الفصل الثامن عشر
( ريتشل )
الأربعاء، 7 آب/أغسطس 2013
في المساء
الحرارة لا تُطاق... تزداد، ثم تزداد. شبابيك الشقة مفتوحة؛ أستطيع تذوّق أول أكسيد الكربون متصاعداً من الشارع، في الأسفل. حلقي
يحكّني من الداخل. وبينما آخذ حمّامي الثاني هذا اليوم، أسمع هاتفي يرن. أتركه يرن؛ لكنه يرن مرة ثانية. ثم يرن أيضاً. عندما خرجت
من الحمام، أجده يرن للمرة الرابعة، فأجيب.
إنه مذعور الصوت، مبهور الأنفاس. يصلني صوته متقطعاً. يقول: «لا أستطيع الذهاب إلى البيت. هناك كاميرات في كل مكان».
«سكوت؟».
«أعرف أن هذا... هذا أمر غريب حقاً، لكني في حاجة فقط إلى مكان أذهب إليه... مكان لا أجدهم فيه ينتظرونني. لا أستطيع الذهاب
إلى أمّي، ولا إلى أصدقائي. إنني، فقط... أتجول بالسيارة. إنني أقودها منذ مغادرتي قسم الشرطة»... يتقطَّع صوته ... «أنا في حاجة
إلى ساعة أو اثنتين فقط. أحتاج إلى الجلوس، والتفكير. من غير وجودهم، من غير الشرطة، من غير أشخاص يطرحون عليَّ أسئلة
بغيضة. إنني آسف، لكن هل أستطيع القدوم إلى بيتك؟».
أقول له نعم... بالطبع. ليس فقط لأنه يبدو مذعوراً يائساً... بل لأنني أريد أن أراه. أريد أن أساعده. أعطيه العنوان فيقول لي إنه سيصل
بعد ربع ساعة.
أسمع جرس البيت بعد عشر دقائق: دقات قصيرة، حادّة، متلاحقة.
يقول لي عندما أفتح الباب: «يؤسفني أن أطلب هذا. لم أعرف أين أذهب». تبدو عليه هيئة شخص ملاحَق: إنه مرتعد، شاحب، والعرق
يغطّي جلده.
«لا بأس، لا بأس»... أقول له وأنا أتنحّى جانباً حتى أفسح له الطريق. أقوده إلى غرفة المعيشة وأقول له أن يجلس. أحضرُ له كأس ماء
من المطبخ. يشرب الماء، بجرعة واحدة تقريباً، ثم يجلس منحنياً واضعاً ذراعيه على ركبتيه منكّساً رأسه.
أحوم من حوله غير عارفة إن كان علي أن أتكلم أو أن أمسك لساني. آخذ الكأس لأجلب له الماء من جديد... من غير أن أقول له شيئاً.
يبدأ الكلام أخيراً. يقول بصوت هادئ: «تظنين أن الأسوأ قد حدث... أقصد، لا بد أنك تظنّين ذلك؟» يرفع رأسه ناظراً إليّ... «زوجتي
ماتت، والشرطة تظن أنني قتلتها. ما الذي يمكن أن يكون أسوأ من هذا؟ إنه يشير إلى تلك الأخبار في الصحف، إلى الأشياء التي
يقولونها عنها. هذه القصة الفضائحية التي يفترض أن أحداً في الشرطة قد سرّبها في الصحافة... قصة تورّط ميغان في قتل طفلتها.
شيء غامض، تخمينات، حملة لتشويه سمعة امرأة ميتة. إنه أمر بغيض».
أقول له: «لكن هذا ليس صحيحاً. لا يمكن أن يكون صحيحاً». وجهه خالٍ من التعبير... غير فاهم شيئاً. يقول لي: «أخبرَتني المحققة
رايلي هذا الصباح...» يسعل حتى يتمكن من الكلام... «الأخبار التي انتظرتها دائماً. لا تستطيعين تخيل هذا». يتابع كلامه لكن صوته
يصبح همساً... لا أكثر... «لا تعرفين كم كنت أتوق لهذا. كنت أحلم به، أتخيل كيف سيكون شكلها، وكيف ستبتسم لي، خجول... عارفة،
كيف ستمسك بيدي وتضغطها فوق شفتيها...» إنه ضائع... إنه يحلم... لا أفهم أبداً ما يتحدث عنه. يقول: «اليوم... عرفت اليوم أن
ميغان كانت حُبلى».
يبدأ البكاء... وأنا أختنق أيضاً، أبكي من أجل جنين لم يوجد قط، أبكي من أجل طفلة امرأة لم أعرفها أبداً. لكن هذا مرعب، أكثر بكثير
مما أستطيع احتماله. لا يمكنني أن أفهم كيف يستطيع سكوت مواصلة التنفس. كان يجب أن يقتله هذا، كان يجب أن يعتصر روحه من
جسده. لكنه... لا أدري كيف... لا يزال هنا.
لا أستطيع الكلام، لا أستطيع الحركة. غرفة المعيشة حارّة لا هواء فيها رغم النوافذ المفتوحة. أسمع أصواتاً من الشارع، في الأسفل:
صفارة سيارة شرطة، صبايا تصحن وتضحكن، وموسيقى من سيارة عابرة. حياة عادية، طبيعية. أما هنا، فإن العالم ينتهي. ينتهي العالم
بالنسبة لسكوت؛ وأنا لا أستطيع الكلام. إنني واقفة هناك، خرساء، عاجزة، لا نفع لي.
أظل هكذا حتى أسمع خطوات على الدرجات في الخارج، أسمع صوت ذلك البحث المألوف في حقيبة كاثي الكبيرة حتى تعثر على
مفاتيحها. يردّني هذا إلى الحياة. عليَّ أن أفعل شيئاً: أمسك بيد سكوت فينظر إلي... متحفّزاً.
أقول وأنا أشده لينهض: «تعال معي». يتركني أجرّه إلى الردهة ثم أصعد به السلم قبل أن تفلح كاثي في فتح الباب. أغلق باب غرفتي
من خلفنا.
أقول له مفسّرة ما جرى: «إنها شريكتي في السكن. سوف... قد تطرح أسئلة. أعرف أنك لا تريد هذا الآن».
يومئ برأسه. ينظر من حوله في غرفتي الضئيلة... يرى الفراش غير المرتب، والملابس... نظيفة ووسخة... مكوَّمة فوق كرسي المكتب،
والجدران العارية، والأثاث الرخيص. أشعر بالإحراج. هذه هي حياتي: فوضوية، بائسة، صغيرة. شيء لا يصدَّق. أفكر في هذا، وأفكر
أيضاً في مدى سخفي... كيف أتخيل أن سكوت يمكن أن يبالي بحالة حياتي... في هذه اللحظة.
أشير له بأن يجلس على السرير. يطيعني وهو يمسح عينيه بظهر كَفَّيه. يتنفس تنفساً ثقيلاً.
أسأله: «هل أستطيع أن أحضر لك شيئاً؟».
«هل لديك بيرة؟».
أقول: «لا أحتفظ بمشروبات كحولية في البيت». أحس باحمرار وجهي عندما أقول هذا. لكن سكوت لا يلاحظ شيئاً؛ بل إنه لا يرفع رأسه
لينظر إلي. «أستطيع أن أعدّ لك فنجاناً من الشاي، هل تريد شاياً؟». يومئ برأسه من جديد. فأقول له: «استلقِ الآن. استرِح قليلاً». يفعل
كما قلت له فيخلع حذاءه ويستلقي إلى الخلف على السرير مطيعاً مثل طفل مريض.
في الأسفل، أتبادل حديثاً قصيراً مع كاثي ريثما يغلي الماء. أصغي إليها متحدثة عن مكان جديد للغداء اكتشفته في نورثكورت
(«سلطات جيدة حقاً»)؛ وكم هي مزعجة تلك المرأة الجديدة في العمل. ابتسم لها وأومئ برأسي، لكني أسمعها بأذن واحدة فقط.
جسدي متوتر: أصغي إلى صوت صادر عنه، خطوات أقدام، أو قرقعة السرير. يبدو وجوده هنا غير حقيقي... وجوده في سريري في
الأعلى. أشعر بالدوار عندما أفكر في هذا... كأنني أحلم.
تتوقف كاثي عن الكلام أخيراً ثم تنظر إليّ. تقطِّب حاجبيها وتسألني: «هل أنت بخير؟ يبدو عليك... كأنك لست هنا».
أقول لها: «إنني متعَبة قليلاً. لست أشعر بأنني على ما يرام. أظن أنني سأذهب إلى فراشي». تنظر إليّ تلك النظرة. تعرف أنني لم أكن
أشرب (تستطيع أن تعرف ذلك دائماً)؛ لكنها تفترض... على الأرجح... أني موشكة على البدء من جديد. لست أبالي. لا أستطيع التفكير
في هذا الآن. أحمل فنجان الشاي، وأقول لها إنني سأراها في الصباح.
أقف خارج باب غرفتي مصغية. الغرفة هادئة. أمسك مقبض الباب بحذر، ثم أدفع الباب لأفتحه. إنه مستلقٍ هناك، تماماً في الوضع نفسه
مثلما تركته. يداه ممتدتان إلى جانبيه، وعيناه مغمضتان. أستطيع سماع تنفسه، خفيفاً غير منتظم تماماً. يشغل جسمه نصف السرير؛
لكن شيئاً يغريني بأن أستلقي إلى جانبه، في الحيّز الباقي، وأن أضع ذراعي فوق صدره... لأريحه. لكني أسعل سعلة صغيرة وأمدّ له
فنجان الشاي.
يجلس في السرير، ثم يقول بصوت خشن وهو يتناول الفنجان مني: «شكراً لك! على... منحي مكاناً آمناً هنا. لقد كان... لا أستطيع أن
أصف لك ذلك، منذ أن نشروا تلك القصة».
«هل تقصد القصة التي تتحدث عما جرى منذ سنوات؟».
«نعم، تلك هي».
هناك تخمينات كثيرة في تفسير كيفية حصول الصحف الصفراء على هذه القصة. تخمينات صاخبة... تشير أصابع الاتهام إلى الشرطة،
وإلى كمال أبديك، وإلى سكوت.
أقول له: «إنها كذبة، أليس كذلك؟».
«طبعاً، إنها كذبة. لكنها تعطي دافعاً لشخص ما، أليس كذلك؟ أقصد ما يقولون ـ ميغان وطفلتها- وهذا من شأنه أن يعطي الدافع،
لشخص ما ـ لعله والد ذلك الطفل ـ يعطيه دافعاً لقتلها. بعد تلك الحادثة بسنوات وسنوات».
«هذه سخافة».
«لكن، تعرفين ما يقوله الجميع. يقولون إنني اختلقت هذه القصة لا لأجعلها تبدو شخصاً سيئاً فقط بل لأدفع الشبهات بعيداً عني،
لأجعلها تتجه صوب شخص غير معروف، شخص ما من ماضيها لا يعرفه أحد».
أجلس إلى جانبه، على السرير. تكاد ساقانا تتلامسان.
«ماذا تقول الشرطة عن هذا الأمر؟».
يرفع كتفيه: «لا شيء في الحقيقة. إنهم يسألونني إن كنت أعرف شيئاً عن هذا. هل كنت أعرف أنها أنجبت طفلة من قبل؟ هل كنت
أعــرف مــا حــدث؟ هـل كنـت أعـرف هـويَّة الأب؟ قلـت لـهم إننـي لا أعـرف. هـذا كـلام فـارغ كلـه... إنـها لـم تحبـل أبـداً». يعـجز صـوته عـن
الاستمرار. يتوقف ويأخذ رشفة من فنجانه. «سألتهم عن مصدر تلك القصة، وعن من أعطاها للصحف. قالوا لا يستطيعون إخباري. لكني
أفترض أنها أتت منه... من أبديك». يطلق زفرة طويلة مرتجفة... «لا أفهم السبب. لا أفهم ما يجعله يقول عنها أشياء من هذا القبيل. لا
أعرف ما يحاول فعله. من الواضح أنه شخص مضطرب تماماً».
أفكر في الرجل الذي قابلته ذلك اليوم: في طبعه الهادئ، وصوته الناعم، والدفء في عينيه. إنه أبعد ما يكون عن الاضطراب. لكن... تلك
الابتسامة». أقول له: «إن نشر هذه الأشياء شيء مخز. لا بد أن هناك أنظمة...».
يقول: «لا يجوز التشهير بالموتى». يسكت لحظة ثم يقول من جديد: «لقد أكّدوا لي أنهم لن يقدموا أي معلومات عن هذا الأمر... أقصد،
عن حبلها. ليس بعد. ربما لن يقولوا شيئاً على الإطلاق. لكن من المؤكد أنهم لن يقولوا شيئاً قبل أن يعرفوا الأمر على وجه التأكيد».
«حتى يعرفوا ماذا؟».
قال: «الطفل ليس طفل أبديك».
«وهل أجروا فحص الـ دي إن إيه؟».
يهز رأسه: «لا! لكني أعرف. لا أستطيع أن أحدد كيف، لكنني أعرف. إن الطفل طفلي أنا... كان طفلي».
«إن كان أبديك يظن أن الطفل طفله هو، فإن هذا يعطيه دافعاً للقتل، أليس كذلك؟». لن يكون أول شخص يتخلّص من طفل لا يريده
عن طريق التخلص من أمه. لكني لا أقول هذه الكلمات بصوت مرتفع. ولا أقول الكلمات التالية أيضاً... إنه يعطي سكوت دافعاً للقتل
أيضاً. إن كان يظن أن زوجته تحمل طفل شخص آخر... لكن، لا يمكن أن يكون قد فعل ذلك. صدمته، ومعاناته، لا بد أنها أشياء حقيقية.
لا يستطيع أحد إجادة التمثيل إلى هذا الحد.
لا يبدو على سكوت أنه مصغٍ إليّ. كانت عيناه مثبتتين على باب الغرفة... عينان مزجَّجتان... يبدو غارقاً في السرير كأنه جالس في
رمال متحركة.
أقول له: «يجب أن تظل هنا فترة. حاول أن تنام».
ينظر إليّ عند ذلك، ويكاد يبتسم. يسألني: «ألا تمانعين؟ سوف يكون هذا... سأكون شاكراً لك. أجد النوم صعباً في البيت. ليس بسبب
الناس الذين في الخارج فقط، وليس بسبب فكرة وجود أشخاص يحاولون الانقضاض عليَّ. ليس الأمر كذلك فحسب. إنها هي. إنها في
كل مكان. لا أستطيع عدم رؤيتها. أمضي لأهبط إلى الأسفل، ولا أنظر... أجبر نفسي على عدم النظر. لكنني أتجاوز النافذة، ثم أجد
نفسي أعود إليها لأتأكد من أنها ليست جالسة هناك، على الشرفة». أحس بوخز الدموع في عينَيّ عندما يقول هذا. «كانت تحب الجلوس
على تلك الشرفة... هل ترين هذا ـ تحب الجلوس على تلك الشرفة الصغيرة لدينا. كانت تحب الجلوس في الخارج، هناك، تنظر إلى
القطارات».
أقول له وأنا أضع يدي على ذراعه: «أعرف. كنت أراها أحياناً جالسة هناك».
يقول لي: «أسمع صوتها دائماً. أسمع صوتها يناديني. أستلقي في السرير فأسمع صوتها يناديني من الخارج. أظن دائماً أنها موجودة
هناك». إنه يرتجف.
أقول له: «استلقِ الآن». آخذ الفنجان من يده... «عليك أن تستريح».
عندما أتأكد من أنه غرق في نومه، أستلقي إلى جانبه، خلف ظهره. لا يبعد وجهي عن كتفه إلا بضعة سنتيمترات. أغمض عيني وأصغي
إلى ضربات قلبي، أصغي إلى خفقان الدم في رقبتي. أستنشق رائحته الحزينة الواهنة.
وعندما أستيقظ بعد ساعات، أجد أنه قد ذهب.
الخميس، 8 آب/أغسطس 2013
في الصباح
أحس أنني أرتكب خيانة. لقد تركني منذ ساعات فقط. وها أنا هنا الآن، في طريقي لرؤية كمال... في طريقي مرة أخرى إلى ذلك الرجل
الذي يعتقد أنه قتل زوجته... قتل طفله. أشعر بالغثيان. أسأل نفسي إن كان علي أن أخبره بخطتي، وأن أشرح له أنني أفعل هذا كله من
أجله هو. لكني لست واثقة من أنني أفعل هذا من أجله فقط... ثم إنني لا أملك خطة في حقيقة الأمر.
سوف أكشف اليوم شيئاً من نفسي.
تلك هي خطتي لهذا اليوم. سأتحدث عن شيء حقيقي. سأحدِّثه عن أنني رغبت في الإنجاب وسأرى إن كان ذلك سيثير شيئاً لديه ـ رد
فعل غير طبيعي، أو أي نوع من الاستجابة. سأرى ما يمكن أن يؤدي إليه ذلك.
سوف أرى أين يأخذني ذلك.
لن يأخذني ذلك إلى أي مكان.
يبدأ بأن يسألني عن إحساسي الآن... كيف صرت أرى نفسي، ومتى كانت آخر مرة تناولت فيها كحولاً.
أقول له: «يوم الأحد».
«جيد! هذا جيد» يضم كفَّيه في حجره... «تبدين في حالٍ طيبة». يبتسم ثم... لا أرى أمامي قاتلاً. أسأل نفسي الآن عما رأيته ذلك اليوم.
هل تخيلت ذلك؟
أقول: «سألتني في المرة الماضية عن الشرب... كيف بدأ؟». يومئ برأسه فأتابع... «أصابني اكتئاب. كنا نحاول... كنت أحاول أن أحبل. لم
أستطع، فأصابني الاكتئاب. عندها بدأ الأمر». وعلى الفور، على الفور تماماً، وجدت نفسي أبكي من جديد. إن مقاومة لطف الغرباء أمر
مستحيل. ينظر شخص إليك، شخص لا يعرفك، فيقول لك إن كل شيء سيكون على ما يرام... مهما يكن الشيء الذي فعلته، مهما يكن
الشيء الذي تفعله: لقد عانيت، وتألمت، وأنت تستحق الغفران الآن. أوليه ثقتي، وأسرّ له ما بنفسي، وأنسى من جديد ما جئت أفعله
هنا. لا أراقب وجهه بحثاً عن استجاباته، ولا أدرس عينيه علّني ألمح فيهما علامة شك أو إحساس بالذنب. أسمح له بأن يشيع الراحة
في نفسي.
إنه لطيف، عقلاني. يحدثني عن استراتيجيات التلاؤم، ويذكرني بأن شبابي يقف في صفي.
إذاً... لعل هذا يأخذني إلى مكان ما، يعطيني نتيجة، لأنني أغادر مكتب كمال أبديك وأنا أحسّ نفسي أخف وزناً وأكبر أملاً. لقد ساعدني.
أجلس في القطار وأحاول قراءة ملامح القاتل الذي رأيته؛ لكني ما عدت قادرة على رؤيته الآن. أحاول جاهدة أن أراه رجلاً قادراً على
ضرب امرأة، على سحق جمجمتها.
تأتيني صورة مفزعة، مخجلة: كمال بيديه الرشيقتين، وطبعه المطمئن، وكلامه الهادئ الصافر قليلاً... في مقابل سكوت الضخم القوي
اليائس ذي الطبع البرّي. يجب أن أذكّر نفسي بأن هذه هي حالة سكوت الآن... لم يكن هكذا من قبل. ويجب أن أتابع تذكير نفسي بما
كان سكوت عليه قبل أن يبدأ هذا كله. لكني أجد نفسي مضطرة إلى الاعتراف بأنني لا أعرف كيف كان سكوت قبل أن يبدأ هذا كله.
الجمعة، 9 آب/أغسطس 2013
في المساء
يتوقف القطار عند الإشارة. أرتشف جرعة من عبوة الجن والتونيك الباردة، ثم أنظر نحو بيته، نحو شرفتها. لقد التزمتُ بعدم الشراب،
لكني في حاجة إلى هذا الآن. يسمونها ‘الشجاعة الهولندية’. إنني في طريقي لرؤية سكوت. وعليّ أن أخوض مخاطرات شارع بلينهايم
قبل أن أصل إليه: توم، وآنّا، والشرطة، والصحافة. والنفق الذي تصاحبه تلك الذكرى الغامضة، نصف الذكرى عن الرعب والدم. لكنه طلب
مني المجيء فلم أستطع الرفض.
لقد وجدوا جثة الطفلة الصغيرة الليلة الماضية. وجدوا ما بقي منها. وجدوها مدفونة في الأرض المحيطة ببيت مزرعة قريباً من ساحل
إيست أنغيليان... تماماً حيث قال لهم أحد الأشخاص أن يبحثوا. تحدثت الصحف عن الأمر هذا الصباح:
فتحت الشرطة تحقيقاً في وفاة طفلة وجدوا بقاياها مدفونة في حديقة أحد البيوت بالقرب من هولكام في منطقة نورفولك، وقد
اكتشفت الجثة بعد بلاغ للشرطة عن احتمال وقوع جريمة قتل في الماضي، وذلك في سياق التحقيق في مقتل ميغان هيبويل من
ويتني التي عثر على جثتها في غابة كورلي الأسبوع الماضي.
اتصلت بسكوت هذا الصباح عندما قرأت الأخبار. لم يجبني، فتركت له رسالة عبّرت فيها عن أسفي لسماع هذه الأخبار. اتصل بي بعد
الظهر.
سألته: «هل أنت بخير؟».
«ليس تماماً». كان صوته كثيفاً من أثر الشراب.
«إنني آسفة جداً... هل أنت في حاجة إلى شيء؟».
«أحتاج إلى وجود شخص لا يقول لي: ألم أقل لك؟».
«عفواً، ماذا تقصد؟».
«كانت أمي هنا، طيلة بعد الظهر. تجد أن عليها إفهامي أنها كانت مدركة كل شيء ـ هناك أمر غير طبيعي في ما يخص هذه الفتاة، أمر
غير مألوف... لا أسرة لها، ولا أصدقاء... جاءت من لا مكان- لماذا لم تقل لي هذا الكلام من قبل؟». سمعت صوت زجاج يتحطم...
وسباب.
أسأله من جديد: «هل أنت بخير؟».
سألني: «هل تستطيعين المجيء إلى هنا».
«إلى البيت؟».
«نعم».
«أنا... الشرطة... الصحافيون... لست واثقة من...».
«أرجوك! إنني في حاجة إلى وجود أحد معي؛ وجود شخص كان يعرف ميغان، يحبّها. شخص لا يصدق هذا كله...».
كان ثملاً. أدرك ذلك لكني قلت له إنني سآتي.
وأنا أشرب الآن أيضاً... أشرب في القطار، وأفكر في ما قاله لي. أريد شخصاً كان يعرف ميغان، يحبها. لم أكن أعرفها؛ ولست واثقة من
أنني لا أزال أحبها. أنهي العبوة بأسرع ما استطعت، ثم أفتح عبوة أخرى.
أغادر القطار عند ويتني. إنني جزء من حركة العائدين من أعمالهم مساء الجمعة: عبد آخر من عبيد الرواتب، وسط هذا الجمهور المتعَب
الذي يشعر بالحر، الجمهور المتشوّق للوصول إلى البيت والجلوس في الخارج لتناول بيرة باردة، للعشاء مع الأطفال، وللنوم في وقت
غير متأخّر. قد يكون إحساسي هذا بسبب الشراب فقط، لكني أشعر... على نحو لا أستطيع نفيه... بحال طيبة عندما أجد نفسي منجرفة
مع هؤلاء الناس... يتفقَّد كل واحد منهم هاتفه، ويبحث في جيوبه عن بطاقة القطار. أعود بالزمن إلى الخلف، أعود زمناً طويلاً إلى أول
صيف عشته في شارع بلينهايم عندما كنت أعود إلى البيت كل ليلة بعد العمل، وأستعجل هبوط السلم والخروج من المحطة، ثم أسير
نصف راكضة في ذلك الشارع. كان توم يعمل من البيت. وما كنت أكاد أدخل الباب حتى يبدأ خلع ملابسي عني. أجد نفسي ابتسم
عندما أتذكر هذا... حتى الآن... عندما أتذكر ذلك التوقّع، ذلك التَوْق: ترتفع الحرارة إلى خدي عندما أنحدر سائرة صوب الشارع، وأعضّ
على شفتي حتى أمنع نفسي من الضحك... تتسارع أنفاسي وأنا أفكر فيه عارفة أنه يعدّ الدقائق الباقية قبل وصولي إلى البيت... مثلما
أفعل أنا.
تملأ تلك الأيام رأسي إلى حدٍّ يجعلني أنسى قلقي من مصادفة توم أو آنّا، أنسى قلقي من الشرطة والمصورين... وقبل أن أدرك ذلك،
أجد نفسي عند باب سكوت، أقرع الجرس فينفتح الباب. أشعر بالإثارة رغم أنني لا يجوز أن أشعر بالإثارة... لكني لا أحس ذنباً تجاه هذا
لأن ميغان ليست مثلما ظننت أبداً. لم تكن جميلة إلى ذلك الحد الذي تخيَّلت، ولم تكن فتاة خالية البال جالسة على شرفتها. ما كانت
ميغان زوجة محبّة. وما كانت حتى شخصاً جيداً. لقد كانت كاذبة، غشّاشة.
لقد كانت قاتلة.
أنت تقرأ
فتاة القطار
Adventureتحكي الرواية عن ريتشل ، سيدة مطلقة فقدت وظيفتها بعدها تدخل في حالة كآبة. تستقل القطار يومياً في ذهابها للندن وعندما يتوقف القطار في احدى المحطات تلمح زوجين في أحد المنازل فيتشكل لديها رابط خاص بهما. غير انه في احد الأيام تكتشف خيانة الزوج لزوجها من...
