ريتشل

22 2 0
                                        

الفصل العشرين
( ريتشل )
السبت، 10 آب/أغسطس 2013


في الصباح
أستيقظ باكراً. أستطيع سماع سيارة القمامة هادرة في الشارع، وقرع المطر على النافذة. مصاريع النافذة الخارجية نصف مرفوعة ـ
نسينا إغلاقها الليلة الماضية. ابتسم لنفسي. أشعر بوجوده خلفي، دافئاً، نعساً، صلباً. أحرك ردفي مقرّبة إياهما قليلاً منه. لن يستغرق
الأمر زمناً طويلاً قبل أن يهتاج، ويمسك بي، ويقلبني على ظهري.
جاءني صوته: «ريتشل! لا تفعلي هذا». أتجمد. لست في بيتي؛ هذا ليس بيتي. هذا خاطئ كله.
أنقلب لأنظر إليه. أراه جالساً الآن. ينزل ساقيْه من السرير مديراً ظهره لي. أغمض عينيَّ بشدة حتى أتذكر، لكن كل شيء مشوش.
وعندما أفتحهما من جديد أستطيع التفكير بوضوح لأن هذه الغرفة هي الغرفة نفسها التي استيقظت فيها ألف مرة، أو أكثر: هذا هو
مكان السرير؛ هذا هو المنظر نفسه ـ لو جلست الآن فسأكون قادرة على رؤية قمم أشجار البلوط على الناحية الأخرى من الشارع. وهناك
الحمّام المنفصل، إلى اليسار، وإلى يمينه خزانة جدار. إنها الغرفة نفسها التي كنت أتقاسمها مع توم.
يقول من جديد: «ريتشل»، فأمد يدي لألمس ظهره. لكنه يقف سريعاً ويستدير فيواجهني. يبدو كأنه مفرغ الآن، مثلما كان عندما رأيته
أول مرة بالقرب من قسم الشرطة ـ كأن أحداً أزال ما بداخله تاركاً قشرةً ... غلافاً خارجياً فقط. إنها مثل الغرفة التي كنت أتقاسمها مع
توم، لكنها الغرفة التي تقاسمها هو مع ميغان. هذه الغرفة، وهذا السرير.
أقول: «أعرف. إنني آسفة. إنني آسفة كثيراً. كان هذا شيئاً خاطئاً».
يقول من غير أن تنظر عيناه إلى عيني: «نعم، كان شيئاً خاطئاً». يذهب إلى الحمّام ويغلق الباب خلفه.
أظل مستلقية مغمضة عيني. أحس أنني أغرق في الذعر، ذلك القَرص المخيف في أمعائي. ماذا فعلت؟ أتذكر أنه كان كثير الكلام عندما
وصلت. كانت كلماته مندفعة مثل سَيْل. كان غاضباً ـ غاضباً من أمه التي لم تحب ميغان أبداً؛ وكان غاضباً من الصحف بسبب ما تكتبه
عنها والتلميح إلى أنها نالت نصيبها الذي تستحق؛ وكذلك من الشرطة لفشلها في الأمر كله، لأنها خذلته. جلسنا في المطبخ نشرب كأساً
بعد كأس من البيرة. أصغيتُ إلى كلامه. وعندما انتهت البيرة كلها جلسنا في الخارج، في مدخل البيت، وعندها لم يعد غاضباً. كنا
نشرب وننظر إلى القطارات التي تمرّ بنا... ونتحدث عن لا شيء: برامج التلفزيون، والعمل، والمدرسة التي ذهب إليها... تماماً مثل الناس
العاديين. نسيت أن أحس بما كان مفترضاً بي أن أحسّه... نسيَ كلانا... لأنني أستطيع أن أتذكّر كل شيء الآن. يبتسم لي ويلمس شعري.
يصدمني هذا مثل موجة؛ أشعر بالدم مندفعاً إلى وجهي. أتذكر أنني تقبّلت ذلك أنا نفسي. جاءتني الفكرة ولم أرفضها، بل قبِلتها. أردتها
أيضاً. أردت أن أكون مع جيسون. أردت أن أعيش إحساس جس عندما كانت تجلس معه خارج البيت، عندما تشرب النبيذ معه في
المساء. نسيت ما كان مفترّضاً بي أن أحسه. تجاهلت حقيقة أن جس، في أحسن الأحوال، لم تكن إلا شيئاً من نسج خيالي... وفي أسوأ
الأحوال، لم تكن جس مجرد لا شيء، بل كانت ميغان. إنها ميتة... جسدها ممزق متروك للتحلّل. بل أسوأ من هذا: لم أنسَ. لم أعبأ. لم
أعبأ لأنني بدأت أصدّق ما يقولونه عنها. أتراني فكرتُ أيضاً، لحظات قليلة فقط، في أنها نالت ما تستحق؟
يخرج سكوت من الحمام. لقد استحمّ... أزال أثري عن جلده. يبدو في حال أفضل الآن؛ لكنه لا ينظر إلى عيني عندما يسألني إن كنت
أريد قهوة. ليس هذا ما أردت: لا شيء صحيح في هذا كله. لا أريد أن أفعل هذا. لا أريد أن أفقد سيطرتي على نفسي من جديد.
أرتــدي ثيــابي ســريعاً وأذهــب إلــى الحمــام فأغســل وجــهي بمــاء بــارد. يســيل الكحــل ويتجمـع عنـد أطـراف عـينيَّ. شـفتاي داكنتـان...
معضوضتان. وجهي محمَرّ ورقبتي محمَرّة حيث كانت ذقنه تخدشني. أستعيد سريعاً ذكرى الليلة الماضية... يداه عليَّ... فتنقبض
معدتي. أشعر بالدوار. أجلس على حافة حوض الحمام. الحمام أسوأ حالاً من بقية البيت: أوساخ متجمعة حول المغسلة، ولطخ من
معجون الأسنان على المرآة. وكأس فيه فرشاة أسنان واحدة. لا عطر، لا كريمات مطرّية، لا مساحيق تجميل. لعلها أخذت تلك الأشياء
معها عندما ذهبت؛ أو لعله رماها كلها.
وعندما أعود إلى غرفة النوم، أنظر من حولي باحثة عن أثر لها. عن فستان معلق خلف الباب، فرشاة شعر فوق الطاولة ذات الدروج،
إصبع من أحمر الشفاه، زوج من الأقراط. لكني لا أجد شيئاً. أجتاز الغرفة ماضية صوْب الخزانة. أوشك على فتحها... تستقر يدي على
مقبض بابها... عندما أسمعه يناديني: «القهوة جاهزة»... فأجفل.
يناولني فنجان القهوة من غير أن ينظر إلى وجهي، ثم يستدير مبتعداً ويقف مديراً ظهره لي ناظراً إلى سكة القطار، أو إلى شيء خلفها.
ألقي نظرة ناحية اليمين فألاحظ أن الصور قد اختفت كلها. أحس وخزاً في جمجمتي، ويقف الشعر على ذراعي. آخذ رشفة من قهوتي
ثم أبتلعها بصعوبة. لا شيء صحيحاً في هذا كله.
لعلّ أمه هي من فعل هذا: لعلها أزالت كل شيء وأبعدت الصور من هنا. أمه لم تكن تحب ميغان. قال لي هذا مرة بعد مرة. لكن رغم
ذلك... من الذي يمكن أن يفعل الذي فعله الليلة الماضية؟ من يضاجع امرأة غريبة في سريره الزوجي قبل أن يمضي على موت زوجته
شهر واحد. يستدير عند ذلك، وينظر إليّ، فأحس كما لو أنه قرأ أفكاري لأن نظرة غريبة ظهرت على وجهه ـ ازدراء، أو نفور ـ أحس نفوراً
تجاهه، أنا أيضاً. أضع فنجاني.
أقول: «عليّ الذهاب»، فلا يجادلني.
لقد توقف المطر. الشمس ساطعة في الخارج. تزوغ عيناي في ضياء الشمس الصباحية. رجل قادم في اتجاهي ـ أراه أمام وجهي لحظة
أضع قدمي على الرصيف. أرفع يدي وأستدير لأتفادى الاصطدام به. أسمعه يقول شيئاً لكني لا أفهمه. تظل يداي مرفوعتين، ويظل
رأسي منكساً. لا تكاد تفصلني عنها خمس أقدام عندما أراها. إنها آنّا، واقفة بالقرب من سيارتها واضعة يديها على وركيها... تنظر إليّ.
تهز رأسها عندما تلتقي أعيننا. ثم تستدير وتسير مسرعة صوب باب بيتها. تسير سريعاً، كأنها تجري تقريباً. أتجمّد في مكاني لحظة وأنا
أنظر إلى هيئتها الضئيلة في جزمتها السوداء وقميصها الأحمر. أحس حقاً أنني رأيت هذا من قبل. نظرت إليها هاربة من قبل... مثلما
أفعل الآن.
كان ذلك بعد انتقالي من البيت بوقت قصير. وكنت قد أتيت لرؤية توم، لآخذ شيئاً تركته هناك. بل إنني لا أستطيع تذكر الشيء الذي
أتيت من أجله. ما كان شيئاً هاماً. أردت فقط أن أذهب إلى البيت، وأن أرى توم. أظن أن ذلك كان يوم الأحد، وقد تركت البيت يوم
الجمعة... إذًا، كانت ثمانٍ وأربعون ساعة تقريباً قد مضت على انتقالي. وقفتُ في الشارع أنظر إليها وهي تحمل أشياء من السيارة إلى
البيت. كانت تنقل أغراضها، تنتقل إلى البيت، تنتقل بعد يومين بعد مغادرتي... قبل أن يبرد فراشي. تسرّع غير لائق. لمحتني فمضيت
نحوها. لا أعرف أبداً ما كنت عازمة على قوْله لها. لا شيء عاقلًا... أنا واثقة من هذا. أتذكر أنني كنت أصرخ. أما هي فقد هربت، مثلما
تفعل الآن. لم أكن أدرك مدى سوء الأمر في ذلك الوقت. لم تكن تُبدي لي شيئاً بعد. هذا أفضل. أظن أن ذلك كان قادراً على قتلي.
أشعر بالدوار وأنا واقفة على رصيف المحطة أنتظر القطار. أجلس على المقعد وأقول لنفسي إن هذا من أثر الشراب. انقطاع عن الشرب
طيلة خمسة أيام، ثم شربٌ كثير. جاءني هذا الدوار بسبب الشراب. لكني أعرف أن الأمر أكثر من ذلك. إنها آنّا. مشاهدتها، وذلك
الإحساس الذي جاءني عندما رأيتها مبتعدة عني بتلك الطريقة. إنه الذعر.

فتاة القطارقصص لتهوسّ بها. اكتشف الآن