الفصل السادس عشر
( ريتشل )
الأحد، 4 آب/أغسطس 2013
في الصباح
إنه مختلف... ذلك الكابوس الذي أيقظني هذا الصباح. كنت قد فعلت شيئاً خاطئاً، في ذلك الكابوس. لكني لا أعرف طبيعة ذلك الشيء.
كل ما أعرفه أنه شيء لا يمكن تصحيحه. كل ما أعرفه هو أن توم يكرهني الآن، وأنه لن يكلمني بعد الآن أبداً، وأنه أخبر كل من أعرفهم
عن ذلك الشيء الفظيع الذي فعلته فانقلب الجميع ضدي: الزملاء القدامى، وأصدقائي، بل حتى أمي. صاروا ينظرون إلي باشمئزاز
وازدراء؛ لا يود أحد منهم الإصغاء إليَّ، ولا يدعني أحد منهم أقول له كم أنا آسفة. شعور فظيع، شعور يائس بالذنب، لا أستطيع التفكير
في طبيعة الشيء الذي أقدمت عليه. أستيقظ، فأعرف أن ذلك الحلم لا بد أن يكون آتياً من ذكرى قديمة، من إساءة قديمة. ليس مُهماً
الآن أي إساءة كانت.
بعد مغادرتي القطار يوم أمس. تجولت حول محطة آشبوري ربع ساعة، أو عشرين دقيقة. أردت أن أرى إن كان قد غادر القطار معي.
الرجل ذو الشعر الأحمر. لكني لم أعثر له على أثر. قلت في نفسي إن من الممكن أن يكون قد مَرّ من غير أن أراه، أو أنه في مكان ما
هناك... ينتظرني حتى أذهب إلى بيتي فيتبعني. فكرت يائسة... كم أحب أن أكون قادرة على أن أهرع إلى البيت، إلى توم الذي
ينتظرني. كم أحب أن يكون هنالك شخص ينتظرني.
ذهبت إلى البيت ومررت على متجر الكحول في طريقي.
كانت الشقة فارغة عندما وصلت. بدا لي أن المكان قد فرغ منذ لحظة صغيرة... كأن كاثي قد خرجت قبل قليل فقط... لكنها تركت لي
رســالة صـغيرة علـى الطاولـة تقـول فيـها إنـها ذاهبـة لتنـاول الغـداء مـع دامـيين فـي هـينلي، وأنـها لـن تعـود قبـل مسـاء الأحـد. أحسـستُ
بالاضطراب، وبالخوف. مضيت من غرفة إلى غرفة ألتقط الأشياء ثم أضعها. أحسست أن هناك شيئاً غير طبيعي، لكني أدركت آخر الأمر
أن ذلك الشيء غير الطبيعي موجود في داخلي.
لكن طنين الصمت في أذنيَّ كان يشبه أصواتاً، فصببت لنفسي كأساً من النبيذ، ثم كأساً أخرى، ثم اتصلت بسكوت. انتقل الهاتف إلى
البريد الصوتي مباشرة. كانت رسالته الترحيبية قادمة من عمر آخر... صوت رجل مشغول، واثق... رجل لديه في بيته زوجة جميلة.
وبعد بضع دقائق اتصلت من جديد. أجاب شخص على الهاتف، لكنه لم يتكلم.
«مرحباً!».
«من المتكلم؟».
قلت: «إنني ريتشل؛ ريتشل واتسون».
«أوه!»... سمعت أصواتاً من حوله، صوت شخص، صوت امرأة. لعلها أمه.
قلت له: «أنت... لم أردّ على اتصالك».
«لا... لا. هل اتصلت بك؟ أوه! كان ذلك عن طريق الخطأ». بدا مرتبكاً... «لا، ضعيها هناك»... هكذا قال، ثم مرت بضع لحظات قبل أن أدرك
أنه لم يكن يكلمني.
قلت له: «إنني آسفة كثيراً».
«نعم». كانت نبرة صوته جامدة، مسطَّحة.
«آسفة كثيراً».
«شكراً لك».
«هل كنت... هل كنت تريد أن تقول لي شيئاً؟».
«لا! لا بد أنني اتصلت برقمك عن طريق الخطأ». هكذا قال... بنبرة أكثر ثقة واقتناعاً هذه المرة.
«أوه!»... أدركت أنه يريد إنهاء المكالمة. أدركت أن عليَّ أن أتركه مع أسرته، مع حزنه. عرفت أن عليَّ أن أفعل هذا، لكنني لم أفعل.
سألته: «هل تعرف آنّا؟ آنّا واتسون؟».
«من؟ هل تقصدين زوجة زوجك السابق؟».
«نعم».
«لا! أقصد أنني لا أعرفها حقاً... ميغان... كانت ميغان تهتم بابنتها بعض الوقت، السنة الماضية. لماذا تسألين؟».
لا أعرف سبب سؤالي. لست أدري. سألته: «هل نستطيع أن نلتقي؟ أودّ أن أحدثك عن شيء ما».
«أي شيء؟»... بدا منزعجاً... «ليس الوقت مناسباً تماماً». لسعتني مسحة السخرية القارسة في صوته. كنت على وشك إغلاق الهاتف
عندما قال: «البيت هنا مليء بالناس. هل نلتقي غداً؟ تعالي إلى البيت غداً».
في المساء
لقد جرح نفسه أثناء الحلاقة: هناك دم على خدِّه وعلى قميصه. شعره رطب؛ وتفوح منه رائحة الصابون وكولونيا ما بعد الحلاقة. يومئ
لي برأسه ثم يتنحّى جانباً مفسحاً لي أن أدخل البيت؛ لكنه لا يقول شيئاً. البيت مظلم، هواؤه راكد. مصاريع النوافذ الخارجية في غرفة
الضيوف مغلقة والستائر مسدَلة على الأبواب الفرنسية المفضية إلى الحديقة. أرى على طاولات المطبخ علب طعام بلاستيكية.
يقول سكوت: «أحضروا كلهم طعاماً معهم». يشير إليّ أن أجلس إلى الطاولة، لكنه يظل واقفاً مسدلاً ذراعيه. «هل أردت أن تقولي لي
شيئاً؟»... إنه يشبه رجلاً آلياً؛ إنه لا ينظر في عينَيّ. يبدو مهزوماً.
«أردت أن أسألك عن آنّا واتسون، عما إذا... لست أدري. كيف كانت علاقتها بميغان؟ هل كانت إحداهما تحب الأخرى؟».
عبس، ثم وضع يديه على مسند الكرسي أمامه: «لا! أقصد... لم تكن إحداهما تكره الأخرى. ولم تكن إحداهما تعرف الأخرى معرفة جيدة
حقاً. لم تكن بينهما علاقة بالمعنى الفعلي». أحسست أن ارتخاء كتفيه قد ازداد... إنه قلق... «ولماذا تسألين عن هذا الأمر؟».
يجب أن أكون واضحة: «لقد رأيتها. أظن أنني رأيتها بالقرب من النفق، عند المحطة. رأيتها تلك الليلة... ليلة اختفاء ميغان».
يهز رأسه قليلاً محاولاً فهْم ما أقوله: «آسف، لم أفهم! لقد رأيتها. وأنت كنت... أين كنت؟».
«لقد رأيتها. كنت في طريقي لرؤية... لرؤية توم، زوجي السابق، لكني...»
يغمض عينيه، ويشد عليهما، ثم يفرك جبهته: «انتظري دقيقة ـ أنت كنت هنا ـ ورأيت آنّا واتسون! ثم ماذا؟ أعرف أن آنّا كانت هنا. إنها
تعيش على مسافة عدة بيوت فقط. وقد قالت للشرطة إنها ذهبت إلى المحطة قرابة الساعة السابعة، لكنها لم تتذكر رؤية ميغان».
تقبض كفّاه على الكرسي. وأدرك أنه بدأ يفقد صبره: «ما الذي تريدين قوله بالضبط؟»
أقول له: «لقد كنت أشرب قبل ذلك»... يحمرّ وجهي بذلك الإحساس المألوف بالخجل... «لا أذكر بالضبط؛ لكن لديّ هذا الإحساس
فقط...».
يرفع سكوت يده قائلاً: «هذا يكفي. لا أريد أن أسمع هذا. إن لديك مشكلات مع زوجك السابق، ومع زوجة زوجك السابق... هذا واضح.
لكن هذا لا علاقة له بي أنا، ولا علاقة له بميغان، أليس كذلك؟ يا ربي! ألستِ خجِلة من نفسك؟ هل لديك أي فكرة عما أمرّ به هنا؟ هل
تعرفين أن الشرطة استدعتني للتحقيق هذا الصباح». إنه يضغط على الكرسي بقوة كبيرة... خفت أن تتحطم... أحاول أن أستعد نفسياً
لتحطمها. «ثم تأتين إلى هنا لتقولي هذا الكلام الفارغ! يؤسفني أن حياتك كلها كارثة فظيعة لكن، صدقيني... إنها نزهة لطيفة بالمقارنة
مع حياتي. والآن... من فضلك...» ويشير برأسه في اتجاه باب البيت.
أنهض واقفة. أشعر أنني حمقاء، سخيفة. أقول بخجَل: «لقد أردت تقديم المساعدة. أردت أن...».
«أنت لا تستطيعين مساعدتي؛ هل تفهمين هذا؟ لا تستطيعين مساعدتي. لا يستطيع أحد أن يساعدني. زوجتي ماتت. والشرطة تظن
أنني قتلتها». صوته يعلو، وتظهر بقع حمر على خدَّيه... «يظنون أنني قتلتها».
«لكن... كمال أبديك...».
يطير الكرسي فيصطدم بجدار المطبخ بقوة تجعل إحدى قوائمه تنفصل عنه. أقفز مرتدّة إلى الخلف، مذعورة؛ لكن سكوت لم يتحرك
من مكانه تقريباً. عاد كفاه متدليتان إلى جانبيه... يشد على قبضتيه. أستطيع رؤية العروق تحت جلده.
يقول صارّاً على أسنانه: «كمال أبديك! ... لم يعد مشتبَهاً به». صوته هادئ، لكنه يجد مشقة في ضبط نفسه. أستطيع أن أحس بالغضب
يشع منه كله. أود الذهاب إلى باب البيت، لكنه واقف في طريقي، يسد مساري، ويحجب الضوء القليل الذي كان ينير الغرفة.
يسألني: «هل تعرفين ماذا يقول لهم؟»... استدار مبتعداً عني ثم التقط الكرسي. إنني لا أعرف ذلك على ما أظن... لكنني أدرك من جديد
أنه لا يكلمني في الحقيقة... «إن لدى كمال أنواعاً مختلفة من القصص. يقول كمال إن ميغان كانت تعيسة، وإنني كنت غيوراً... كنت
زوجاً مسيطراً، كنت... ماذا كانت تلك الكلمة؟... أسيء إليها من الناحية العاطفية». يبصق تلك الكلمات متقززاً... «يقول كمال إن ميغان
كانت تخافني».
«لكن... لكنه...».
«ليس هو الشخص الوحيد. صديقتها تارا أيضاً، تقول إن ميغان طلبت منها أن تغطي عليها... وأن ميغان أرادت منها أن تكذب عليّ في
ما يخص مكان وجودها، وفي ما يخص ما كانت تفعله».
يضع الكرسي عند الطاولة من جديد، لكنه يسقط. أتقدم خطوة في اتجاه الباب فينظر إليّ عند ذلك. يقول: «إنني رجل مدان»... يتقلص
وجهه ألماً... «إنني مدان، لست أكثر من شخص مدان».
يركل الكرسي المكسور جانباً ثم يجلس على واحد من الكراسي الثلاثة الباقية. أتململ في مكاني، غير واثقة... أأظل أم أذهب؟ يبدأ
سكوت الكلام ثانية. صوته خافت لا أكاد أستطيع سماعه. يقول: «كان هاتفها في جيبها». أتقدم خطوة في اتجاهه... «كانت في الهاتف
رسالة منّي. آخر شيء قلته لها، آخر شيء على الإطلاق، الكلمات الأخيرة التي قرأتها... كانت تلك الكلمات: إلى الجحيم أيتها العاهرة
الكاذبة».
ذقنه على صدره... تبدأ كتفاه بالارتعاد. إنني قريبة منه إلى حد لمسه. أرفع يدي... ثم مرتجفة... أضع أصابعي، بخفة، على رقبته من
الخلف. لا يبتعد عني، ولا يبعدني عنه.
أقول له: «إنني آسفة». وأنا أعني ذلك حقاً. لأنني... رغم صدمتي لسماع تلك الكلمات، لتخيل أنه استطاع قولها لها بهذا الشكل... أعرف
كيف يكون الأمر عندما تحب شخصاً لكنك تقول له أفظع الأشياء عندما تكون غاضباً أو متألماً. أقول: «رسالة نصية. ليس هذا كافياً. إذا
كان هذا كل ما لديهم...»
«لكنه ليس كل ما لديهم، أليس كذلك؟»... يعتدل في جلسته عند ذلك مبعداً يدي عنه. أسير إلى الجهة الأخرى من الطاولة فأجلس
قبالته. لا ينظر إلي: «إن لدي دافعاً. لم أكن أتصرف... لم تكن ردة فعلي كما يجب أن تكون عندما ذهبتْ. لم أشعر بالخوف عليها بالسرعة
الكافية. لم أتصل بها بالسرعة الكافية». يضحك ضحكة مرة... «ثم إن لديّ نهجاً من السلوك المسيء كما يقول كمال أبديك». ينظر إليَّ
عند ذلك فقط، يراني... يرى ضوءاً عند ذلك؛ أملاً... «أنت، تستطيعين أن تتحدثي مع الشرطة. تستطيعين القول لهم إن هذه كذبة. إنه
يكذب. تستطيعين تقديم جانب آخر للقصة، على الأقل. تستطيعين أن تقولي لهم إنني أحببتها وإننا كنا سعيدَيْن».
أحس الذعر يعلو في صدري. يظن أنني أستطيع مساعدته. إنه يعلّق آماله عليّ... وأنا لا أملك من أجله إلا كذبة، كذبة بائسة.
أقول بضعف: «لن يصدقوني. إنهم لا يصدقونني. فأنا شاهد لا يُعتمد عليه».
يكبر الصمت بيننا، يتمدد ويملأ الغرفة. تطن ذبابة طنيناً غاضباً عندما تصطدم بالباب الزجاجي المفضي إلى الحديقة. تعبث أصابع
سكوت بالدم الجاف على خده. أستطيع سماع صوت أظافره تخدش جلده. أدفع بالكرسي الذي أجلس عليه إلى الخلف فيصدر صوت
عن احتكاك قوائمه بالأرض. يرفع سكوت رأسه.
يقول، وكأنه بدأ يفهم الآن المعلومة التي قدمتها له منذ ربع ساعة: «هل كنتِ هنا؟ هل كنت في ويتني ليلة اختفاء ميغان؟».
لا يكاد صوته يعلو في سمعي فوق صخب دمي في أذني. أومئ برأسي.
يسألني: «لماذا لم تخبري الشرطة بذلك؟». أرى تلك العضلة تتوتر عند فكه.
«لقد فعلت. أخبرتهم بذلك حقاً. لكني لم أجد... لم أرَ شيئاً. لا أستطيع أن أتذكر شيئاً».
ينهض واقفاً ويسير حتى الباب المفضي إلى الحديقة، ويفتح الستائر. يُعمي بصري ضياء الشمس الساطع، لحظة واحدة. يقف سكوت
مديراً ظهره نحوي، طاوياً ذراعيه على صدره.
يقول... كمن يقرر حقيقة: «لقد كنتِ ثملة. لكن، لا بد أنك تتذكرين شيئاً. لا بد أنك تتذكرين ـ هذا ما يجعلك تواصلين القدوم إلى هنا،
أليس كذلك؟» يستدير فيواجهني... «هكذا هو الأمر، أليس كذلك؟ لماذا تتابعين الاتصال بي. أنت تعرفين شيئاً». يقول هذا كأنه حقيقة:
ليس سؤالاً، وليس اتهاماً، وليس نظرية يتخيلها. يسألني: «هل رأيت سيارته؟ فكّري. سيارة كورسا فوكسهول زرقاء. هل رأيت تلك
السيارة؟» أهز رأسي نفياً فيرفع يديه محبطاً يائساً... «لا تتجاوزي الأمر هكذا. فكري جدياً. ماذا رأيت؟ لقد رأيت آنّا واتسون؛ لكن هذا لا
يعني شيئاً. لقد رأيت... هيا! من رأيت هناك؟». ترفرف عينايّ في ضياء الشمس، وأحاول يائسة، جاهدة، أن أستجمع ذكرى ما رأيت...
لكن، لا شيء يأتيني. لا شيء حقيقياً، لا شيء مفيداً. لا شيء أستطيع قوله بصوت مسموع. لقد كنت منخرطة في مشاجرة. أو ربما...
ربما شاهدت مشاجرة أو جَدَلاً. تعثرت على درجات المحطة. ساعدني في الوقوف رجل أحمر الشعر. أظن أنه كان لطيفاً معي رغم أنه
يجعلني أشعر بالخوف الآن. أعرف أنني أصبت بجرح في رأسي، وبجرح آخر في شفتي، وبكدمات على ذراعي. أظنني أتذكر أنني كنت
في ذلك النفق. كان مظلماً. كنت مذعورة، مشوَّشة. سمعت أصواتاً. سمعت أحداً يصرخ باسم ميغان. لا... ذلك كان حلماً. ذلك لم يكن
حقيقة. أتذكر الدم. الدم على رأسي، والدم على يدي. أتذكر آنّا. لا أتذكر توم. ولا أتذكر كمال ولا سكوت ولا ميغان.
إنه ينظر إليَّ، يراقبني منتظراً أن أقول شيئاً، أن أقدم له بعض الراحة، لكني لا أملك شيئاً أقدمه.
يقول: «تلك الليلة... ذلك هو الوقت المهم». يعود فيجلس. إنه الآن أكثر قرباً مني. ظهره صوب النافذة. هناك عرق يلتمع على جبهته
وعلى شفته العلوية. وهو يرتجف كما لو أن حمّى أصابته. «إنه الوقت الذي حدث فيه ذلك. يظنّون أنه الوقت الذي حدث فيه ذلك.
ليسوا واثقين». يتوقف لحظة ثم يتابع: «لا يستطيعون التأكد. بسبب حالة... بسبب حالة الجثة». يستنشق نفساً عميقاً... «لكنهم يظنون
أن الأمر حدث في تلك الليلة. أو بعد ذلك بقليل». لقد عاد إنساناً آلياً. يتحدث مع الغرفة، ليس معي أنا. أصغي إليه صامتة وهو يخبر
الغرفة أن سبب الوفاة كان إصابة في الرأس؛ وأن جمجمتها أصيبت بكسور في عدة أماكن. لا يوجد اعتداء جنسي؛ أو ... على الأقل... لا
يوجد اعتداء جنسي يمكن تأكيده. بسبب حالتها... كانت في حالة فظيعة.
عندما يعود إلى نفسه، عندما يعود إليّ، أرى خوفاً في عينيه... أرى قنوطاً.
يقول: «إذا تذكرت أي شيء، فإن عليك مساعدتي. أرجوكِ، حاولي أن تتذكري يا ريتشل». أسمع اسمي من شفتيه فتتقلَّص معدتي...
أشعر بالبؤس.
وفي القطار، في طريق عودتي إلى البيت، أفكر في ما قاله سكوت. أتساءل إن كان حقيقياً. أيكون سبب عدم قدرتي على التذكر
محصوراً في داخل رأسي؟ أتكون لديَّ معلومات لا أستطيع البوح بها؟ أعرف أنني أحس بشيء تجاهه، شيء لا أستطيع تحديده، شيء
لا يجوز أن أحسه. لكن، أيكون الأمر شيئاً أكثر من هذا؟ إن كان هناك شيء في رأسي، فقد يتمكن أحد من مساعدتي في إخراجه. أحد...
معالج نفسي مثلاً. معالج نفسي. شخص مثل كمال أبديك.
الثلاثاء، 6 آب/أغسطس 2013
في الصباح
لم أنم إلا قليلاً. رقدت صاحية طيلة الليل، أفكّر في ذلك، وأقلّب الفكرة في ذهني. هل هي حماقة، تهوّر، شيء لا معنى له؟ وهل الأمر
خطير؟ لست أدري ما أنا فاعلة. حددت موعداً صباح الأمس لرؤية الدكتور كمال أبديك. اتصلت بالعيادة وتحدثت مع موظفة الاستقبال
وحددت كمال بالاسم. لا بد أنني كنت أتخيل هذا، لكني أظن أن الدهشة كانت ظاهرة في صوتها. قالت إنه يستطيع رؤيتي اليوم، عند
الرابعة والنصف. أبهذه السرعة؟ قلبي يرفرف ويضرب أضلاعي، فمي جاف. قلت لها إن الموعد مناسب. تبلغ تكلفة الجلسة الواحدة
خمسة وسبعين جنيهاً. لن يعيش طويلاً ذلك المال الذي جاءني من أمي. إنه ثلاثمئة جنيه فقط.
لم أعِد التفكير في أي شيء آخر بعد تحديد ذلك الموعد. إنني خائفة، لكني مستثارة أيضاً. لا أستطيع إنكار أن هناك جزءاً مني يرى
إثارة كبيرة في فكرة مقابلة كمال. بدأ الأمر كله مع كمال: لمحته، فتغيّر مجرى حياتي، خرج قطار حياتي عن سكَّته. تغير كل شيء
لحظة رأيته يقبّل ميغان.
ثم إن عليّ أن أراه! يجب أن أفعل شيئاً لأن الشرطة غير مهتمة إلا بسكوت. لقد استدعوه إلى الاستجواب البارحة، مرة أخرى. لم
يستطيعوا إثبات شيء بطبيعة الحال، لكن هناك مقطع مصوَّر على الإنترنت: سكوت داخلاً إلى قسم الشرطة وأمه سائرة إلى جانبه.
ربطة عنقه مشدودة أكثر مما يجب... يبدو مختنقاً.
يطلق الجميع مختلف أنواع التخمينات. تقول الصحف إن الشرطة شديدة الحرص الآن لأنها لا تستطيع المغامرة باعتقال متسرّع آخر.
وتدور أحاديث عن خلل في التحقيق؛ وتلميحات إلى أن من الممكن أن تكون هناك حاجة إلى استبدال المحققين. فظيع هو الكلام الذي
يتناول سكوت على الإنترنت... نظريات مجنونة، مقرفة. ولقطات له يرجو فيها عودة ميغان. وإلى جانبها صور لقتلةٍ ظهروا على
التلفزيون أيضاً باكين منتحبين يبدو عليهم أشد الأسى تجاه مصير أحبَّتهم. هذا مخيف... غير إنساني. لا أستطيع إلّا أن أصلّي لكي لا
يرى سكوت هذه الأشياء. سوف تحطّم هذه الأشياء قلبه.
إذن... مهما أكن حمقاء متهوّرة، فإنني ماضية لرؤية كمال أبديك لأنني رأيت سكوت... خلافاً لكل أصحاب النظريات والتخمينات هؤلاء.
لقد كنت قريبة منه إلى حد يكفي لأن ألمسه وأعرف طبيعته وأعرف أنه ليس قاتلاً.
في المساء
ساقايَ تستمرّان بالارتجاف وأنا أصعد درجات سلم محطة كورلي. إنني أرتعش على هذا النحو منذ ساعات. لا بد أنه الأدرينالين...
يرفض قلبي أن يبطئ نبضه. القطار مزدحم ـ لا مجال للجلوس هنا... ليس مثلما أركب القطار في محطة إيستون. وهكذا لا بد لي من
الوقوف في منتصف العربة. الجو شديد الحرارة. أحاول التنفس ببطء وعيناي مسبلتان تنظران إلى قدمَي. أحاول فقط أن أصل إلى
حقيقة ما أشعر به.
بهجة، خوف، ارتباك، إحساس بالذنب. إحساس بالذنب، على الأكثر.
لم يكن الأمر مثلما توقعت.
عندما وصلت إلى العيادة، كنت قد أفلحت في جعل نفسي في غاية الذعر: كنت مقتنعة تماماً بأنه سينظر إليّ وسيعرف أنني أعرف...
سوف يعتبرني خطراً عليه. خفت أن أقول الأشياء التي لا يجوز أن أقولها. وخفت من أنني لن أتمكن من منع نفسي من التفوّه باسم
ميغان. دخلت غرفة الانتظار المملة الأنيقة ثم تكلمت مع موظفة الاستقبال. كانت في أواسط العمر. سجَّلَت المعلومات الخاصة بي من
غير أن تنظر إليّ. جلست والتقطت نسخة من مجلة فوغ ورحت أقلّب صفحاتها بأصابع مرتجفة محاولة تركيز ذهني على المهمة التي
تنتظرني مع محاولتي، في الوقت نفسه، أن أبدو ضَجِرة بعض الشيء... مثلما يبدو أي مريض آخر.
كان في غرفة الانتظار شخصان غيري: رجل في العشرينات يقرأ شيئاً على هاتفه، وامرأة متقدمة في السن تحدق في قدميها بنظرات
كئيبة كالحة من غير أن ترفع نظرها أبداً... حتى عندما نادت موظفة الاستقبال باسمها. نهضت فقط، ثم تحركت. كانت تعرف أين يجب
أن تذهب. انتظرت بعدها خمس دقائق، عشر دقائق. أحس أن أنفاسي صارت ضحلة. كانت غرفة الانتظار شديدة الدفء، من غير هواء،
أحسست أن رئتيَّ لا تستطيعان الحصول على كفايتهما من الأكسجين. خفت أن أفقد الوعي.
ثم انفتح باب وخرج منه رجل فعرفت أنه هو حتى قبل أن أنظر إليه فعلاً. عرفته مثلما عرفت أنه لم يكن سكوت عندما رأيته أول مرة،
عندما لم يكن إلا خيالاً أراه من بعيد متحركاً صوبها ـ كان مجرد انطباع بأنه شخص طويل، انطباع عن حركته البطيئة. مد يده لي.
«الآنسة واتسون». رفعتُ عيني لأنظر إليه فأحسست بوخزة كهربائية تسري أسفل عمودي الفقري. وضعت يدي في يده. كانت يده
دافئة، جافّة، ضخمة، أحاطت بيدي كلها.
قال: «من فضلك» وأشار بأن أتبعه إلى غرفته. سرت خلفه شاعرة بالغثيان والدوار طيلة المسافة. إنني أسير على أثر خطواتها هي. لقد
فعلَتْ هذا كله. جلست قبالته في الكرسي الذي قال لي أن أجلس عليه. ولعله ضم كفيه تحت ذقنه مثلما يفعل الآن. ولعله أومأ إليها
برأسه، بالطريقة نفسها، قائلاً: «حسناً... بماذا تودين أن تحدثيني اليوم؟».
كان كل ما يتعلق به دافئاً: يده عندما صافحتها؛ وعيناه؛ ونبرة صوته. رحت أفتِّش في وجهه عن أدلة، عن علامات تشير إلى ذلك
الوحش الضاري الذي حطَّم رأس ميغان، عن لمحة من ذلك اللاجئ المضطهد الذي فقد أسرته. لم أستطع رؤية شيء من هذا. ثم نسيت
نفسي حيناً من الزمن. نسيت أن أخاف منه. كنت جالسة هناك. ولم أعد خائفة. ابتلعت ريقي بصعوبة وحاولت أن أتذكر ما عليّ قوله، ثم
قلته: قلت له إنني أعاني مشكلات متعلقة بالكحول، منذ أربع سنوات؛ وإن الشراب جعلني أخسر زواجي وعملي؛ وإنه يسيء إلى
صحتي بالطبع؛ وإنني أخشى أن يودي بعقلي أيضاً.
قلت له: «هناك أشياء لا أستطيع تذكّرها. يحدث تعتيم في ذاكرتي فلا أذكر المكان الذي كنت فيه أو الشيء الذي فعلته. أسأل نفسي
أحياناً إن كنت قد قلت أو فعلت أشياء فظيعة، لكني لا أستطيع التذكر. وإذا... إذا قال لي أحد إنني فعلت شيئاً، فإني لا أحس حتى أن
الأمر متعلّق بي أنا. لا أحس أنني أنا من فعل ذلك الشيء. يصعب كثيراً أن يشعر المرء بالمسؤولية عن شيء لا يستطيع تذكّره. وهكذا
فإنني لا أشعر بالأسف إلى الحد الكافي. إنني أنزعج من هذا، لكن الشيء الذي فعلته يكون قد... امّحى مني كما لو أنه لا ينتمي إليّ أنا».
قلت هذا كله، هذه الحقيقة كلها، بسطتها أمامه في الدقائق الأولى. كنت شديدة الاستعداد لقول هذا... وكنت أنتظر أن أقوله أمام أحد
ما. لكن، ما كان يجب أن يكون هو ذلك الشخص. لقد أصغى إليّ مثبِّتاً عينيه العسليتين الصافيتين على عيني... عاقداً كفيه... من غير
حركة. لم ينظر هنا وهناك في الغرفة، ولم يسجل أي ملاحظات. لقد أصغى إليّ فقط. وأخيراً أومأ برأسه إيماءة بسيطة وقال: «أنت
تريدين أن تكوني مسؤولة عما تفعلين، لكنك تجدين صعوبة في ذلك... في الشعور بالمسؤولية الكاملة عندما لا تستطيعين تذكر الأمر،
أليس كذلك؟».
«صحيح... هكذا هو. هكذا هو الأمر بالضبط».
«لكن، كيف نتحمل المسؤولية؟ يمكنك أن تعتذري. وحتى إذا كنت لا تستطيعين تذكر ارتكاب أيّ إساءة، فإن ذلك لا يعني أن اعتذارك،
وأن المشاعر الكامنة خلف ذلك الاعتذار، ليس اعتذاراً صادقاً مخلصاً».
«لكني أريد أن أحسه. أريد أن أحس... أن يكون الإحساس أسوأ».
شيء غريب أن أقول هذا؛ لكني أفكر هكذا طيلة الوقت. لا أشعر بالسوء إلى الحد الكافي. أعرف ما أنا مسؤولة عنه. أعرف الأشياء
الفظيعة التي فعلتها... كلها؛ حتى عندما لا أتذكر التفاصيل ـ لكني أشعر أن مسافة تفصل بيني وبين تلك الأفعال. أحس أنها أفعال
شخص آخر.
«أنت ترين أن عليك أن تشعري بالسوء أكثر مما تفعلين، أليس كذلك؟ تقولين إنك لا تشعرين بالذنب كفاية تجاه أخطائك؟»
«نعم».
هزّ كمال رأسه، وقال: «ريتشل! قلت لي إنك خسرت زواجك، وإنك خسرت وظيفتك. ألا ترين في هذا عقاباً كافياً؟».
أهزّ رأسي.
استند إلى الخلف قليلاً في مقعده: «أظن أنك قد تكونين قاسية على نفسك أكثر مما يجب».
«إنني لست كذلك».
«لا بأس، فليكن. هل نستطيع العودة إلى الخلف قليلاً؟ هل نستطيع العودة إلى الوقت الذي بدأت عنده هذه المشكلات؟ قلت لي إن ذلك
كان... قبل أربع سنين، أليس كذلك؟ هل تستطيعين إخباري عن ذلك الزمن؟».
قاومت. لم أكن مخدَّرة بفعل دفء صوته، بفعل رقة عينيه. لم أكن عاجزة بالكامل. لن أبدأ إعطاءه الحقيقة كلها. لن أقول له الآن إنني
كنت أتوق إلى إنجاب طفل. قلت له إن زواجي انهار، وإنني اكتأبت، وإنني كنت أشرب على الدوام... لكني قلت هذه الأشياء على أي
حال ولم أعد أستطيع استعادتها الآن أبداً.
«تقولين إن زواجك قد انهار... إذًا... هل تركت زوجك أم أنه هو الذي تركك، أو... ترك كل منكما الآخر؟»
قلت: «لقد أقام علاقة غرامية. التقى امرأة أخرى ووقع في حبها». هز رأسه منتظراً أن أتابع كلامي... «لم تكن غلطته هو، رغم ذلك. كان
الذنب ذنبي أنا».
«ولماذا تقولين هذا؟».
«قلت لك إنني بدأت الشرب قبل...».
«إذن، لم تكن علاقة زوجك الغرامية مع امرأة أخرى الشرارة التي أطلقت ذلك».
«لا، لم تكن الشرارة. كنت قد بدأتُ الشرب. وهذا ما بدأ يبعده عني. هذا ما جعله يتوقف عن...».
ظل كمال منتظراً. لم يحثّني على المتابعة. تركني جالسة هناك منتظراً مني أن أقولَ الكلمات بصوت مسموع.
قلت: «... يتوقف عن حبي».
أكره نفسي لأنني بكيت أمامه. لا أفهم سبب عجزي عن تمالك نفسي. ما كان علي أن أكلمه عن أشياء حقيقية. كان ينبغي لي أن أذهب
إليه حاملة مشكلات مختلقة تماماً... شخصية خيالية ما. كان علي أن أستعدّ بشكل أفضل.
أكره نفسي لأنني كنت أنظر إليه، مصدّقة، للحظة واحدة، أنه يحس ما أحسه. لكنه نظر إلي كأنه يحس ذلك لا كأنه مشفق عليّ بل كأنه
يفهمني... كأنني شخص أراد مساعدته حقاً.
«إذاً يا ريتشل... بدأ الشرب قبل انهيار زواجك. هل تظنين أنك قادرة على الإشارة إلى سبب بدء الشراب؟ أقصد أن هذا الأمر لا
يستطيعه كثير من الناس. فبالنسبة إلى بعض الأشخاص يكون الأمر مجرد انزلاق عام إلى حالة من الاكتئاب، أو من الإدمان. هل كان
هنالك شيء محدد في ما يخصك أنت؟ معاناة أو محنة أو خسارة ما؟» هززت رأسي ورفعت كتفي. لن أقول له ذلك. لن أقول له ذلك.
انتظر بضع لحظات ثم ألقى نظرة سريعة على الساعة فوق مكتبه.
«ربما نتابع الحديث في المرة القادمة»... قال هذا ثم ابتسم فتجمّدت برداً.
كل ما يتعلق به دافئ ـ كفاه، وعيناه، وصوته... كل شيء ما عدا تلك الابتسامة. تستطيع أن ترى القاتل فيه عندما يكشف عن أسنانه.
تقلّصت معدتي، وتسارعت ضربات قلبي تسارعاً هائلاً. غادرت عيادته من غير أن أصافح يده التي مدها لي. ما كنت قادرة على تحمّل
لمسه.
إنني أفهم... نعم، إنني أفهم. أستطيع أن أرى ما رأته ميغان فيه. ليس الأمر مجرد أنه شخص وسيم إلى حد لافت.
إنه هادئ أيضاً، ويوحي بالاطمئنان... إنه ينضح لطفاً وصبراً. قد لا يتمكن شخص بريء أو مطمئن أو مضطرب من رؤية ما يتجاوز ذلك.
قد لا يستطيع رؤية الذئب الكامن خلف هذا الهدوء. إنني أفهم هذا. لقد بقيتُ غريقة قرابة ساعة كاملة. تركت نفسي أنفتح أمامه.
نسيت من هو. لقد خذلت سكوت، وخذلت ميغان، وأنا أشعر بالذنب لذلك.
لكنني أشعر بالذنب أكثر من أي شيء لأنني... لأنني أريد أن أعود إليه.
الأربعاء، 7 آب/أغسطس 2013
في الصباح
جاءني الحلم نفسه من جديد... الحلم الذي أرى فيه أنني أقدمت على شيء خاطئ... حيث يتخذ الجميع موقفاً عدائياً مني، ويقفون
مع توم ضدي. ذلك الحلم الذي لا أستطيع فيه أن أفسّر شيئاً، ولا أن أعتذر... لأنني لا أعرف ما فعلت. وفي الحيّز الفاصل بين الحلم
واليقظة، أفكر في مجادلة غاضبة حقيقية جرت منذ زمن ـ قبل أربع سنين ـ بعد فشل أول تجربة لنا... تجربتنا الوحيدة... في طفل
الأنبوب. كان ذلك عندما أردت أن أجرّبها مرة ثانية. قال لي توم إننا لا نملك المال اللازم. لم أجادله في ذلك. كنت أعرف أننا لا نملك
المال ـ بل إننا رهنّا البيت؛ وكان لديه بعض الديون الباقية من صفقة أعمال فاشلة أقنعه والده بالدخول فيها. كان عليَّ أن أتعامل مع هذا
الواقع. كنت آمل بأننا سنملك المال اللازم ذات يوم. وأما في ذلك الوقت، فقد كان عليَّ أن أكتم دموعي التي كانت تتدفق حارة سريعة
كلما رأيت امرأة غريبة منتفخة البطن، وكلما سمعت أخبار الآخرين السعيدة.
كان ذلك بعد شهرين من اكتشاف فشل تجربة طفل الأنبوب؛ عندما أخبرني عن تلك الرحلة، رحلة إلى لاس فيغاس لأربعة أيام ليشاهد
مباراة الملاكمة الكبرى وينفّس عن بعض الضغط. هو فقط، مع اثنين من زملائه القدامى... أشخاص لم أقابلهم قط. كانت تكلفة الرحلة
كبيرة... عرفت ذلك لأنني رأيت إيصال حجز رحلة الطائرة والفندق في صندوق البريد الوارد لديه. لا فكرة لديَّ عن ثمن تذاكر المباراة
نفسها. لكنني لا أظن أنها كانت رخيصة. لم يكن المبلغ كافياً لتسديد ثمن تجربة طفل أنبوب جديدة، لكنه كان صالحاً لأن يكون بداية
لذلك. جدثت مشاجرة مخيفة بيننا. لست أذكر التفاصيل لأنني كنت أشرب طيلة بعد الظهر... أحضّر نفسي لمواجهته. وهكذا، عندما
جرى الأمر... جرى على أسوأ شكل. لا زلت أذكر بروده في اليوم التالي؛ رفضه الكلام عما جرى. أذكر كيف قال لي بنبرات محبطة
مسطّحة ما قلته وما فعلته في اليوم السابق... أخبرني كيف حطمت صورة زفافنا، وكيف صرخت عليه قائلة إنه أناني، ونعتّه بأنه زوج
عديم النفع... فاشل.
أذكر كم كرهت نفسي ذلك اليوم.
كنت مخطئة. طبعاً، كنت مخطئة لأنني قلت له هذه الأشياء. لكن ما أفكر فيه الآن هو أنني لم أكن غير منطقية لأنني غضبت. كان لديّ
الحق كله بأن أغضب، أليس كذلك؟ كنا نحاول إنجاب طفل. ألم يكن حريّاً بنا أن نقبل التضحيات من أجل ذلك؟ كنت قادرة على التخلي
عن أحد أطرافي إذا كان ذلك يجعلني أحظى بطفل. أما كان قادراً على التخلي عن عطلة في لاس فيغاس؟
أظل مستلقية في السرير قليلاً، أفكر في ذلك؛ ثم أنهض وأقرر أن أخرج لأتمشَّى قليلاً لأنني سأجد نفسي راغبة في الذهاب إلى ذلك
المتجر عند الزاوية إذا لم أفعل شيئاً. لم أشرب شيئاً منذ الأحد، لكني أحس أن الصراع لا يزال مستمراً داخلي، التوق إلى أن أثمل قليلاً،
أن أنسى عقلي قليلاً، أن أتخلص من ذلك الإحساس الغامض بأنني حققت شيئاً من العار أن أتخلى عنه.
ليست آشبري مكاناً لطيفاً حقاً للمشي. ليس فيها إلا متاجر وبيوت ضواحٍ؛ حتى أنه ليس فيها حديقة جيدة. أسير عبر وسط البلدة. ليس
هذا بالمكان السيئ عندما لا تجد أشخاص آخرين من حولك. اللعبة هي أن تخدع نفسك فتوهمها بأنك منطلق إلى مكان ما: عليك فقط
أن تحدد نقطة وأن تنطلق صوبها. أختار الكنيسة في نهاية شارع بليزانس. إنها على بعد ميلين من شقة كاثي. لقد ذهبت مرة إلى أحد
لقاءات مدمني الكحول هناك. لم أذهب إلى لقاء يجري قريباً من بيتي، لأنني لم أكن راغبة في مصادفة أي شخص هناك يمكن أن أراه
في الشارع، أو في السوبر ماركت، أو في القطار.
عندما أصل إلى الكنيسة، أستدير لأعود أدراجي ماضية نحو البيت بخطى واسعة: امرأة لديها أشياء تفعلها، لديها مكان تذهب إليه.
امرأة طبيعية. أنظر إلى الناس الذين أصادفهم في الطريق. رجلان يركضان حاملين حقيبتي ظهر. إنهما يتدربان للمشاركة في الماراثون.
امرأة شابة في تنورة سوداء وقميص رياضي أبيض، تحمل حذاءها ذا الكعب العالي في حقيبة صغيرة... ذاهبة إلى عملها. أتساءل عما
يخفيه هؤلاء الناس. أتراهم يتحركون لكي يتوقفوا عن الشرب، يجرون حتى يقفوا في أماكنهم؟ أتراهم يفكرون في قاتل رأوه البارحة،
في قاتل يعتزمون في رؤيته من جديد.
لست في حالة طبيعية.
أكاد أصل إلى البيت عندما أرى ذلك. كنت ضائعة في أفكاري. كنت أفكر في الشيء الذي من المفترض أن تفضي إليه هذه الجلسات مع
كمــال: هــل أخطــط حقـاً للتفتـيش فـي أدراج مكتبـه إذا غـادر الغرفـة؟ هـل أخطـط لاصـطياده فـي الكـلام وجعلـه يقـول شـيئاً يفضـحه...
لاستدراجه إلى منطقة خطرة؟ لكن من المحتمل أنه أكثر ذكاء مني بكثير. ومن المحتمل جداً أنه يتوقّع هجومي. هو يعرف أصلاً أن
اسمه ظهر في الصحف. لا بد أن يكون متنبّهاً لاحتمال وجود أشخاص يحاولون معرفة أخبار عنه، أو استخلاص معلومات منه.
هذا ما كنت أفكر فيه وأنا أسير خافضة رأسي مثبّتة نظري على الرصيف عندما مررت أمام المتجر الصغير إلى يميني محاولة عدم
النظر إليه لأن النظر إليه سيزيد احتمال انزلاقي؛ لكني رأيت اسمها من زاوية عيني. رفعت رأسي... ها هو اسمها، بحروف كبيرة على
الصفحة الأولى في إحدى صحف الفضائح: هل كانت ميغان قاتلة أطفال؟
أنت تقرأ
فتاة القطار
Adventureتحكي الرواية عن ريتشل ، سيدة مطلقة فقدت وظيفتها بعدها تدخل في حالة كآبة. تستقل القطار يومياً في ذهابها للندن وعندما يتوقف القطار في احدى المحطات تلمح زوجين في أحد المنازل فيتشكل لديها رابط خاص بهما. غير انه في احد الأيام تكتشف خيانة الزوج لزوجها من...
