ميغان

46 3 0
                                        

الفصل الرابع
( ميغان )

الثلاثاء، 2 تشرين الأول\اكتوبر 2012
في الصباح
سوف يهطل المطر قريباً. أستطيع الإحساس بقدومه. أسناني تصطَكّ في فمي، وأطراف أصابعي مبيضّة... فيها شيء من الزرقة أيضاً.
لن أدخل البيت. أحب هذا الجو في الخارج. إنه يشفيني، يجعلني نظيفة، مثل حَمّام جليد. سوف يأتي سكوت ويصيح طالباً مني
الدخول على أي حال. سوف يلفّني بالبطانيات، مثل طفل.
أصابتني موجة ذعر عندما كنت عائدة إلى البيت الليلة الماضية. كانت في الشارع دراجة آلية يعلو صوت محرّكها ثم يعلو ثم يعلو.
وكانت في الشارع سيارة حمراء تسير بطيئة كأنها تبحث عن امرأة ممن يتصيَّدن السيارات في الشارع. وكانت في الشارع امرأتان
تدفعان عربتَيْ أطفال فتعترضان طريقي. لم أستطع المرور بجانبهما على الرصيف فنزلت إلى الشارع وكادت تصدمني سيارة جاءت من
الجــهة الأخـرى... لـم أرهـا أبـداً. أطلـق السـائق بـوق السـيارة وزعـق بشـيء نحـوي. لـم أسـتطع التقـاط أنفاسـي. كـان قلبـي يخفـق سـريعاً.
أحسست بذلك الانقباض في معدتي مثلما يحدث عندما يتناول المرء قرص دواء ويكون موشكاً على التقيؤ... هجمة الأدرينالين التي
تجعل المرء يشعر بالغثيان والإثارة والخوف معاً.
جريت إلى المنزل فعبرته وهبطت صوب سكة القطار. ثم جلست هناك منتظرة مجيء القطار حتى يقرقع هادراً فيزيل مني الأصوات
الأخرى. انتظرت أن يعود سكوت ويهدّئني، لكنه لم يكن في البيت. حاولت تسلّق السياج. وددت أن أجلس إلى الناحية الأخرى من خط
القطار... برهة من الزمن، حيث لا يذهب أحد غيري. جرحت يدي، فدخلت المنزل، ثم عاد سكوت وسألني عما حدث. قلت له إنني كنت
أغسل الأطباق والكؤوس فأسقطت كأساً. لم يصدّقني... انزعج كثيراً.
نهضت في الليل. تركت سكوت نائماً وتسللت إلى الشرفة. طلبت رقمه في الهاتف وأصغيت إلى صوته عندما أجاب. ناعم منخفض بفعل
النوم، ثم أقوى، ثم صار متحفّظاً، ثم قلقاً، ثم مستاءً. أغلقت الخط وانتظرت لأرى إن كان سيعيد الاتصال بي. لم أخفِ رقمي. وهذا ما
جعلني مقتنعة بأنه سيتصل. لم يتصل... فطلبت الرقم من جديد، ثم طلبته من جديد، ثم طلبته من جديد. جاءني بعدها بريد صوتي...
لطيف... بنبرة مهنية. وعدني أن يعيد الاتصال بي في أقرب وقت ممكن. فكرت في الاتصال بعيادته لكي آخذ موعداً. لكني لا أظن أن
نظامهم الآلي يعمل في منتصف الليل. وهكذا... عدت إلى السرير. ولم أنَم أبداً.
قد أذهب إلى غابة كورلي هذا الصباح لألتقط بعض الصور. سوف أجد هناك ضباباً رقيقاً، وظلمة، وجواً أثيرياً. لا بدّ أنني سأكون قادرة
على التقاط بعض الصور الجيّدة. كنت أفكر في أن أصنع منها بطاقات صغيرة لأرى إن كنت أستطيع بيعها في متجر الهدايا في شارع
كينغلي رود. يقول لي سكوت دائماً إنني لا يجوز أن أقلق بخصوص العمل، وإن عليّ أن أستريح فقط... أستريح! كأنني عاجزة. الراحة
آخر ما أحتاج إليه. إنني في حاجة إلى العثور على شيء يملأ أيامي. أعرف ماذا سيحدث إن لم أفعل هذا.
في المساء
اقترح الدكتور آبديك ـ كمال... هكذا طلب مني مخاطبته ـ في هذه الجلسة المسائية أن أبدأ تدوين يومياتي. كدت أقول له إنني لا
أستطيع فعل هذا، لأنني لا أستطيع الاطمئنان إلى أن زوجي لن يقرأها. لم أقل هذا لأنه سيبدو قلة ثقة مخيفة بسكوت. لكنها الحقيقة! لا
أستطيع أبدأ أن أكتب الأشياء التي أحسّها فعلاً، أو التي أفكّر فيها، أو التي أفعلها. هذا مثال: عندما عدت إلى البيت هذا المساء، كان
حاسوبي المحمول دافئاً. يعرف سكوت كيف يحذف التاريخ في متصفّح الإنترنت... يعرف كل هذه الأشياء. يستطيع أن يخفي آثاره
بشكل ممتاز. لكني كنت أعرف أنني أغلقت الجهاز قبل أن أترك البيت. لقد كان يقرأ بريدي من جديد.
لست أعترض على هذا حقاً. لا شيء لقراءته هناك. (كثير من الرسائل غير المرغوب فيها التي تردني من شركات التنظيف. ورسائل من
جيني من مركز التدريبات الرياضية تسألني إن كنت أود الانضمام إلى «نادي عشاء ليلة الخميس» حيث تجتمع مع أصدقائها فيتناوبون
إعداد العشاء. أفضِّل الموت على ذلك). لا تزعجني قراءة رسائلي لأن هذا يطمئنه على أن لا شيء يجري من خلفه... إلّا أنني لا أفعل
شيئاً. هذا شيء جيد بالنسبة لي ـ بل هو جيد لي وله ـ حتى إذا لم يكن حقيقياً. لا أستطيع أن أغضب منه حقاً لأن لديه سبباً يدعوه إلى
الشك. لقد أعطيته في الماضي سبباً للشك؛ والأرجح أنني سوف أفعلها من جديد. لست زوجة نموذجية! لا أستطيع أن أكون زوجة
نموذجية! لا علاقة للأمر بمقدار حبي له، فهذا لن يكون كافياً.
السبت، 13 تشرين الأول\أكتوبر 2012
في المساء
نمت خمس ساعات تلك الليلة. هذه مدة أطول من أي مدة نوم منذ زمن طويل. والأمر غير المفهوم هو أنني شعرت بغرابة شديدة عندما
عدت إلى البيت مساء الأمس... ظننت أنني سأظل أرتطم بالجدران عدة ساعات. قلت لنفسي إنني لن أفعلها مرة ثانية... ليس بعد المرة
الأخيرة! لكنني رأيته عند ذلك، وأردته... وقلت في نفسي: لمَ لا؟ لا أرى السبب الذي يجعل من واجبي أن أمنع نفسي. كثير من الناس لا
يمنعون أنفسهم. الرجال لا يفعلون ذلك. لا أريد أن أجرح أحداً. لكن عليك أن تكون صادقاً مع نفسك، أليس كذلك؟ هذا كل ما أفعله...
أكون صادقة مع نفسي الحقيقية، تلك النفس التي لا يعرفها أحد غيري ـ لا كمال، ولا سكوت... لا أحد.
بعد حصة التمرينات الرياضية الليلة الماضية، سألت تارا إن كانت راغبة في الذهاب معي إلى السينما في إحدى الليالي خلال الأسبوع
القادم. وسألتها بعد ذلك إن كانت مستعدة للتستّر عليّ.
«إذا اتصل، هل تستطيعين القول له إنني معك. وإنني ذهبت إلى الحمام، وسوف أعاود الاتصال به على الفور؟ وعند ذلك اتصلي بي
حتى أتصل به. فيكون كل شيء على ما يرام».
ابتسمت ورفعت رأسها قائلة: «لا بأس». لم تسألني حتى عن المكان الذي سأذهب إليه، أو مع مَنْ. إنها تريد حقاً أن تكون صديقتي.
قابلته في فندق سوان في كورلي. كان قد حجز غرفة لنا. علينا أن نكون حذرين... لا يجوز أن يفتضح أمرنا. سيكون ذلك سيئاً له،
مدمراً لحياته. وسيكون كارثة لي أنا أيضاً. لا أريد حتى أن أفكر في ما سيفعله سكوت.
أرادني أن أتكلم بعد ذلك، أن أتكلم عمَّ حدث عندما كنت صغيرة أعيش في نورويتش. كنت قد أشرت إلى هذا من قبل. لكنه أراد أن
يستمع إلى التفاصيل الليلة الماضية. قلت له أشياء، لكن ما قلته لم يكن حقيقة. لقد كذبت، واختلقت أشياء، وقلت له كل تلك الأمور
السخيفة التي أراد أن يسمعها. كان الأمر مسلياً. لا أشعر بالسوء لأنني كذبت؛ بل إنني أشك في أنه صدَّق معظم ما قلته أصلاً. إنني
واثقة تماماً من أنه يكذب... هو أيضاً.
استلقى على السرير ناظراً إليَّ عندما ارتديت ملابسي. قال لي: «لا يمكن أن يحدث هذا مرة ثانية يا ميغان. تعرفين أنه غير ممكن. لا
نستطيع مواصلة فعل هذا». كان محقاً. أعرف أننا لا نستطيع. لا يجوز أن نواصل فعل ذلك؛ يجب أن نتوقّف عن فعل ذلك... لكننا
سنفعله. لن تكون تلك المرة الأخيرة. لن يرفضني. كنت أفكر في ذلك خلال عودتي إلى البيت. هذا أكثر ما أحبه في الأمر كله: أن تكون
لي سلطة على أحد ما. هذا هو الشيء المدوّخ... الشيء المسكِر.
في المساء
إنني في المطبخ أفتح زجاجة من النبيذ. يأتي سكوت من خلفي ويضع كفَّيه على كتفيّ. يضغط عليهما ثم يقول: «كيف تجري الأمور مع
المعالج النفسي؟». قلت له إن كل شيء على ما يرام، وإننا نحرز تقدماً. صار معتاداً الآن على عدم الحصول على أي تفاصيل مني. ثم
قال: «هل استمتعت بصحبة تارا الليلة الماضية؟».
كان خلف ظهري، فكنت غير قادرة على معرفة ما إذا كان يسألني حقاً أو أنه يشك في شيء ما. لا أستطيع تخمين أي شيء من صوته.
قلت له: «إنها لطيفة فعلاً. سوف تنسجم معها، وسوف تنسجم معك. إننا ذاهبتان إلى السينما الأسبوع القادم. ربما يجب أن أدعوها إلى
بيتنا لتناول الطعام بعد ذلك!».
سألني: «ألست مدعوّاً إلى السينما معكما؟».
قلت له: «أنت مرحَّب بك»... استدرت نحوه وقبّلته على فمه... «لكنها تريد أن ترى ذلك الشيء مع ساندرا بولوك، لذا...».
«لا تضيفي شيئاً! اتفقنا، أحضريها معك لتناول العشاء بعد ذلك». هكذا قال لي ضاغطاً بكفيه ضغطاً خفيفاً على أسفل ظهري.
أصبُّ النبيذ ونمضي إلى الخارج. نجلس جنباً إلى جنب على حافة مدخل البيت واضعَين أصابع أقدامنا في العشب.
يسألني: «هل هي متزوجة؟»
«تارا؟ لا... إنها عازبة».
«أليس لها صديق؟».
«لا أظن هذا».
يسألني رافعاً حاجبه: «ولا صديقة؟»... فأضحك.
«كم عمرها إذاً؟».
أقول: «لست أدري. في حدود الأربعين عاماً».
«أوه! وهي وحيدة تماماً. هذا محزن بعض الشيء».
«إمم. أظن أنها تشعر بالوحدة».
«إنهنَّ ينجذبن إليكِ دائماً، الفتيات اللواتي يشعرن بالوحدة، أليس كذلك؟ يطرن إليك مثل النحل».
«هل هذا صحيح؟».
يسألني: «ليس لديها أطفال إذن؟»... لا أعرف إن كنت أتخيل هذا تخيلاً، لكني أستطيع أن أميز نبرة عصبية في صوته في الثانية نفسها
التي يرد فيها ذكر الأطفال، فأشعر أننا على وشك الشجار. لا أريد هذا... لا أستطيع التعامل مع هذا... أنهض واقفة وأمضي لأدخل البيت.
عليه أن يجلب كؤوس النبيذ لأننا ماضيان إلى غرفة النوم.
يتبعني فأبدأ خلع ملابسي خلال صعودي السلم. وعندما نصل إلى غرفة النوم يدفعني، ووجهي إلى الأسفل، فوق السرير. إنني لا أفكر
فيه... لكن هذا غير مهم لأنه لا يعرف هذا. إنني ماهرة أستطيع جعله يصدق أن الأمر كله متعلّق به.

فتاة القطارقصص لتهوسّ بها. اكتشف الآن