
منذ ذلك الوقت. كل ما أعرفه هو أنني أكون في لحظة ما على أحسن حال... أكون حلوة حية لا أحتاج شيئاً؛ ثم في اللحظة التالية لا
أطيق الانتظار قبل أن أذهب بعيداً... أكون في أرجاء المكان كله... متعثرة منزلقة من جديد.
إذن، سأذهب لاستشارة معالجٍ نفسي! يمكن أن يكون هذا غريباً، لكنه يمكن أن يكون مضحكاً أيضاً. كنت أظن دائماً أن كون المرء
كاثوليكياً أمراً ظريفاً... أن يتمكن من الذهاب إلى الاعتراف ليتخفَّف من أحماله ويجد أحداً يقول له إنه يسامحه ويمسح عنه خطاياه
كلها... فيعود اللوح نظيفاً من جديد.
لكن هذا ليس هو الأمر نفسه بطبيعة الحال. إنني متوترة قليلاً، لكني صرت غير قادرة على النوم في الآونة الأخيرة. سكوت يشجعني
على الذهاب إلى معالج نفسي. قلت له إنني أجد صعوبة غير قليلة في التحدث في هذه الأمور مع أشخاص أعرفهم... بل إنني لا أكاد
أستطيع التحدث معك أنت أيضاً. قال لي إن هذا ما يقصده بالضبط: يستطيع المرء قول أي شيء للغرباء. لكن هذا ليس صحيحاً تماماً.
لا تستطيع أن تقول أي شيء! مسكين سكوت! لا يعرف نصف الأمر. إنه يحبني كثيراً إلى درجة تجعلني أتألم. لا أعرف كيف يفعل هذا.
سأقود نفسي إلى الجنون.
لكن يجب أن أفعل شيئاً. ذهابي إلى المعالج النفسي يستطيع، على الأقل، أن يجعلني أحس أنني أفعل شيئاً. كل تلك الخطط التي كانت
عندي ـ دورات التصوير، ودروس الطبخ ـ تبدو عديمة المعنى عندما أدقّق فيها... كأنني ألعب بالحياة الحقيقية بدلاً من أن أعيشها فعلاً.
إنني في حاجة للعثور على شيء يجب أن أفعله، شيء لا يمكن إنكاره. لا أستطيع أن أفعل هذا. لا أستطيع أن أكون زوجة فقط. لا أفهم
كيف يمكن لأي أحد أن يفعل هذا ـ لا شيء تفعله المرأة أبداً... إلا الانتظار. انتظار عودة الرجل إلى البيت حتى يحبك. إما ذلك... وإما أن
تنظري من حولك بحثاً عن شيء يشغل اهتمامك.
في المساء
لقد جعلوني أنتظر. كان الموعد منذ نصف ساعة. وأنا لا أزال هنا، جالسة في غرفة الانتظار أتصفّح مجلة «فوغ» أفكّر في النهوض
والذهاب. أعرف أن مواعيد الأطباء تتأخر، لكن ماذا عن المعالجين النفسيين؟ تجعلني الأفلام أظن دائماً أنهم يطردون المرء فور انتهاء
دقائقه الخمسين. أظن أن هوليوود لا تتحدث حقاً عن ذلك النوع من المعالجين النفسيين الذي تتم إحالتنا إليهم وفق النظام الصحي
الوطني لدينا.
إنني على وشك النهوض والذهاب إلى موظفة الاستقبال لأقول لها إنني انتظرت أكثر مما يجب وإنني ذاهبة؛ لكن باب غرفة الطبيب
ينفتح ويظهر هذا الرجل النحيل الطويل مادّاً يده لمصافحتي وعلى وجهه نظرة اعتذار.
يقول لي: «آسف جداً يا سيدة هيبويل لأنني جعلتك تنتظرين». فأبتسم وأقول له إن لا مشكلة في ذلك. أشعر في هذه اللحظة أن كل
شيء سيكون على خير ما يرام لأنني صرت أشعر بالراحة رغم أني أقف معه منذ دقيقة أو دقيقتين فقط.
أظن أن السبب صوته. صوتٌ ناعمٌ منخفض. فيه لكنة خفيفة كنت أتوقّعها لأن اسمه كان الدكتور كمال أبديك. أظن أنه يجب أن يكون
في أواسط الثلاثينات رغم أنه يبدو شاباً تماماً بسبب جلده العسلي الداكن الجميل. لديه يدان أستطيع تخيّلهما على جسدي... أصابع
طويلة دقيقة... أكاد أشعر بها على جسدي.
لا نتحدث عن أيّ شيء مهم. إنها جلسة البداية فحسب! جلسة التعارف! يسألني عن مشكلتي فأخبره عن نوبات الذعر، وعن الأرق، وعن
حقيقة أنني أرقد مستيقظة في الليل خائفة إلى حد يمنعني من النوم. يريد مني أن أحدّثه أكثر عن ذلك، لكني لست جاهزة بعد. يسألني
إن كنت أتعاطى المخدرات، أو أشرب الكحول. فأقول له إن لديّ خطايا أخرى هذه الأيام... ألتقط نظرته وأظن أنه يفهم ما أعنيه. عندها
أشعر أن عليّ أن آخذ الأمر بجدية أكبر. وهكذا أخبره عن إغلاق المعرض الفني. أخبره بأنني أشعر بالضياع طيلة الوقت، وبفقدان
الاتجاه، وبحقيقة أنني أمضي وقتاً طويلاً جداً داخل رأسي. إنه لا يتكلم كثيراً، لا يتكلم إلا بالمقدار الضروري لدفعي إلى الكلام. لكني
أود أن أسمعه يتكلم. وعندما أهمّ بالمغادرة، أسأله من أين هو.
يقول لي: «أنا من ميدستون في منطقة كنت. لكني انتقلت إلى كورلي منذ بضع سنوات». يعرف أن سؤالي كان غير هذا. يمنحني
ابتسامة ذئبية.
أجد سكوت ينتظرني عندما أعود إلى البيت. يضع كأس شراب في يدي. يريد أن يعرف كل ما جرى. أقول له إن الأمر على ما يرام.
يسألني عن المعالج النفسي: هل أعجبني، هل بدا لي لطيفاً؟ لا بأس، أقولها مجدداً... لأنني لا أريد أن أبدو متحمّسةً أكثر مما يجب.
يسألني إن كنا قد تحدثنا عن بن، أخي. يظن سكوت أن كل شيء متعلق ببن. قد يكون محقّاً! لعله يعرفني أكثر مما أظن أنه يعرفني.
الثلاثاء، 25 أيلول\سبتمبر 2012
في الصباح
أستيقظ باكراً هذا الصباح، لكني نمت بضع ساعات. هذا أحسن مقارنة مع بالأسبوع الماضي. أشعر أنني منتعشة بعض الشيء عندما
أنهض من السرير. وهكذا أقرر أن أذهب في نزهة على الأقدام بدلاً من الجلوس على الشرفة.
إنني أعزل نفسي، لكن ... من غير أن أدرك هذا تقريباً. يبدو أن الأماكن الوحيدة التي أذهب إليها هذه الأيام مقتصرة على المحلات
التجارية، ودروس الرياضة، والمعالج النفسي. أذهب أحياناً إلى بيت تارا. وأما بقية الوقت، ففي البيت. ليس غريباً أن أصبح مضطربة.
أخرج من البيت. أستدير يميناً ثم شمالاً في شارع كينغلي رود. أتجاوز الحانة، حانة ذا روز. اعتدنا سابقاً أن نذهب إليها معظم الوقت. لا
أذكر سبب توقفنا عن الذهاب إليها. ما كنت أحبها كثيراً. فيها كثير من الأزواج الذين بلغوا مشارف الأربعين... يشربون كثيراً ويتلفّتون
من حولهم بحثاً عن شيء أفضل متسائلين إن كانوا يملكون شجاعة كافية من أجل ذلك. لعل ذلك هو السبب الذي جعلنا نكف عن
الذهاب إليها... ما كنت أحبها. بعد الحانة، وبعد المحلات التجارية، ما عدت راغبة في المضي أبعد من ذلك. مجرد دورة صغيرة حتى
أحرك ساقيَّ.
لطيف أن يخرج المرء في وقت مبكر قبل بدء حركة المدارس وقبل ذهاب الناس إلى أعمالهم. تكون الشوارع خاوية نظيفة. وتكون
الاحتمالات ملء النهار. أنعطف يساراً من جديد وأمشي منحدرة صوب حديقة الألعاب الصغيرة. حديقة الألعاب: إنها السبب البسيط
الوحيد لكي تكون لدينا مساحة خضراء من هذا النوع. الحديقة خالية الآن. لكنها ستعجّ بعد ساعات قليلة بالأطفال والأمهات والأزواج
أيضــاً. سـيكون نصـف فتيـات صـف الرياضـة هنـا... منـهمكات فـي تمارينـهنّ... يتنافسـن فـي الأداء... ممسـكات أكـواب القـهوة بأصـابعهن
المعتنى بها جيداً.
أتابع السير فأجتاز المتنزّه وأنحدر صوب جادة روزبري. إذا استدرت يميناً هنا فسوف أصعد وأمر أمام معرضي الفني ـ أمام ما كان
معرضي الفني. أمام ما صار الآن واجهة خاوية ـ لكني لا أريد رؤيته لأن الأمر لا يزال يؤلمني بعض الشيء. حاولت جاهدة أن أجعل
المعرض ناجحاً. المكان الخاطئ، والزمان الخاطئ ـ لا طلب على الفن في مناطق الضواحي، ليس في ظل حالة الاقتصاد هذه. أنعطف
يميناً بدلاً من ذلك، أمرّ أمام متجر تيسكو إكسبرس، وأمام الحانة الأخرى، الحانة التي يذهب إليها أهل العزبات؛ ثم أستدير عائدة إلى
البيت. أشعر بالفراشات الآن. بدأت أصبح عصبية. إنني خائفة من مصادفة آل واتسون لأن الأمر يبدو غريباً دائماً عندما أصادفهم. من
الواضح تماماً أنني لم أحصل على عملٍ جديد. ومن الواضح أنني كذبت عليهم لأنني لم أكن راغبة في العمل لديهم.
أو لعل الأمر يكون غريباً عندما ألتقيها هي. توم يتجاهلني فحسب. أما آنّا فتبدو كأنها تأخذ الأمر على محمل شخصي. من الواضح أنها
تظن أن عملي تلك المدة القصيرة لديهم انتهى بسببها هي أو بسبب طفلتها. لم يكن ذلك بسبب طفلتها على الإطلاق، رغم حقيقة أن
كونها لا تتوقف عن التذمّر يجعل من الصعب عليّ أن أحبها. إن الأمر أكثر تعقيداً من هذا بكثير. لكني لا أستطيع أن أشرحه لها بالطبع.
على أي حال، لا بأس! أظن أن هذا واحد من الأسباب التي كانت تجعلني أعزل نفسي... لأنني لا أرغب في رؤية آل واتسون. يرغب جزء
مني في أن ينتقلوا من هنا. أعرف أنها لا تحب أن تعيش هنا: إنها تكره ذلك البيت، وتكره العيش وسط أشياء زوجته السابقة. قبَّعاتها،
وملابسها الداخلية.
أتوقف عند الزاوية وأسترق النظر عبر الممر السفلي، عبر النفق. إن تلك الرائحة، رائحة البرد والرطوبة، تجعل قشعريرة تسري في
ظهري... دائماً. إنها مثلما يقلب المرء حجراً ليرى ما تحته: الطحالب والديدان والتراب. تذكّرني باللعب في الحديقة عندما كنت طفلة،
بالبحث عن الضفادع عند البركة مع أخي بن. أتابع السير. الشارع خاوٍ تماماً ـ لا شيء يشير إلى وجود توم أو آنّا ـ وأما ذلك الجزء مني
الذي لا يستطيع مقاومة المشاعر الدرامية، فيصاب بإحباط حقيقي.
في المساء
اتصل سكوت قبل قليل ليقول إنه سيتأخر في العمل. ليس هذا خبراً أريد سماعه. أشعر بالتوتر... شعرت بالتوتر طيلة اليوم. لا أستطيع
المحافظة على هدوئي. لا أستطيع البقاء هادئة. إني في حاجة إلى عودته إلى البيت لكي يهدِّئني. وأما الآن، فسوف تمر ساعات قبل أن
يكون هنا، وسوف يواصل دماغي الجري هنا وهناك... هنا وهناك... وأعرف أن ليلتي ستكون من غير نوم. لا أستطيع أن أظل جالسة هنا،
أراقب القطارات. إنني عصبية منزعجة. أحس بضربات قلبي مثل رفرفة في صدري، مثل عصفور يحاول أن يفلت من قفص. أنتعل
حذائي الخفيف وأنزل إلى الأسفل. أخرج من الباب الأمامي وأسير في شارع بلنهايم. الساعة السابعة والنصف تقريباً ـ بعض الناس
عائدين إلى بيوتهم بعد العمل. لا أرى أحداً غيرهم من حولي، رغم أنني أستطيع سماع صيحات الأطفال يلعبون في حدائق بيوتهم
الخلفية... يستفيدون من آخر أشعة الشمس الصيفية قبل أن ينادوهم من أجل العشاء.
أسير في الشارع صوب المحطة. أتوقف لحظة قبالة البيت رقم 23. أفكر في قرع جرس الباب. ماذا أقول لهم؟ أأقول لهم إن السكّر قد
نفد من عندي؟ أأقول لهم إنني أرغب في الحديث فقط؟ شبابيكهم نصف مفتوحة، لكنني لا أستطيع رؤية أحد في الداخل. أتابع السير،
صوب الزاوية. ومن غير أن أفكر في الأمر حقاً، أتابع السير فأنزل إلى النفق تحت سكة القطار. أبلغ منتصف ذلك النفق عندما يمر قطار
من فوقي... شيء رائع: شيء مثل هزة أرضية... شيء تستطيع أن تحسه... تماماً في مركز جسدك... شيء يحرّك دمك. أنظر إلى
الأسفل وألاحظ شيئاً مرمياً على الأرض. إنه رباط شعر قرمزي ممطوط... بالٍ من كثرة الاستخدام. لعله سقط من فتاة تمارس الركض.
لكن شيئاً في ذلك الرباط يجعلني أرتجف، يجعلني أرغب في الخروج من هنا سريعاً، والعودة إلى ضوء الشمس.
وعندما كنت عائدة، أسير في الشارع، مرَّ بي في سيارته. تلتقي أعيننا ثانية واحدة... ويبتسم لي.
أنت تقرأ
فتاة القطار
Adventureتحكي الرواية عن ريتشل ، سيدة مطلقة فقدت وظيفتها بعدها تدخل في حالة كآبة. تستقل القطار يومياً في ذهابها للندن وعندما يتوقف القطار في احدى المحطات تلمح زوجين في أحد المنازل فيتشكل لديها رابط خاص بهما. غير انه في احد الأيام تكتشف خيانة الزوج لزوجها من...
