الفصل الثالث والعشرين
( ريتشل )
الخميس، 15 آب/أغسطس 2013
في الصباح
حصلت لي كاثي على مقابلة من أجل وظيفة جديدة. لقد أسست إحدى صديقاتها شركة للعلاقات العامة، وهي في حاجة إلى توظيف
مساعِدة. إنها وظيفة سكريتاريا، للمظاهر فقط... براتب بسيط جداً. لكني لا أبالي! هذه المرأة مستعدة لمقابلتي من غير أي توصيات.
أخبرتها كاثي قصة ما عني. قالت إنني تعرّضت لانهيار لكني تجاوزت ذلك تماماً الآن. ستجري المقابلة بعد ظهر الغد في بيت تلك
المرأة. إنها تدير عملها من كوخ صغير في الحديقة الخلفية ـ شاءت المصادفة أن يكون ذلك البيت في ويتني. وهكذا، كان من المفترض
أن أنفق النهار كله في تلميع سيرتي الذاتية والاستعداد لتلك المقابلة. كنت أفعل ذلك، لكن سكوت اتصل بي. قال: «آمل أن نستطيع
التحدث معاً».
«لا حاجة لهذا... أقصد... ليس عليك أن تقول شيئاً... كان الأمر... نعرف، أنا وأنت، أنها كانت غلطة».
قال: «أعرف هذا». بدا صوته حزيناً. لم يكن شبيهاً بصوت سكوت الحانق في كوابيسي، بل كان أقرب إلى صوت سكوت المحطم الذي
جلس على سريري وأخبرني عن طفله الميت... «لكني أوَدّ حقاً أن أتحدث معك». قلت له: «بالطبع... بالطبع نستطيع أن نتحدث».
«وجهاً لوجه».
قلت: «أوه»... كان آخر شيء أردته في تلك اللحظة أن أضطر للعودة إلى ذلك البيت. «إنني آسفة. لا أستطيع اليوم».
«أرجوك يا ريتشل. الأمر مهم». بدا لي قانطاً... أحسست بالشفقة عليه، رغماً عني. كنت أحاول التفكير في عذر ما، لكنه قالها من جديد:
«أرجوكِ»... فقلت له نعم، ثم ندمت على قول تلك الكلمة في لحظة خروجها من فمي.
إن في الصحف قصة عن طفلة ميغان ـ طفلتها الميتة، الأولى. تتناول القصة والد تلك الطفلة، في الحقيقة. لقد توصلوا إليه. اسمه كريغ
ماكنزي. لقد مات نتيجة جرعة زائدة من الهيرويين في إسبانيا منذ أربع سنوات. إذًا، هذا يحذفه من قائمة المشتبه بهم. لم تكن تلك
القصة تبدو في نظري دافعاً محتملاً حقاً بأي حال من الأحوال ـ إن أراد شخص ما أن يعاقبها على ما فعلته في ذلك الوقت، فلن يفعل
ذلك الآن. كان سيفعله منذ سنوات كثيرة.
مَنْ الباقون إذن؟ لا يترك هذا أحداً غير المشتبه بهم المعتادين: الزوج، والعشيق. سكوت، وكمال. أو لعله شخص ما التقطها من الشارع ـ
هل هي قصة قاتل متسلسل جديد تبدأ هنا؟ وهل ستكون الضحية الأولى ضمن سلسلة الضحايا... مثل ويلما ماكان أو بولين ريدي؟ ثم
مَنْ قال إن القاتل يجب أن يكون رجلاً؟ لقد كانت ميغان هيبويل امرأة صغيرة الحجم، ضئيلة كعصفور. لا يتطلب قتلها قوة كبيرة.
بعد الظهر
كانت الرائحة أول شيء ألاحظه عندما فتح الباب. رائحة عرق وبيرة، رائحة مزعجة حامضة... وتحت تلك الرائحة كان ثمة شيء آخر،
شيء أسوأ، شيء متعفِّن. أراه في بنطلون رياضي طويل وقميص رمادي مبقّع قصير الكمَّين. شعره مزيَّت، وجلده لامع كما لو أنه
مصاب بالحمّى.
أسأله: «هل أنت بخير؟» فيبتسم لي ابتسامة عريضة. إنه يشرب.
«إنني بخير... ادخلي... ادخلي!»... لا أريد أن أدخل، لكني أدخل.
ستائر نوافذ البيت من جهة الشارع مسدلة. وغرفة المعيشة غارقة في ضوء محمَرّ يبدو متلائماً مع الحر، ومع تلك الرائحة.
يتحرك سكوت في المطبخ. يفتح البراد فيأخذ زجاجة بيرة.
يقول: «تعالي واجلسي. تناولي شراباً». البسمة ثابتة على وجهه، لا بهجة فيها... صورة بسمة. هنالك شيء غير لطيف في تعبير وجهه.
إنه الازدراء الذي رأيته صباح يوم السبت... بعد نومنا معاً... لا يزال موجوداً في تعبير وجهه.
أقول له: «لا أستطيع البقاء طويلاً. إن لدي مقابلة عمل غداً. وعليَّ أن أستعد».
«حقاً؟»... يقولها رافعاً حاجبيه. يجلس ثم يدفع بقدمه كرسياً في اتجاهي، ويقول: «اجلسي وتناولي شراباً»... إنه أمر... ليس دعوة.
أجلس قبالته فيدفع زجاجة البيرة صوبي. أرفعها وآخذ رشفة منها. أسمع زعيقاً في الخارج ـ أطفالاً يلعبون في الحديقة الخلفية لأحد
البيوت ـ ومن خلف ذلك الزعيق أسمع هدير القطار الخافت المألوف.
يقول لي سكوت: «لقد ظهرت نتائج فحص الـ دي إن إيه البارحة. أتت المحققة رايلي لرؤيتي ليلة أمس». ينتظر أن أقول شيئاً. لكني
أخاف أن أقول شيئاً خاطئاً. أظل صامتة. «الطفل ليس طفلي. إنه ليس طفلي. لكن المضحك في الأمر هو أنه ليس طفل كمال أيضاً».
يضحك سكوت ثم يتابع: «إذًا، كان لديها شخص آخر أيضاً. هل تصدّقين هذا؟»، إنه يبتسم تلك الابتسامة المخيفة... «أنت لم تعرفي
شيئاً عن ذلك، أليس كذلك؟ ألم تعرفي شيئاً عن الرجل الآخر؟ ألم تخبرك شيئاً عن ذلك الرجل؟» تنزلق الابتسامة مختفية من وجهه
فينتابني إحساس مزعج، إحساس مزعج كثيراً. أنهض واقفة ثم أتقدم خطوة صوب الباب. لكنه يسرع فيقف أمامي. يداه قابضتان على
ذراعي. يدفعني إلى الخلف حتى أجلس من جديد.
«اجلسي في مكانك». يتنزع حقيبتي من كتفي ثم يقذف بها إلى زاوية المطبخ.
«سكوت... أنا لا أعرف ما يجري...».
يصيح بي منحنياً فوقي: «هيا الآن! كنتما صديقتين، أنت وميغان! لا بد أنك على علم بعشّاقها كلهم».
إنه يعرف! لا بد أنه أدرك ذلك من وجهي لحظة جاءتني هذه الفكرة. انحنى مقترباً مني، أنفاسه النتنة في وجهي، وقال: «هيا يا ريتشل!
قولي لي!»
أهز رأسي فيمد يده ليلتقط زجاجة البيرة الموضوعة على الطاولة أمامي. تتدحرج الزجاجة ثم تتحطم على الأرض.
يصيح قائلاً: «أعرف أنكِ حتى لم تلتقي بها. كل ما قلته لي... كل شيء... كان كذباً».
طأطأت رأسي، ثم نهضت واقفة، مغمغمة: «إنني آسفة. إنني آسفة». أحاول الالتفاف حول الطاولة لأستعيد حقيبتي وهاتفي، لكنه يقبض
على ذراعي من جديد.
يسألني: «لماذا فعلتِ هذا؟ ما الذي جعلك تفعلين هذا؟ ما مشكلتك؟».
إنه ينظر إليَّ، عيناه ملتحمتان بعيني، وأنا مذعورة، خائفة منه. لكني أعرف في الوقت نفسه أن هذا السؤال ليس سؤالاً غير منطقي.
يجب أن أقدم له تفسيراً. لا أحاول تخليص ذراعي من قبضته. أترك أصابعه تحفر لحمي، وأحاول أن أتكلم بوضوح وهدوء. أحاول ألّا
أصرخ. أحاول ألّا أكون مذعورة.
أقول له: «أردت أن أجعلك تعرف بأمر كمال. رأيتهما معاً، مثلما أخبرتك. لكنك لم تكن لتصدقني، لم تكن لتأخذني على محمل الجد، لو
كنت مجرَّد فتاة رأتهما من نافذة القطار. كان عليَّ أن...».
«كان عليك!»... يتركني ويستدير مبتعداً عني... «تقولين لي إنه كان عليك»... صار صوته أكثر لطفاً. إنه يهدأ. تنفَّست عميقاً. حاولت
تهدئة ضربات قلبي.
أقول: «أردت مساعدتك. أعرف أن الشرطة تشك دائماً في الزوج. وقد أردتك أن تعرف ـ أن تعرف أن هناك شخصًا آخر».
«هل هذا ما جعلك تختلقين قصة معرفتك بزوجتي؟ هل تدركين كم تبدين مجنونة؟».
«أدرك هذا».
أسير باتجاه طاولة المطبخ لألتقط منشفة، ثم أجثو... على يدَيَّ وركبتَيّ... وأنظِّف البيرة المسكوبة على الأرض. يجلس سكوت واضعاً
مرفقَيْه على ركبتَيه، مطأطئاً رأسه. يقول: «لم تكن مثلما ظننتها. لم تكن المرأة التي ظننتها. لا فكرة عندي عمَّن هي».
أعصر المنشفة فوق المِجلَى ثم أفتح الماء البارد على يدي. حقيبتي على مسافة قدمَين مني، في زاوية الغرفة. أتحرك صوبها، لكن
سكوت يرفع رأسه ناظراً إليّ... فأتوقف. أقف هناك، ظهري إلى الطاولة... أمسك حافتها بيدي حتى أضمن استقراري... حتى أشعر
بالاطمئنان.
يقول: «أخبرتني المحققة رايلي. كانت تسألني عنك. سألتني إن كان بيننا علاقة غرامية». يضحك عند ذلك... «علاقة معكِ أنت! يا إلهي.
سألتها عند ذلك: هل رأيت كيف كانت زوجتي؟ لا تسقط المعايير بتلك السرعة». وجهي حار، وعرق بارد تحت إبطَيّ وأسفل ظهري. «من
الواضح أن آنّا قدَّمَت شكوى ضدك. لقد شاهدتك تتجولين في المنطقة. هكذا حدث الأمر. قلت لها إن لا علاقة بيننا. وإنها مجرد صديقة
لميغان... وتساعدني». ضحكَ من جديد. ضحكة خافتة لا مَرَح فيها... «قالت لي إنك لا تعرفين ميغان. قالت إنك مجرد كاذبة حزينة
صغيرة ليس لديها حياة خاصة بها». خَبَت الابتسامة في وجهه... «كلكن كاذبات. كل واحدة منكن». يصدر هاتفي طنيناً. أسير خطوة
صوب الحقيبة، لكن سكوت يصل إليها قبلي.
يقول لي وهو يخرج الهاتف من الحقيبة: «انتظري لحظة. لم ننته بعد». يقلب الحقيبة فيفرغ محتوياتها كلها على الطاولة، الهاتف،
والمحفظة الصغيرة، والمفاتيح، وأحمر الشفاه، ومنديلاً نسائياً، وإيصالات بطاقة الائتمان. «أريد أن أعرف بالضبط مقدار الكلام الفارغ
في كل ما قلتِه لي». ومن غير استعجال، يلتقط الهاتف وينظر إلى شاشته. يرفع عينيه صوبي، وفجأة تصبحان باردتين. يقرأ بصوت
مرتفع: «هذه الرسالة لتأكيد موعدك مع الدكتور أبديك في الرابعة والنصف بعد الظهر يوم الاثنين، 19 آب/أغسطس. إذا كنت غير قادرة
على الحضور في هذا الموعد، فيُرجَى أخْدُ العلم بضرورة إبلاغنا قبل أربع وعشرين ساعة».
«سكوت، إنني...».
يسألني: «ماذا يجري بحق الجحيم؟»... صار صوته أشبه بالهمس... «ماذا تفعلين؟ ماذا تقولين له؟».
«لا أقول له شيئاً...» ألقى بالهاتف على الطاولة ثم جاء صوبي وقد تكوَّرت قبضتاه. أتراجع إلى زاوية الغرفة، وأحشر نفسي بين الجدار
والباب الزجاجي. «كنت أحاول اكتشاف الحقيقة... كنت أحاول المساعدة». يرفع قبضته فأنكمش، أخفض رأسي منتظرة الألم. وفي تلك
اللحظة أدرك أنني فعلت هذا من قبل، أحسست بهذا من قبل، لكني لا أستطيع أن أتذكر متى حدث ذلك ولا وقت لدي للتفكير فيه الآن.
صحيح أنه لم يضربني، لكنه وضع يديه على كتفَيّ... إنه يشد عليهما الآن، يحفر إبهاماه ترقوتَيَّ. يؤلمني هذا كثيراً... أصرخ.
يقول وهو يشد على أسنانه: «كل هذا الوقت... كنت أظن طيلة هذا الوقت أنك واقفة إلى صفي، لكنك كنت تعملين ضدي. كنت تقدمين
له المعلومات، أليس كذلك؟ كنت تعطيه معلومات عني وعن ميغان. إنها أنتِ، أنت من جعل الشرطة تستهدفني. أنتِ التي...».
«لا! أرجوك، لا تفعل هذا. لم يكن الأمر هكذا. أردت مساعدتك». تنزلق يده اليمنى متحركة إلى الأعلى. يمسك بشعري عند رقبتي،
ويشده. «سكوت، لا تفعل هذا... أرجوك. أرجوك يا سكوت. أنت تؤلمني. أرجوك». إنه يجرّني الآن، يجرني صوْب باب البيت. يغمرني
الارتياح. سوف يرميني خارجاً، في الشارع. الحمد لله.
لكنه لا يرميني خارجاً بل يستمر في جرّي... باصقاً، شاتماً. يجرّني إلى الأعلى فأحاول المقاومة؛ لكنه قوي جداً... لا أستطيع المقاومة.
إنني أصرخ: «أرجوك... لا تفعل هذا... أرجوك». أصرخ وأعرف أن شيئاً فظيعاً على وشك الحدوث. أحاول الصراخ، لكنني لا أستطيع... لا
يخرج صوتي.
أعمتني دموعي... أعماني خوفي. يلقيني سكوت في إحدى الغرف ثم يغلق الباب من خلفي. أسمع صوت المفتاح يدور في القفل. تندفع
حموضة حارة إلى حلقي... أتقيأ على السجادة. أنتظر... أصغي. لا يحدث شيء... لا يأتي أحد.
إنني في الغرفة الإضافية. كانت الغرفة المماثلة في بيتي مكتباً لتوم. أما الآن فهي غرفة طفلتهما... الغرفة ذات الستائر الوردية الناعمة.
أما هنا، فهي تبدو مستودعاً... كلها أوراق وملفات، وفيها جهاز تمرين رياضي قابل للطي، وحاسوب آبل ماكنتوش قديم. أرى علبة فيها
أوراق تحمل أرقاماً ـ لعلها حسابات متعلقة بعمل سكوت. هناك علبة أخرى فيها بطاقات بريدية قديمة ـ بطاقات فارغة على ظهورها آثار
من شيء أزرق... كأنها كانت ملصقة على جدار ذات يوم: سطوح بيوت باريسية، وأطفال يتزلَّجون في زقاق، وعوارض سكة قطار
قديمة كَسَتها الطحالب، وصورة للبحر من داخل أحد الكهوف. أقلِّب هذه البطاقات ـ لا أعرف لماذا أبحث، أو عن أي شيء أبحث فيها...
أحاول فقط تهدئة خوفي. أحاول ألا أفكر في تلك التقارير الصحافية... في إخراج جثة ميغان من الوحل. أحاول ألا أفكر في إصاباتها،
أو في مقدار الرعب الذي لا بد أنها عاشته عندما رأت الموت قادماً إليها.
أقلِّب البطاقات... وفجأة أحس أن شيئاً عضَّني فأرتدّ إلى الخلف مطلِقة صيحة صغيرة. هنالك جرح في قمة إصبعي. الدم يقطر على
بنطلوني. أوقف الدم بطرف قميصي، وأتابع تقليب البطاقات بانتباه أكبر. وعلى الفور، أرى الشيء الذي جرحني: صورة في إطار،
محطّمة... قطعة زجاج صغيرة مفقودة في أعلاها... وحافة الزجاج المكشوفة ملطخة بدمي.
لم أر هذه الصورة من قبل. إنها صورة لميغان وسكوت معاً. وجهاهما قريبان من الكاميرا. إنها تضحك، وهو ينظر إليها مولَّهاً. أم لعلها
نظرة غيرة؟ زجاج الصورة محطَّم على هيئة نجمة تبدأ عند زاوية عين سكوت. من الصعب عليّ أن أقرأ تعابير وجهه. أجلس هناك، على
الأرض، والصورة أمامي. أفكّر كيف تتحطم الأشياء... دائماً... مصادفة، وكيف يعجز الإنسان أحياناً عن إصلاحها. أفكر في كل تلك
الأطباق التي حطَّمتها عندما كنت أتشاجر مع توم... في تلك الثغرة في الجدار، في ممر الطابق العلوي.
أسمعُ صوتاً على الجانب الآخر من الباب المقفل. أسمع ضحك سكوت فيتجمّد جسدي كله. أقف سريعاً، ثم أمضي إلى النافذة. أفتحها
وأنحني خارجها. أقف على رؤوس أصابعي وأصيح طالبةً النجدة. أنادي توم. هذا محال! شيء يدعو إلى الرثاء! حتى لو شاءت
المصادفة أن يكون توم في الخارج، في الحديقة، على مسافة بيوت قليلة من هنا، فلن يتمكن من سماعي. المسافة بعيدة جداً. أنظر إلى
الأسفل فأفقد توازني... لكني أشد نفسي إلى الخلف، إلى الداخل... ترتخي أمعائي، وتعلق شهقاتي في حنجرتي.
أصرخ: «أرجوك يا سكوت!... أرجوك...». أكره صوتي، أكره نبرة الاستعطاف فيه، نبرة القنوط. أنظر إلى الدم على قميصي فأفكّر بما لديّ
من خيارات للدفاع عن نفسي. ألتقط إطار الصورة ثم أفتحه على السجادة. أختار أكبر شظايا الزجاج فأدسها بعناية في جيبي الخلفي.
أسمع صوت خطوات تصعد السلم. أستند إلى الجدار قبالة الباب. أسمع المفتاح يدور في القفل.
أرى سكوت حاملاً حقيبتي في يده. أراه يقذف بها عند قدمَيّ. وأرى في يده الأخرى قصاصة ورق. يقول مبتسماً: «لا بأس إذا لم أستطع
جعل هذا يبلغ مستوى التمثيل في فيلم نانسي درو!»... يتصنَّع صوتاً نسائياً، ثم يقرأ بصوت مرتفع: «هربت ميغان مع عشيقها الذي أشير
إليه من هنا فصاعداً بالحرف ب». يضحك ضحكة قصيرة ثم يتابع: «لقد آذاها ب... آذاها سكوت...» يكرمش الورقة ثم يرميها عند
قدمي. «ياإلهي! أنت تثيرين الرثاء حقاً، أليس كذلك؟» ثم ينظر من حوله فيرى السجادة حيث تقيّأت عليها، ويرى الدم على قميصي...
«يا للجحيم! ماذا كنت تفعلين؟ هل حاولت قتل نفسكِ؟ هل تريدين أن تقومي بعملي بدلاً مني؟»... يضحك من جديد... «عليَّ أن أكسر
رقبتك الملعونة هذه... لكن هل تعرفين... أنت لا تستحقين هذا العناء. أخرجي من بيتي». قال هذا ثم تنحّى جانباً لأمُرّ.
أمسكت بحقيبتي وانطلقت صوب الباب، لكنه يخطو فور تحرّكي فيصير أمامي متخذاً وضعية الملاكم. أظن للحظة أنه موشك على
إيقافي. على وضع يديه عليَّ من جديد. لا بد أنه لمح الذعر في عينَيّ لأنه راح يضحك، راح يزمجر ضاحكاً. بقيتُ أسمع صوت ضحكه
إلى أن خرجت من البيت وأغلقت الباب من خلفي.
الجمعة، 16 آب/أغسطس 2013
في الصباح
لم أنَمْ إلا قليلاً. شربت زجاجة ونصف زجاجة من النبيذ علَّ ذلك يجعلني أنام، علّه يوقف اهتزاز يدي، علّه يهدّئ تقلّصات معدتي. لكنه
لم ينجح في شيء من هذا. كنت أجفل فأستيقظ كلما بدأت أغفو. كنت شبه واثقة من أنني أحسّه موجوداً معي في هذه الغرفة.
أشعلت الضوء وجلست هناك مصغية إلى أصوات الشارع في الخارج، إلى أناس يتحركون في هذا المبنى. لم أستطع الاسترخاء والنوم
إلا مع ضياء الفجر. حلمت أنني في الغابات من جديد. كان توم معي. لكنني كنت خائفة.
تركت رسالة لتوم الليلة الماضية. بعد مغادرتي بيت سكوت، جريت إلى البيت رقم 23 وقرعت الباب. كنت مذعورة إلى حد جعلني غير
مهتمة بأن تكون آنّا هناك... حتى إذا غضبت لمجيئي. لم يفتح لي الباب أحد، فكتبت رسالتي على قصاصة ورق ألقيتها في علبة البريد.
لا يهمّني أن تراها ـ بل أظن أن جزءاً مني يريدها أن تراها في الواقع. جعلت رسالتي غامضة ـ قلت له إن علينا أن نتحدث عما جرى في
ذلك اليوم. لم أذكر سكوت بالاسم لأنني لم أكن أريد أن يذهب توم إليه ويواجهه ـ الرب وحده يعرف ماذا يمكن أن يحدث.
اتصلت بالشرطة فور وصولي إلى البيت تقريباً. شربت كأسين من النبيذ قبل ذلك، حتى أهدّئ نفسي. طلبت أن أتكلم مع المحقق
غاسغيل. لكنهم قالوا إنه غير موجود. وهكذا انتهى بي الأمر إلى الحديث مع رايلي. لم يكن هذا ما أردته، أعرف أن غاسغيل سيكون
أكثر لطفاً منها.
قلت لها: «لقد حبسني في بيته. وهددَني أيضاً». سألتني عن مدة «حبسي» عنده. أحسست أنها تشكّ في كلامي.
قلت: «لا أعرف. لعلها نصف ساعة».
ساد صمت طويل.
«تقولين إنه هدّدَك. هل تستطيعين إخباري بطبيعة ذلك التهديد تحديداً؟».
«قال إنه سيكسر رقبتي. قال... قال إن عليه أن يكسر رقبتي...».
«هل قال لك إن عليه أن يكسر رقبتك؟».
«قال إنه سيكسرها إن اقتضى الأمر».
صمت. وبعد ذلك... «هل ضربك؟ هل ألحق بكِ الأذى بأي طريقة؟».
«كدمات... كدمات فقط».
«هل ضربك؟».
«لا! أمسكني بقوة».
صمت أطول.
وبعد ذلك: «آنسة واتسون! لماذا كنتِ في بيت سكوت هيبويل؟».
«طلب مني أن أذهب لرؤيته. قال إنه في حاجة إلى الكلام معي».
أطلقت رايلي زفرة طويلة: «لقد حذَّرناك سابقاً وقلنا لكِ أن تبقي بعيدة عن هذا. كنت تكذبين عليه، وتقولين له إنك كنت من أصدقاء
زوجته. كنت تقصّين عليه قصصاً غريبة وـ دعيني أنهي كلامي ـ وهذا شخص... في أحسن الأحوال... واقع تحت ضغط شديد، وهو
يعاني كثيراً. هذا في أحسن الأحوال. أما في أسوأ الأحوال، فقد يكون شخصاً خطراً».
«إنه شخص خطر! هذا ما أقوله لك بحق الله... بحق الله».
«هذا ليس مفيداً. أنت تذهبين هنا وهنا، وتكذبين عليه، وتستفزينه. إننا نحقق في جريمة قتل هنا. عليك أن تفهمي هذا. قد تعرّضين
تقدمنا في التحقيق إلى الخطر، وقد...».
«أيّ تقدم؟» ... قلت لها هذا بصوت حاد... «لم تحقّقوا أي تقدم في التحقيق! لقد قتل زوجته... أقول لك هذا. هناك صورة، صورة لهما
معاً، إنها محطّمة. وهو غاضب... إنه شخص غير مستقر...».
«نعم، رأينا هذه الصورة. لقد فتشنا البيت. لكن تحطيم الصورة ليس دليلاً على القتل».
«ألن تعتقلوه إذًا؟».
أطلقت زفرة طويلة: «تعالي إلى قسم الشرطة غداً. قدّمي شكوى. وسوف نتابع الأمر من تلك النقطة. ثم... يا آنسة واتسون! عليك أن
تبتعدي عن سكوت هيبويل».
عادت كاثي إلى البيت فوجدَتني أشرب. لم تكن سعيدة بهذا. ماذا أستطيع أن أقول لها. لم تكن عندي طريقة لشرح الأمر. لم أقل إلا
إنني آسفة. ثم صعدت إلى غرفتي مثلما تفعل مراهقة عندما تحرَد. ثم استلقيت مستيقظة... أحاول أن أنام... منتظرةً اتصالاً من توم.
لم يتصل.
استيقظت باكراً ونظرت إلى هاتفي (لا مكالمات)؛ غسلتُ شعري وارتديتُ ملابسي من أجل المقابلة. كانت يداي مرتجفتين، ومعدتي
منقبضة. أخرج في وقت مبكر لأن علي أن أذهب إلى قسم الشرطة أولاً حتى أسجِّل الشكوى ضد سكوت. ليس هذا لأنني أتوقع أن
ينتج عن تلك الشكوى شيء. إنهم لا يأخذونني على محمل الجد أبداً، ومن المؤكد أنهم لن يغيّروا ذلك الآن. أسأل نفسي: ماذا يريدون
حتى يعتبروني أي شيء غير إنسانة مهووسة.
طوال الطريق إلى قسم الشرطة، لم أكن قادرة على منع نفسي من الالتفات إلى الخلف. زعيق مفاجئ لصفارة سيارة من سيارات
الشرطة جعلني أقفز في مكاني رعباً. وفي مدخل القسم، مشيت بالقرب من السياج الواقي. كانت أصابعي تنزلق على ذلك السياج
الحديدي. سرت هكذا حتى أستطيع التمسك به إن لزمني ذلك. أدرك أن هذا سخف، لكني أشعر أنني معرَّضة للخطر إلى حد كبير الآن
بعد أن رأيته على حقيقته... الآن بعد أن لم يبق بيننا أسرار.
بعد الظهر
يجب أن يكون الأمر منتهياً بالنسبة لي الآن. كنت أظن طيلة هذا الوقت أن هناك شيئًا يجب أن أتذكره، شيئًا نسيته. لكن... لا وجود لأي
شيء. لم أرَ شيئاً هاماً، ولم أفعل شيئاً فظيعاً. كلّ ما حدث هو أنني كنت موجودة في الشارع نفسه، مصادفة. أعرف هذا الآن بفضل
الرجل ذي الشعر الأحمر. لكن... يبقى هناك شيء في رأسي... شيء مثل بقعة تحكّني ولا أستطيع الوصول إليها.
لم أجد غاسغيل، ولا رايلي، في قسم الشرطة. أدليت بالشكوى أمام شرطي يبدو عليه الضجر. سوف يضعون هذه الشكوى في أحد
الملفّات ثم ينسونها. هذا ما أفترضه... إلا إذا عثر أحد ما عليَّ في حفرة في مكان ما. كانت مقابلتي في الناحية الأخرى من البلدة،
الناحية الأكثر بعداً عن بيت سكوت. لكني أخذت تاكسي من قسم الشرطة. لن أغامر بشيء. كانت المقابلة جيدة: الوظيفة نفسها أقل
مني بكثير... لكن، يبدو لي أنني صرت أقل مني بكثير، أنا نفسي... خلال السنة الماضية أو السنتين الماضيتين. يجب أن أعيد ترتيب
المعايير. لكن المشكلة الأكبر في هذه الوظيفة (غير بؤس الدخل، ووضاعة العمل نفسه) هي اضطراري إلى المجيء إلى ويتني طيلة
الوقت، وإلى المشْي في هذه الشوارع والمخاطَرة باحتمال مصادفة سكوت أو آنّا وطفلتها.
هذا لأن مصادفة الناس تبدو كل ما أستطيع فعْله في هذه الناحية. كان هذا شيئاً أحببته في هذه البلدة: الإحساس بأنك في قرية على
أطراف لندن. قد لا تعرف الجميع، لكن الوجوه مألوفة كلها.
صرت عند المحطة تقريباً. أمرّ أمام متجر كراون فأشعر بيد تلمس ذراعي فأجفل مبتعدة... أنزلق عن الرصيف وأصير في الشارع.
«أوه... أوه... إنني آسف! إنني آسف!»... هذا هو من جديد، الرجل ذو الشعر الأحمر حاملاً زجاجة شراب في يده، رافعاً اليد الأخرى
بحركة اعتذار.
يبتسم قائلاً: «أنت عصبية، أليس كذلك؟»... لا بد أنني أبدو مذعورة حقاً لأن ابتسامته تخبو. «هل أنت بخير؟ لم أقصد إخافتك».
يقول إنه ثمل في وقت مبكر اليوم. ثم يدعوني إلى مشاركته الشراب. أرفض ذلك، لكني أغيّر رأيي.
أقول له ـ اتضح أن اسمه آندي ـ عندما أحضَرَ لي الجن والتونيك: «إنني مدينة لك باعتذار بسبب تصرّفي في القطار. أقصد... في المرة
الأخيرة. كان يومي سيئاً».
يقول آندي: «لا بأس». ابتسامته بطيئة... كسولة. لا أظن أن هذه زجاجته الأولى اليوم. إننا جالسان متقابلَين في حديقة البيرة في آخر
المقهى. يبدو المكان هنا آمناً أكثر من الناحية المطلّة على الشارع. ولعل هذا الإحساس بالأمان هو ما شجَّعني.
أغامر فأقول له: «أردت أن أسألك عما حدث في تلك الليلة... عندما التقيتك. إنها ليلة اختفاء ميغ... ليلة اختفاء تلك المرأة».
«أوه! طيب. لماذا؟ ماذا تقصدين؟».
أستنشق نفساً عميقاً. أحس أن وجهي بدأ يحمَرّ. يظل الأمر محرجاً حتى إن كنت قد اعترفت به مرات كثيرة من قبل... يجعلني هذا
الاعتراف أنكمش على نفسي دائماً... «كنت في حالة سكر شديد؛ ولست أتذكر شيئاً. هناك أشياء أريد أن أفهمها. أريد أن أعرف إن كنتَ
قد رأيتَ شيئاً، إن كنت قد رأيتني أتحدّث مع شخص آخر... أي شيء من هذا القبيل...». عيناي مثبَّتتان بالطاولة. لا أستطيع النظر في
عينيه.
يلكز قدمي بقدمه ويقول: «لا بأس عليك! لم تفعلي أي شيء سيىء». أرفع رأسي فأراه مبتسماً... «كنت ثملاً أنا أيضاً. جرى بيننا حديث
في القطار، لكني لا أستطيع تذكّر موضوع ذلك الحديث. ثم تركنا القطار هنا معاً، أقصد في ويتني، لكن مشيتك كانت غير ثابتة بعض
الشيء لقد انزلقتِ على السلم. هل تذكرين هذا؟ ساعدتك في الوقوف فبدا عليك حرج شديد. احمرّ وجهك مثلما هو الآن». يضحك عند
ذلك... «خرجنا من المحطة معاً فسألتك إن كنت راغبة في الذهاب إلى الحانة لكنك قلت إن عليك أن تذهبي لمقابلة زوجك».
«هل هذا كل شيء؟».
«لا! ألا تذكرين حقاً؟ كان ذلك بعد قليل ـ لا أدري، بعد نصف ساعة... ربما؟ ذهبتُ إلى حانة كراون، لكن أحد أصدقائي اتصل قائلاً لي إنه
يشرب في بار واقع إلى الناحية الأخرى من سكة القطار. وهكذا كنت ذاهباً إليه عبر النفق. رأيتك واقعة على الأرض هناك. وكنتِ في
حالة مزرية عند ذلك. جرحت نفسك أيضاً. قلقت بعض الشيء، وقلت إنني سأوصلك إلى البيت إذا كنت تريدين ذلك، لكنك رفضتِ. لقد
كنت... نعم، كنت منزعجة، غاضبة كثيراً. ظننت أن مشاجرة جرت بينك وبين رجلك. رأيته مبتعداً في الشارع وقلت لك إنني مستعد
للذهاب خلفه إن أردت، لكنك قلتِ لي ألّا أفعل ذلك. ثم انطلق بسيارته. لقد كان... آآآ... لم يكن وحده».
«هل كانت معه امرأة؟»، يهز رأسه ثم يخفضه قليلاً ثم يطرق قليلاً ويقول: «نعم ذهبا في السيارة معاً. افترضت عند ذلك أن هذا كان
سبب المشاجرة بينكما».
«وبعد ذلك؟».
«ذهبتِ بعد ذلك. أحسست أنك... مشوَّشة... قليلاً، أو شيء من هذا القبيل... ذهبتِ مبتعدة. كنت تواصلين القول إنك لست في حاجة
إلى أي مساعدة. مثلما قلت لك... كنت أنا نفسي ثملاً بعض الشيء... وهكذا تركت الأمر. تابعت طريقي عبر النفق والتقيت صاحبي في
الحانة. هذا كل شيء».
عندما كنت أصعد السلم إلى الشقة، كنت واثقة من أنني أرى ظلالاً فوقي... من أنني أسمع وقع خطوات أمامي. هناك من ينتظرني في
الأعلى. لا أحد هناك، بطبيعة الحال. والشقة كانت خالية أيضاً: كان كل شيء فيها طبيعياً. كانت رائحتها توحي بأنها فارغة. لكن ذلك لم
يمنعني من تفتيش الغرف كلها ـ تحت سريري وتحت سرير كاثي، وفي الخزائن، بل حتى في خزانة المطبخ التي لا يستطيع طفل
الاختباء فيها.
بعد ثلاث جولات في الشقة، صرت قادرة على التوقف أخيراً. صعدت إلى غرفتي وجلست على سريري مفكرة في ذلك الحديث مع آندي
وفي حقيقة أنه يطابق ما أتذكّره. لم يكشف لي كلامه شيئاً جديداً. تجادلنا في الشارع، أنا وتوم. وانزلقت فسقطت وجرحت نفسي.
مضى توم غاضباً وصعد إلى سيارته مع آنّا. ثم جاء بعد ذلك باحثاً عني، لكني كنت قد ذهبت. أفترض أنني أخذت سيارة تاكسي، أو
أنني عدت إلى محطة القطار.
إنني جالسة في سريري أنظر من النافذة. وأسأل نفسي: لماذا لا أشعر أنني صرت في حال أفضل؟ لعل السبب ببساطة أنني لا أزال غير
قادرة على الوصول إلى أي إجابات. لعل ذلك لأنني... رغم أن ما أتذكره منسجم مع ما يتذكره الآخرون. لا أزال أشعر أن هناك شيئاً غير
صحيح. أتذكر فجأة، آنّا! لم يذكر توم أبداً أنه ذهب معها بالسيارة ذلك الوقت؛ لكن ثمة أمراً آخر: عندما رأيتها تمضي مبتعدة وتصعد
إلى السيارة... لم تكن تحمل ابنتها. أين كانت إيفي خلال حدوث هذا كله؟
السبت، 17 آب/أغسطس 2013
في المساء
يجب أن أكلم توم حتى تستقيم الأمور في رأسي لأنني أجد الأمر غير منطقي كلما فكرت فيه... ولا أستطيع منع نفسي من التفكير فيه
مرة بعد مرة. ثم إني قلقة أيضاً لأن يومين مرّا منذ أن تركت له تلك الرسالة... مر يومان ولم يتصل بي. لم يردّ على الهاتف الليلة
الماضية. وهو لا يردّ طيلة اليوم. هناك شيء غير طبيعي. لا أستطيع أن أبعد عنّي ذلك الإحساس بأنه شيء متعلّق بآنّا.
أعرف أنه سيكون راغباً في الكلام معي أيضاً بعد سماعه ما حدث مع سكوت. أعرف أنه سيكون راغباً في مساعدتي. لا أستطيع منع
نفسي عن التفكير في حالته ذلك اليوم في السيارة... في تلك المشاعر التي كانت بيننا. أرفع سَمّاعة الهاتف وأطلب رقمه... فراشات
ترفرف في معدتي، تماماً مثلما تفعل دائماً... تشوّقي لسماع صوته... صوته الثاقب الآن مثلما كان منذ سنين.
«نعم؟».
«توم، هذه أنا».
«نعم؟»
لا بد أن آنّا موجودة معه. ولا بد أنه لا يريد أن يقول اسمي. انتظر لحظة حتى أفسح له مجالاً للذهاب إلى غرفة أخرى، للابتعاد عن آنّا.
أسمعه يتنهد ثم يقول: «ما الأمر؟».
«آآ... أردت أن أكلمك... مثلما أخبرتك في الرسالة التي تركتها لك. إنني...».
«ماذا؟ أي رسالة ...». بدا منزعجاً.
«تركت لك رسالة منذ يومين. قلت لك فيها إننا يجب أن نتكلم عن...».
«لم تصلني أي رسالة». يتنهّد مرة أخرى... تنهيدة أثقل هذه المرة. «تباً لهذا! ذلك سبب انزعاجها مني». لا بد أن آنّا أخذت الرسالة. لم
تعطه إياها... «ماذا تريدين؟».
أودّ أن أنهي المكالمة؛ وأن أتصل به من جديد... أن أبدأ من جديد. أريد أن أقول له كم كانت رؤيته يوم الإثنين أمراً طيباً عندما ذهبنا
إلى البحيرة.
«أردت فقط أن أسألك عن شيء».
يقول بحدَّة: «ماذا؟»
يبدو منزعجاً حقاً.
«هل كل شيء على ما يرام؟».
«ماذا تريدين يا ريتشل؟...» لقد ذهب ذلك كله... الرِقّة كلها التي كانت في صوته منذ أسبوع فقط. ألعن نفسي لأنني تركت له تلك
الرسالة. من الواضح أنني سبَّبت له مشاكل في البيت.
«أردت أن أسألك عن تلك الليلة ـ ليلة اختفاء ميغان هيبويل».
«آه... يا ربي! لقد تحدّثنا عن هذا ـ لا يمكن أن تكوني قد نسيتِ ذلك».
«أنا فقط...».
يقول بصوت مرتفع، فَظّ: «لقد كنت ثملة. قلت لك أن تذهبي إلى البيت. لكنك لا تُصغين. تجولتُ في المكان. قُدتُ السيارة باحثاً عنك،
لكني لم أستطع العثور عليك».
«وأين كانت آنّا؟».
«كانت في البيت».
«هل كانت مع الطفلة؟».
«نعم، كانت مع إيفي».
«ألم تكن معك في السيارة؟»
«لا».
«لكن...»
«أوه... بحق الله. كانت تستعد للخروج. وكان عليّ أن أبقى مع الطفلة. ثم جئت أنت فألغت مشروعها. أما أنا فقد أهدرتُ ساعات إضافية
من عمري جارياً هنا وهناك بحثاً عنكِ».
ليتني لم أتصل! ليتني لم أجعل آمالي تتصاعد ثم تتحطم من جديد. هذا مثل فولاذ بارد يطعنني، يتلوّى في أحشائي.
أقول له: «لا بأس! الأمر فقط أنني... أتذكر الأمر بشكل مختلف... توم، عندما رأيتني... هل كنت مصابة؟ هل كنت... هل كان في رأسي...
جرح؟»
زفرة ثقيلة أخرى: «يدهشني أن تكوني قادرة على تذكّر أي شيء على الإطلاق يا ريتشل. كنتِ ثملة بشكل كامل، ثملة بشكل قذر...
مقرف. كنت تترنَّحين هنا وهناك في ذلك المكان».
أحسُّ بغصّة في حنجرتي عندما أسمعه يقول هذه الكلمات. سمعته يقول هذه الأشياء من قبل... في الأيام السيئة منذ زمن... في أسوأ
الأيام، عندما كان متعَباً مني، ضجِراً مني، متقزّزاً مني.
يتابع حديثه ضجِراً متعَباً: «كنتِ قد وقعتِ في الشارع، وكنت تصرخين. كنت في حالة مزرية تماماً. ما أهمية هذا الآن؟»
لا أستطيع أن أعثر على الكلمات المناسبة بالسرعة الكافية. أبحث عن الإجابة وقتاً أطول مما يطيق، فيتابع قائلاً: «انظري! يجب أن
أذهب. لا تتصلي بي بعد الآن من فضلك. لقد تحدثنا عن هذا. كم مرة يجب أن أطلب هذا الأمر منك؟ لا تتصلي، ولا تتركي لي رسائل،
ولا تأتي إلينا. هذا يزعج آنّا. هل اتفقنا؟».
و... ينقطع الخط.
الأحد، 18 آب/أغسطس 2013
في الصباح الباكر
كنت في الأسفل طيلة الليل، في غرفة المعيشة، مع التلفزيون حتى أحس أن ثمَّة أحداً معي. كان خوفي يتراجع ويزداد. كانت قوتي
تتراجع وتزداد. أحس أنني عدت في الزمن... أحس أن الجرح الذي سبَّبه لي منذ سنين عاد الآن فانفتح... عاد جديداً، موجِعاً. أعرف أن
هذا سخف. كنت حمقاء عندما ظننت أن لي فرصة معه من جديد استناداً إلى حديث واحد فقط، إلى لحظات معدودة ظننتها لحظات
رِقَّة لكنها ما كانت، على الأرجح، شيئاً أكثر من اندفاع عاطفي وإحساس بالذنب. لكن الأمر مؤلم، رغم ذلك. وليس عليَّ إلا أن أترك
نفسي أحس هذا الألم، لأنني إذا لم أفعل ذلك... إذا بقيت أخدّر الألم... فلن يزول مني أبداً.
كنت حمقاء أيضاً عندما تركت نفسي أظن أن هناك صلة تربطني بسكوت، وأنني قادرة على مساعدته. أنا حمقاء إذًا. هكذا اعتدت أن
أكون. لست مضطرة إلى البقاء حمقاء... لست مضطرة! يجب ألّا أكون حمقاء بعد اليوم. أستلقي هنا طيلة الليل، وأعِدُ نفسي بأنني
سوف أعرف كيف أدير أموري. سأنتقل من هنا، بعيداً جداً. وسأحصل على عمل جديد. سأعود إلى اسمي الأصلي وأقطع كل ما يربطني
بتوم. سأجعل من الصعب أن يعثر عليَّ أحد... إن اهتمَّ أحدٌ بالبحث عني أصلاً.
لم أنم كثيراً. بقيت مستلقية هنا على الأريكة، أضع خطَطاً. وكلما أبدأ الغرق في النوم، أسمع صوت توم في رأسي... واضحاً كما لو أنه
مــوجود هنــا معـي، إلـى جـواري تمـاماً. شـفتاه قـرب أذنـي ـ كنـتِ ثملـة تمـاماً. ثملـة بشـكل قـذر، مقـرف ـ فأسـتيقظ مجفلـة وأحـسّ بـالعار
يجتاحني، يغمرني مثل موجة. إنه العار... لكنه إحساس قوي أيضاً بشيء مكرر... لأنني سمعت تلك الكلمات من قبل... تلك الكلمات
نفسها.
وعند ذلك أصبح عاجزة عن منْع نفسي من تكرار تلك المشاهد في رأسي: ماشية ودمي على الوسادة، ألم داخل فمي... كأنني عضضت
وجنتي من الداخل، أظافري قذرة، وفي رأسي صداع فظيع، وأرى توم خارجاً من الحمّام... أرى ذلك التعبير على وجهه ـ نصف غاضب،
نصف مجروح ـ والخوف يتزايد في داخلي كأنه طوفان.
«ماذا حدث؟».
يريني توم الكدمات على ذراعه، وعلى صدره، حيث ضربته.
«لا أصدق هذا يا توم. لا يمكن أن أضربك أبداً. لم أضرب أحداً في حياتي كلها».
«كنتِ ثملة تماماً يا ريتشل. هل تذكرين أي شيء مما فعلته الليلة الماضية؟ أي شيء مما قلتِه؟...»، ثم يخبرني لكن أظل عاجزة عن
التصديق... لا شيء في ما قاله يشبهني أنا، لا شيء أبداً. وأما قصة مضرب الغولف... الفجوة في الجدار... رمادية فارغة مثل عين
عمياء تنظر إليَّ كلما مررت بها... لكني لم أستطع التوفيق بين ذلك العنف الذي تحدث عنه وبين خوفي، الخوف الذي أذكره.
أو لعله الخوف الذي أظن أنني أذكره؟ بعد حين من الزمن، تعلمت ألا أسأل عما فعلت، تعلمت ألا أجادل عندما يعطيني تلك المعلومات،
لأنني لم أكن راغبة في معرفة التفاصيل، لم أكن راغبة في سماع قبحها... قبح الأشياء التي قلتها، وقبح الأشياء التي فعلتها، عندما
كنت في تلك الحالة، عندما كنت ثملة بشكل قذر، مقرف. كان يهددني أحياناً بأن يسجّل ما يحدث. وكان يقول إنه سيُسمعني ذلك. لكنه
لم يفعلها أبداً. هذا أفضل... هذا أكثر رحمة.
تعلَّمت بعد فترة أنك لا يجوز أن تسأل عما حدث عندما تستيقظ على تلك الحال. عليك فقط أن تعتذر: أن تقول إنك آسف على كل ما
فعلت، وإنك آسف على ما أنت عليه، وإنك أبداً لن تتصرف بهذه الطريقة من جديد، أبداً.
وأنا الآن لا أتصرف كذلك... حقاً، لا أتصرف كذلك. يمكنني أن أكون ممتنّة لسكوت من أجل هذا: إنني خائفة الآن خوفاً لا يسمح لي
بالخروج منتصف الليل لأشتري شراباً. يمنعني خوفي من أن أسمح لنفسي بالانزلاق من جديد لأنها هي اللحظة التي أجعل نفسي فيها
هَشّة، معرَّضة للأذى.
يجب أن أكون قوية... هذا كل ما في الأمر.
أحس ثقلاً في أجفاني من جديد. يميل رأسي فيستريح على صدري. أخفض صوت التلفزيون حتى يكاد ينعدم. ثم أنقلب حتى يصير
وجهي إلى ناحية ظهر الأريكة، أمدّ يدي فأسحب اللحاف فوقي، ثم أبدأ الغرق... أستطيع الإحساس بهذا... سوف أنام، وعندها... فجأة...
الأرض مندفعة صوبي... أنتفض جالسة ويقفز قلبي إلى فمي. لقد رأيت ذلك. لقد رأيت ذلك.
كنت في النفق. وكان هو قادماً نحوي. صفعة على فمي ثم أرى قبضته مرفوعة، والمفاتيح في يده. ثم ألم حارق عند اصطدام المعدن
المسنن بجمجمتي.
أنت تقرأ
فتاة القطار
Adventureتحكي الرواية عن ريتشل ، سيدة مطلقة فقدت وظيفتها بعدها تدخل في حالة كآبة. تستقل القطار يومياً في ذهابها للندن وعندما يتوقف القطار في احدى المحطات تلمح زوجين في أحد المنازل فيتشكل لديها رابط خاص بهما. غير انه في احد الأيام تكتشف خيانة الزوج لزوجها من...
