الفصل السابع
( ريتشل )
الثلاثاء، 16 تموز\يوليو 2013
في الصباح
أنا في قطار الثامنة وأربع دقائق. لكنني لست ذاهبة إلى لندن. إنني ذاهبة إلى ويتني بدلاً من ذلك. آمل أن يساعدني وجودي هناك في
تنشيط ذاكرتي... آمل أن أصل إلى المحطة فأرى كل شيء بوضوح... سوف أعرف. لست أحمل أملاً كبيراً، لكن ما من شيء آخر
أستطيع فعله. لا أستطيع أن أتصل بتوم. أخجل من ذلك؛ ثم إنه جعل الأمر واضحاً تماماً على أي حال: لا يريد أي صلة معي.
لا تزال ميغان مفقودة. إنها غائبة منذ أكثر من ستين ساعة. صارت قصتها متداوَلة في وسائل الإعلام الوطنية. لقد كانت على موقع بي
بي سي وعلى موقع ميل أون لاين هذا الصباح؛ ثم ظهر عدد من الأخبار القصيرة التي تشير إليها في مواقع أخرى أيضاً.
طبعتُ قصة البي بي سي وقصة الميل. إنهما موجودتان معي. فهمت منهما ما يلي:
حدثت مشادة بين ميغان وسكوت مساء السبت. أفاد أحد الجيران أنه سمع أصواتاً مرتفعة. أقرَّ سكوت بأنهما تجادلا. وقال إنه ظن أن
زوجته ذهبت لتمضي الليل لدى صديقة لها... تارا إبشتاين... صديقة تعيش في كورلي.
لم تذهب ميغان إلى بيت تارا. تقول تارا إنها رأت ميغان آخر مرة بعد ظهر يوم الجمعة في درس التمرينات الرياضية. (كنت أعرف أن
ميغان تمارس الرياضة). وبحسب الآنسة إبشتاين، «بدت ميغان في حالة جيدة، عادية. كان مزاجها طيباً. وكانت تتحدث عن اعتزامها
تحضير شيء خاص من أجل ذكرى ميلادها الثلاثين، الشهر المقبل.
رأى أحد الشهود ميغان ماشية صوب محطة قطارات ويتني نحو الساعة السابعة والربع مساء السبت. ليس لميغان أقارب في تلك
المنطقة. ووالديها متوفيان.
ميغان عاطلة عن العمل. كانت تدير معرضاً فنياً صغيراً في ويتني، لكنه مغلق منذ نيسان العام الماضي. (كنت أعرف أن لدى ميغان
اهتمامات فنّية).
سكوت يعمل لحسابه في مجال الاستشارات المعلوماتية. (لا أصدق أبداً أن سكوت استشاري في المعلوماتية).
ميغان وسكوت متزوجان منذ ثلاث سنوات. وهما يعيشان في ذلك البيت في شارع بلنهايم رود منذ كانون الثاني\يناير 2012.
تقول الديلي ميل إن قيمة بيتهما تبلغ أربعمئة ألف باوند.
عندما قرأت هذا كله، عرفت أن الأمور تبدو سيئة بالنسبة لسكوت. ليس بسبب تلك المشادّة وحدها. هكذا تكون الأمور عادة، عندما
يحدث شيء سيء لامرأة، تنظر الشرطة إلى زوجها أو إلى صديقها أولاً. لكن الشرطة لا تعرف الحقائق كلها في هذه الحالة. إنهم
ينظرون إلى الزوج فقط. وأفترض أن ذلك لأنهم لا يعرفون شيئاً عن صديقها.
قد أكون الشخص الوحيد الذي يعرف أن لها صديقاً.
رحت أفتّش في حقيبتي عن قصاصة ورق. وعلى ظهر بطاقة لشراء زجاجتين من النبيذ، دوّنت قائمة من التفسيرات الأكثر احتمالاً
لاختفاء ميغان هيبويل:
-1 هربت مع صديقها الذي سوف أشير إليه من الآن فصاعداً بالحرف ب.
-2 أوقع ب الأذى بها.
-3 سكوت هو الذي أوقع الأذى بها.
-4 لقد تركت زوجها بكل بساطة ومضت لتعيش في مكان آخر.
-5 شخص آخر، غير ب أو سكوت، أوقع بها الأذى.
أظن أن الإمكانية الأولى هي الأكثر ترجيحاً. كما أن الرابعة احتمال قوي أيضاً لأن ميغان شخصية مستقلة، امرأة ذات إرادة، إنني واثقة
من هذا. وإذا كانت لها علاقة غرامية بأحد ما، فقد تكون بحاجة إلى الابتعاد حتى يصفو رأسها، أليس كذلك؟ لا يبدو الاحتمال الخامس
مرجَّحاً، لأن ارتكاب جرائم قتل من قبل أشخاص غرباء ليس أمراً شائعاً أبداً.
تؤلمني تلك الحدبة في رأسي... تنبض ألماً... لا أستطيع أن أكف عن التفكير في تلك المشاجرة التي رأيتها، أو تخيلتها، أو حلمت بها،
ليلة السبت. وعندما نمر ببيت ميغان وسكوت، أرفع رأسي وأنظر. أستطيع سماع جريان الدم صاخباً في رأسي. أشعر بإثارة قصوى.
أشعر بالخوف. أرى نوافذ البيت رقم 15 تعكس ضياء شمس الصباح... تبدو مثل عيون لا ترى.
في المساء
ما إن أجلس في مقعدي حتى يرن الهاتف. إنها كاثي. أترك الهاتف حتى ينتقل إلى البريد الصوتي. تسجل كاثي رسالة لي: «مرحباً يا
ريتشل! إنني أتصل للتأكد فقط من أنك بخير». إنها قلقة عليّ بسبب حادث السيارة. «أردت أن أقول فقط إنني آسفة، تعرفين هذا، بشأن
ذلك اليوم... بشأن ما قلته عن انتقالك من البيت. ما كان يجب أن أقول هذا. لقد بالغت في ردة فعلي. تستطيعين البقاء قدر ما
تريدين». صمت طويل بعد ذلك، ثم تقول بعد ذلك: «اتصلي بي! وعودي مباشرة إلى البيت يا راتش. لا تذهبي إلى الحانة».
لم أكن أعتزم الذهاب إلى الحانة. كنت أريد أن أشرب على الغداء. كنت في حاجة شديدة إلى الشراب بعد الذي حدث في ويتني هذا
الصباح. لكني لم أشرب شيئاً لأن عليّ أن أحافظ على صفاء ذهني. مر زمن طويل منذ أن كان لديّ شيء يستحق أن أحتفظ بذهني
صافياً من أجله.
كان الأمر شديد الغرابة هذا الصباح... رحلتي إلى ويتني. أحسست أنني لم أذهب إليها منذ زمن بعيد رغم أن ذلك الزمن لم يكن إلا أياماً
قليلة في واقع الأمر. يمكن أيضاً أن يكون مكاناً مختلفاً تماماً... محطة أخرى في بلدة أخرى. وقد كنت شخصاً مختلفاً عن ذلك الشخص
الذي ذهب إلى هناك مساء السبت. أنا متيبّسة وصاحية اليوم... متنبّهة تماماً للأصوات وللضوء ولخوف الاكتشاف.
كنت كمن يعتدي على ملكية الغير. هكذا أحسست هذا الصباح... لأنها منطقتهم الآن... إنها منطقة توم وآنّا وسكوت وميغان. أنا الطرف
الدخيل... لست أنتمي إلى هنا... لكن كل شيء مألوف كثيراً بالنسبة لي... رغم ذلك. هبطت الدرجات الإسمنتية في المحطة، ومضيت
بجانب كشك الجرائد فدخلت جادة روزبري، ثم مضيت مسافة نصف بناء حتى بلغت نهاية التقاطع، وحتى بلغت القنطرة الواقعة إلى
يميني، القنطرة المفضية إلى نفق شديد الرطوبة يمضي من تحت خط القطار، ثم إلى شارع بلنهايم رود الأيسر، الطريق الضيق ذو
المسارب الثلاثة، الطريق الذي تشرف عليه شرفات فكتورية جميلة. أحسست كما يحس العائد إلى بيته: ليس إلى أيّ بيت... إلى بيت
الطفولة، إلى مكان تركته منذ عمر كامل. إنها ألفة صعود السلم ومعرفة الدرجة التي ستصدر عنها طقطقة عندما تدوس عليها.
هذه الألفة ليست موجودة في رأسي فقط. إنها في عظامي؛ في ذاكرة العضلات. مشيت هذا الصباح بجانب فم النفق المظلم، مدخل
النفق، فتسارعت خطواتي. لم يكن عليّ أن أفكر في الأمر حتى أسرع الخطو لأن سرعتي تزداد قليلاً كلما عبرت ذلك المقطع. كل ليلة،
عندما أعود إلى البيت، في الشتاء خاصة، تزداد سرعتي هنا، وألقي نظرة خاطفة نحو اليمين، للتأكد فحسب. لم أرَ يوماً أي شخص هناك
ـ لا في أي ليلة من تلك الليالي، ولا اليوم ـ لكنني توقفت جامدة عندما نظرت إلى الظلمة هذا الصباح لأنني استطعت أن أرى نفسي
فجأة. استطعت أن أرى نفسي على مسافة أمتار قليلة مني، متهاوية، مستندة إلى الجدار، رأسي بين كفيَّ... والدماء تلطخ رأسي
ويدَيّ.
صار قلبي يخفق عاصفاً في صدري. وقفت هناك بينما راح الماضون إلى أعمالهم في ذلك الصباح يمرّون من حولي متابعين سيرهم
باتجاه المحطة. التفت واحد أو اثنان منهم خلال عبورهم، بينما بقيت واقفة، ساكنة مثل عصا مغروسة في الأرض. لم أعرف ـ لا أعرف ـ
إن كان هذا حقيقياً. ما الذي جعلني أدخل ذلك النفق؟ أي سبب يمكن أن يكون قد حملني على النزول إليه، إلى تلك الظلمة والرطوبة
ورائحة البول؟
استدرت، ثم عدت إلى المحطة. ما عدت راغبة في أن أكون هناك. ما عدت راغبة في الذهاب إلى باب سكوت وميغان. رغبت في
الابتعاد عن ذلك المكان. حدث شيء سيئ هناك، أعرف أن شيئاً سيئاً قد حدث هناك.
دفعت ثمن تذكرتي وارتقيت مسرعة درجات المحطة ووصلت إلى الجانب الآخر من رصيف القطار. وبينما كنت أسير عاودني ذلك الأمر
من جديد، مثل لمحة خاطفة: ليس النفق هذه المرة، بل الدرجات. تعثرت على الدرجات فأمسك رجل بذراعي وساعدني على النهوض.
إنه الرجل من القطار، صاحب الشعر الأحمر. أستطيع أن أراه... صورة غامضة لكن من غير حوار. أتذكر أنني ضحكت ـ ضحكت على
نفسي، أو على شيء قاله. كان لطيفاً معي... إنني واثقة من هذا. شبه واثقة! حدث شيء ما، لكنني لا أظن أن له علاقة به.
صعدت إلى القطار ومضيت إلى لندن. ذهبت إلى المكتبة وجلست في صالة الحاسوب باحثة عن قصص تتحدث عن ميغان. وجدت
خبرًا قصيراً في موقع صحيفة تلغراف قال إن رجلاً في الثلاثينات يساعد الشرطة في البحث. لعله سكوت. لا أستطيع تصديق أنه ألحق
بها الأذى. أعرف أنه لا يمكن أن يفعل ذلك. لقد رأيتهما معاً. أعرف كيف يبدوان عندما يكونان معاً. ورد في الصحيفة رقم هاتف إحدى
وحدات مكافحة الجريمة أيضاً... رقم هاتف يمكن الاتصال به إذا كانت لدى المرء معلومات. سوف أتصل بهذا الرقم في طريق عودتي
إلى البيت، من هاتف مدفوع في الشارع. سوف أخبرهم عن ب، سأخبرهم ما رأيت.
يرن هاتفي عندما نكون موشكين على دخول آشبوري. إنها كاثي من جديد. يا للفتاة المسكينة! إنها مشغولة البال عليّ حقاً.
«راتش؟ هل أنت في القطار؟ هل أنت عائدة إلى البيت؟»... بدا صوتها قلقاً.
قلت لها: «نعم! إنني في الطريق. أصل بعد ربع ساعة».
«إن الشرطة هنا يا ريتشل». قالت هذا فأحسست أن جسدي صار بارداً كله. «يريدون التحدث معك».
الأربعاء، 17 تموز\يوليو 2013
في الصباح
لا تزال ميغان مختفية. وعليّ أن أكذب على الشرطة ـ مرة بعد أُخرى.
انتابني الذعر عندما عدت إلى البيت الليلة الماضية. حاولت إقناع نفسي بأنهم أتوا ليروني لأمر يتعلّق بحادث السيارة، سيارة الأجرة...
لكن هذا أمر لا معنى له. لقد تحدثت مع الشرطة في موقع الحادث نفسه ـ كان من الواضح أنني أنا المخطئة. لا بد أن للأمر علاقة بليلة
السبت. لا بد أنني فعلت شيئاً. لا بد أنني ارتكبت فعلة فظيعة ثم أخفيتها في ذاكرتي وعتّمت عليها.
أعرف أن هذا يبدو بعيد الاحتمال. ماذا يمكن أن أكون قد فعلت؟ هل ذهبت إلى طريق بلنهايم، وهاجمت ميغان هيبويل، ثم تخلّصت
من جثتها، ونسيت كل شيء عن الأمر بعد ذلك؟ يبدو هذا سخيفاً. إنه سخيف. لكني أعرف أن شيئاً قد حدث يوم السبت. عرفت ذلك
عندما نظرت إلى ذلك النفق المظلم تحت خط القطار فتحول دمي إلى ماء جليدي يجري في عروقي.
تحدث حالات من التعتيم في الذاكرة. والأمر ليس مقتصراً فقط على كون المرء ثملاً قليلاً عندما يعود إلى البيت من الحانة. لا يشبه
هذا أن يعجز المرء عن تذكّر ما وجده طريفاً في ثرثرة جرت في الحانة. هذا شيء مختلف. سواد مطبق. ساعات مفقودة، لا يمكن أن
تُستعاد أبداً.
اشترى لي توم كتاباً عن هذا. لم يكن ذلك أمراً رومانسياً، لكنه كان قد تعب من الإصغاء إليّ أخبره بمقدار أسفي في الصباح عندما لم
أكن قادرة حتى على معرفة الشيء الذي كنت أعتذر بسببه. أظن أنه أراد مني إدراك الضرر الذي كنت أسببه، وإدراك ما قد أكون قادرة
على فعله. كان مؤلف الكتاب طبيباً؛ لكنني لا أعرف أبداً إن كان كلامه صائباً: زعم الكاتب أن هذا التعتيم في الذاكرة ليس مسألة نسيان
ما حدث فحسب، بل هو انعدام وجود ذكريات يمكن أن ينساها الإنسان أصلاً. قامت نظريته على أنك يمكن أن تكون في حالة يتوقف
فيها دماغك عن إنتاج ذكريات على المدى القصير. وعندما تكون في هذه الحالة، في تلك الظلمة العميقة، فإنك لا تتصرّف مثلما
تتصرف عادة لأنك تستجيب إلى آخر شيء تظن أنه حدث ولأنك (طالما أنك لا تنتج أي ذكريات) يمكن ألا تعرف أبداً الشيء الأخير
الذي حدث حقاً. كانت في الكتاب قصص أيضاً... قصص تحذيرية لشاربي الكحول الذين تصيبهم حالات التعتيم هذه: كان هنالك
شخص في نيوجيرسي ثَملَ في حفلة الرابع من تموز. وبعد ذلك، مضى إلى سيارته فقادها عدة أميال في اتجاه خاطئ على الطريق
السريع ثم اصطدم بحافلة تحمل سبعة أشخاص. اشتعلت النار في الحافلة فقتل ستة من ركابها. وأما الشخص المخمور فلم يصبه
سوء. لا يصيبهم السوء أبداً. لم تكن لديه أي ذكرى تتعلّق بقيادته للسيارة.
كان هناك رجل آخر أيضاً، في نيويورك هذه المرة، غادر هذا الرجل البار وقاد السيارة إلى البيت الذي ترعرع فيه، وطعن ساكني البيت
حتى الموت. ثم خلع ثيابه كلها. وعاد إلى سيارته وقادها إلى البيت وآوى إلى فراشه. استيقظ في الصباح التالي مذعوراً، متسائلاً عن
ثيابه... أين هي! لم يعرف كيف وصل إلى بيته. ولم يكتشف أنه ذبح شخصين بوحشية من غير سبب ظاهر على الإطلاق إلا عندما
جاءت الشرطة في أثره.
إذاً، يبدو الأمر سخيفاً... لكنه ليست مستحيلاً. ومع وصولي إلى البيت الليلة الماضية كنت قد توصلت إلى إقناع نفسي بأن لي علاقة،
على نحو ما، باختفاء ميغان.
كان رجلا شرطة جالسَيْن على الأريكة في غرفة المعيشة. واحد في الأربعينات بملابس مدنية، وواحد أصغر منه في ملابس الشرطة
الرسمية، ولديه حَبّ الشباب على رقبته. كانت كاثي واقفة عند النافذة تعصر كفَّيْها. بدت مذعورة. نهض الشرطيان. صافحني ذو
الملابس المدنية الذي كان طويلاً جداً... منحنياً بعض الشيء؛ ثم قدّم نفسه باسم المحقق غاسغيل. وقال لي اسم الشرطي الذي معه
أيضاً، لكني لا أتذكره. لم يكن انتباهي مركّزاً. كنت أتنفس بصعوبة.
سألتهما بصوت عاوٍ: «ما الأمر؟ هل حدث شيء؟ هل هي أمي؟ هل هو توم؟».
«كل شيء على ما يرام يا آنسة واتسون. إننا في حاجة فقط إلى التحدّث معك عَمَّ كنت تفعلينه مساء السبت؟». هكذا قال غاسغيل.
هكذا يقولون في التلفزيون. لم يبدُ لي الأمر حقيقياً. إنهم يريدون معرفة ما فعلته مساء السبت. ماذا فعلت مساء السبت بحق الجحيم؟
قلت: «إنني في حاجة إلى الجلوس»، فأشار المحقق لي أن أجلس مكانه على الأريكة، إلى جانب حب الشباب. كانت كاثي واقفة تنقل
ثقل جسمها من قدم إلى أخرى وتعض شفتها السفلى. بدت محمومة.
سألني غاسغيل: «هل أنت بخير يا آنسة واتسون؟»... قال هذا مشيراً إلى الجرح فوق عيني.
قلت له: «لقد صدمتني سيارة أجرة بعد ظهر البارحة، في لندن. ذهبت إلى المستشفى. تستطيع التحقّق من هذا».
قال هازّاً رأسه هزة خفيفة: «لا بأس! إذاً... مساء السبت؟».
قلت: «ذهبت إلى ويتني»... قلت هذا وأنا أحاول إبعاد الرجفة عن صوتي.
«لتفعلي ماذا؟».
أخرج حب الشباب دفتر ملاحظات ورفع قلمه.
قلت: «أردت أن أرى زوجي».
قالت كاثي: «أوه، يا ريتشل».
تجاهلها المحقق، وقال: «زوجك؟ هل تقصدين زوجك السابق؟ توم واتسون؟»... نعم، لا أزال أحمل اسمه. كان الأمر أكثر سهولة. هكذا لا
أكون مضطرة إلى تغيير بطاقات الائتمان، وعنوان البريد الإلكتروني، والحصول على جواز سفر جديد، وأشياء من هذا القبيل.
«هذا صحيح. أردت أن أراه، لكني قررت أن تلك لم تكن فكرة جيدة... فعدت إلى البيت».
«وفي أي وقت حدث هذا؟».
كان صوت غاسغيل مستوياً مستقرّاً؛ وكان وجهه من غير تعبير على الإطلاق. وعندما يتكلّم، كانت شفتاه لا تتحرّكان إلا قليلاً. كنت
قادرة على سماع خربشة قلم حب الشباب على الورقة. وكنت قادرة على سماع جريان الدم مرعداً في أذنيَّ.
«كان ذلك... أممم... أظن أن ذلك كان قرابة الساعة السادسة. أقصد، أظن أنني ركبت القطار قرابة الساعة الثالثة»...
«وقد عدت إلى البيت في الساعة...؟».
«ربما في السابعة والنصف!»... رفعت رأسي فالتقت نظراتي بعيني كاثي واستطعت أن أرى من تعبير وجهها أنها أدركت كذبي: «ربما كان
ذلك بعد السابعة والنصف بقليل. لعلها كانت أقرب إلى الثامنة. نعم، في الواقع... أتذكر الآن... أظن أنني وصلت إلى البيت بعد الثامنة».
أشعر الآن باللون يعود إلى وجنتيَّ. إذا لم يستطع هذا الرجل إدراك أنني كاذبة، فهو لا يستحق أن يكون رجل شرطة.
استدار المحقق، أمسك بأحد الكراسي عند زاوية الطاولة وشدّها صوبه بحركة سريعة تكاد تكون عنيفة. وضع الكرسي قبالتي مباشرة
على مسافة قدمَيْن مني. جلس عليها واضعاً يديه على ركبتيه مائلاً برأسه على أحد الجانبَين، ثم قال: «طيب! غادرتِ البيت قرابة
السادسة. وهذا يعني أنك وصلت إلى ويتني في السادسة والنصف. ثم عدت إلى هنا قرابة الثامنة. هذا يعني أنك يجب أن تكوني قد
غادرتِ ويتني قرابة السابعة والنصف. هل يبدو هذا حساباً صحيحاً؟».
قلت: «نعم، يبدو هذا صحيحاً». عادت اللجلجة إلى صوتي... فضحَتني. سوف يسألني بعد ثانية أو ثانيتين عمَّ كنت أفعله طيلة ساعة
كاملة. وليست لدي إجابة على ذلك أقدمها له.
«وأنت لم تذهبي في الواقع لرؤية زوجك السابق. فماذا كنت تفعلين خلال تلك الساعة في ويتني؟».
«تجوّلت هناك قليلاً». انتظر المحقق ليرى إن كنت سأضيف شيئاً. فكرت في القول له إنني ذهبت إلى حانة لكن من شأن هذا أن يكون
سخيفاً ـ هذا أمر يمكن التحقّق منه. سيسألني عن اسم الحانة، وسيسألني إن كنت تحدثت فيها مع أحد ما. وبينما كنت أفكر بما يجب
أن أقول له، أدركت أنني لم أفكر حقاً في أن أطلب منه شرح سبب رغبته في معرفة مكان وجودي مساء السبت. لا بد أن عدم سؤالي
يبدو أمراً غريباً في حد ذاته. ولا بد أن هذا يجعلني أبدو مذنبة على نحو ما.
سألني كأنه يقرأ أفكاري: «هل تحدثت مع أحد ما؟ هل ذهبت إلى أحد المتاجر، أو البارات...؟»
«تحدثت مع رجل في المحطة!»... قلت هذا بصوت مندفع مرتفع، شبه منتصر... كأن له معنى... «لكن لماذا تريد أن تعرف هذا؟ ما الذي
يجري؟».
مال المحقق غاسغيل إلى الخلف في كرسيه: «لعلك سمعت أن امرأة من ويتني قد اختفت. امرأة تعيش في طريق بلنهايم على مسافة
بيوت معدودة من بيت زوجك السابق. لقد مضينا هناك من باب إلى باب نسأل الناس إن كانوا يتذكّرون رؤيتها تلك الليلة، أو إن كانوا
يتذكّرون رؤية أو سماع أي شيء غير طبيعي. وخلال استقصاءاتنا هذه، ورد اسمك». سكت المحقق برهة... تاركاً لي وقتاً حتى
أستوعب ما قال. «لقد شوهدت في طريق بلنهايم ذلك المساء، قرابة الوقت الذي غادرت فيه المرأة المختفية، السيدة هيبويل، بيتها.
أخبرتنا السيدة آنّا واتسون أنها رأتك في الشارع بالقرب من بيت السيدة هيبويل، غير بعيد عن بيتها هي. وقالت إنك كنت تتصرفين
على نحو غريب، وإنها أحسّت بالقلق كثيراً في واقع الأمر... إلى حد جعلها تفكر بالاتصال بالشرطة. كان قلبي يرفرف مثل عصفور أطبق
عليه فَخّ. لم أستطع الكلام لأنني لم أستطع أن أرى في تلك اللحظة... لم أستطع أن أرى غير نفسي، مستلقية في ذلك النفق... والدم على
كفّي. دم على كفي! كفي أنا، هل هذا أكيد؟ لا بد أن تلك التي رأيتها كانت أنا نفسي. رفعت رأسي ناظرة إلى غاسغيل فرأيت عينيه
تنظران في عينيّ وعرفت أن عليَّ أن أقول شيئاً، أن أقوله سريعاً، حتى أمنعه من قراءة أفكاري. قلت له: «لم أفعل شيئاً. لم أفعل شيئاً.
فقط... فقط أردت أن أرى زوجي».
صحّح غاسغيل كلامي مرة ثانية: «زوجك السابق». أخرج صورة فوتوغرافية من جيب سترته وجعلني أراها. كانت صورة ميغان. سألني
هل رأيت هذه المرأة ليلة السبت؟ حدّقت في الصورة زمناً طويلاً. بدا أمراً غير واقعي أن تُقَدَّم لي هذه الصورة على هذا النحو...
الشقراء الجميلة التي كنت أراقبها... تلك التي أنشأتُ حياتها وفكّكتها في رأسي. كانت صورة قريبة للوجه... صورة احترافية. وكانت
ملامح وجهها أثقل قليلاً مما تخيّلت؛ لم تكن دقيقة مثل ملامح جس التي في خيالي. «هذه هي السيدة واتسون؟ هل شاهدتها؟»
لم أعرف إن كنت قد شاهدتها. صدقاً لم أكن أعرف. لا أزال لا أعرف. قلت له: «لا أظن ذلك».
«أنت لا تظنين ذلك! إذاً، من الممكن أن تكوني قد رأيتيها؟».
«أنا... لست متأكدة».
سألني: «هل كنت تشربين مساء السبت؟ قبل أن تذهبي إلى ويتني... هل كنت تشربين؟».
صعدت الحرارة مندفعة من جديد إلى وجهي. قلت: «نعم».
«قالت السيدة واتسون ـ آنّا واتسون ـ إنها تظن أنك كنت ثملة عندما رأتك قرب بيتها. هل كنتِ ثملة؟».
قلت: «لا». أبقيت عينيّ ثابتتين على المحقق حتى لا أرى نظرة كاثي... «كنت قد شربت كأسين بعد الظهر. لكني لم أكن ثملة».
تنهّد المحقق غاسغيل. بدا خائب الظن. التفت إلى حب الشباب، ثم نظر إليّ من جديد. نهض واقفاً على قدميه، بطيئاً، متمهّلاً، ثم دفع
الكرسي فأعاده إلى موضعه تحت الطاولة. قال لي: «إذا تذكرت أي شيء عن ليلة السبت، أي شيء يمكن أن يكون مفيداً لنا، فهل
تتصلين بي من فضلك؟». ثم ناولني بطاقة عليها رقم هاتفه.
وبينما أومأ غاسغيل برأسه صوب كاثي مستعداً للمغادرة، استرخيت في جلستي على الأريكة. أستطيع أن أشعر بنبض قلبي يتباطأ من
جديد، ثم يسرع من جديد عندما سمعته يسألني: «أنت تعملين في العلاقات العامة، أليس كذلك؟ في شركة هنتينغدون وايتلي؟».
قلت: «هذا صحيح. لدى هنتينغدون وايتلي».
سوف يتحقّق من ذلك. وسيعرف عندها أنني كذبت. لا أستطيع أن أتركه يكتشف الحقيقة بنفسه. عليّ أن أخبره.
إذاً، ذلك ما سوف أفعله هذا الصباح. سوف أذهب إلى قسم الشرطة حتى أبرئ ساحتي. سوف أقول له كل شيء: سأقول له إنني فقدت
عملي منذ شهور؛ وإنني كنت في غاية الثمالة ليلة السبت؛ وإنني لا أعرف في أي ساعة عدت إلى البيت. سأقول ما كان يجب أن أقوله
ليلة أمس: إنه ينظر في الاتجاه الخاطئ. سأقول له إنني أعتقد أن لميغان هيبويل علاقة غرامية سرية.
في المساء
تظن الشرطة أنني أتهرّب. تظن أنني مختلّة... غير مستقرة عقلياً. ما كان يجب أبداً أن أذهب إلى قسم الشرطة. لقد جعلت وضعي أسوأ،
ولا أظن أنني ساعدت سكوت، وهذا كان السبب الذي جعلني أذهب إلى الشرطة في المقام الأول. إنه في حاجة إلى مساعدتي لأن من
الواضح أن الشرطة سوف تشتبه به. وأنا أعرف أن هذا غير صحيح، لأنني أعرفه. أشعر بذلك حقاً... مهما بدا الأمر مجنوناً. لقد رأيته
معه. لا يمكن أن يكون قد ألحق بها أيّ أذى.
لا بأس، لم تكن مساعدة سكوت السبب الوحيد لذهابي إلى الشرطة. كانت هناك مسألة الكذبة أيضاً، الكذبة التي كانت في حاجة إلى
تصحيح. تلك الكذبة عن عملي في شركة هنتينغدون وايتلي.
لزمني وقت طويل حتى أستجمع من الشجاعة ما يكفي لجعلي أدخل إلى القسم. كنت على وشك الاستدارة والعودة إلى البيت، عشرات
المرات؛ لكنني دخلت آخر الأمر. سألت الرقيب على تلك الطاولة إن كنت أستطيع التحدث مع المحقق غاسغيل. فأرشدني إلى غرفة
انتظار مزدحمة جلست فيها أكثر من ساعة قبل أن يأتي أحد إليّ. كنت أتعرَّق طيلة ذلك الوقت وأرتجف مثل امرأة يسوقونها إلى
خشبة الإعدام. أخذوني إلى غرفة أخرى، أصغر من الأولى وأكثر اختناقاً. غرفة من غير هواء ولا نوافذ. تركوني هناك نحو عشر دقائق
أخرى قبل أن يأتي غاسغيل ومعه امرأة في ملابس مدنية أيضاً. حيّاني غاسغيل بأدب. لم تبدُ عليه الدهشة لرؤيتي. قدم لي مرافقته
باسم المحقِّقة الرقيب رايلي. إنها أصغر مني سناً، طويلة، رشيقة، سوداء الشعر، جميلة ذات ملامح حادة... ثعلبية على نحو ما. لم تردّ
على ابتسامتي.
جلسنا جميعاً ولم يقل أحد منا شيئاً. كانا ينظران إليّ منتظرَين ما أريد قوله.
قلت: «تذكرت الرجل. قلت لك إنني تحدثت مع رجل في المحطة. أستطيع أن أصفه الآن». رفعت رايلي حاجبيها بشكل خفيف جداً ثم
تململت في مقعدها. «كان متوسط الطول، متوسط البنية، أحمر الشعر. انزلقت على درجات السلم فأمسك بذراعي». انحنى غاسغيل إلى
الأمام مسنداً مرفقيه إلى الطاولة وواضعاً يديه أمام فمه. «كان يرتدي... أظن أنه كان يرتدي قميصاً أزرق».
ليس هذا صحيحاً في الواقع. إنني أتذكر رجلاً. وأنا واثقة تماماً من أن شعره كان أحمر اللون. وأظن أنه ابتسم لي، أو تظاهر بالابتسام
لي، عندما كنا في القطار. وأظن أنه نزل من القطار في ويتني. وأظن أنني يمكن أن أكون قد تحدثت معه. من الممكن أن أكون قد
انزلقت على السلم. إنني أذكر هذا؛ لكني لا أستطيع أن أحدّد إن كانت تلك الذكرى عائدة إلى ليلة السبت أو إلى وقت آخر. لقد انزلقت
مرات كثيرة، على سلالم كثيرة. وليست لديّ فكرة أبداً عن ملابسه في ذلك الوقت.
لم تُحدِث قصتي انطباعاً لدى المحققين. هزّت رايلي رأسها هزّة لا تكاد تُرى. فك غاسغيل تشابك كفيه ثم فتحهما أمامه على الطاولة،
الراحتان إلى الأعلى. سألني: «لا بأس! هل هذا ما جئت تخبرينا به حقاً يا آنسة واتسون؟». ما كان في نبرة صوته أيّ غضب... بدا كأنه
يشجّعني. تمنيت لو تخرج رايلي من الغرفة. لو خرجت، لاستطعت التحدث معه... لاستطعت الثقة به.
قلت: «لم أعد أعمل لدى شركة هنتينغدون وايتلي».
«أوه!» ... ارتدّ إلى الخلف مستنداً في مقعده وبدا عليه اهتمام أكثر من قبل.
«تركت العمل منذ ثلاثة أشهر. إن شريكتي في السكن ـ نعم إنها صاحبة المنزل في الحقيقة ـ لم أخبرها عن ذلك أحاول العثور على
وظيفة أخرى. لم أحب أن أخبرها بالأمر لأنني ظننت أنها يمكن أن تقلق بخصوص دفع الإيجار. لديّ بعض النقود. أستطيع أن أدفع
الإيجار، لكن... على أي حال، لقد كذبت عليكَ البارحة في ما يتعلّق بعملي. وأنا أعتذر عن تلك الكذبة».
انحنت رايلي صوب الطاولة ومنحتني ابتسامة غير صادقة: «أرى إذاً أنك ما عدتِ تعملين في شركة هنتينغدون وايتلي. وأنت لا تعملين
في أي مكان آخر أيضاً، هل هذا صحيح؟ أنت عاطلة عن العمل؟»... أومأت برأسي... فأضافت: «لا بأس!... أنت لا توقّعين الآن على سجل
الوصول إلى العمل... لا شيء من هذا القبيل؟».
«لا».
«كما أن... شريكتك في السكن... لم تلاحظ أنك لا تذهبين إلى العمل كل يوم؟».
«إنني أذهب! لا أقصد أنني أذهب إلى المكتب، لكنني أذهب إلى لندن، مثلما اعتدت أن أذهب سابقاً، في الوقت نفسه وكل شيء... وذلك
حتى لا... حتى لا تعرف». ألقت رايلي نظرة على غاسغيل. لكنَّ عينيه ظلتا مثبتتين على وجهي. بدا بين عينيه أثر للعبوس. قلت: «يبدو
هذا غريباً، أعرف ذلك»... لكنني سكتت لأن الأمر لا يبدو غريباً فحسب... يبدو جنوناً عندما تقوله بصوت مرتفع.
«نعم! كنت تتظاهرين إذاً بالذهاب إلى العمل كل يوم؟». هكذا سألتني رايلي وقد انعقد حاجباها أيضاً كأنها قلقة عليّ... كأنها تظنّني
مختلة تماماً. لم أنطق، ولم أومئ برأسي، ولم أفعل شيئاً... بقيت صامتة. «هل أستطيع أن أسألك عن سبب تركك العمل يا آنسة
واتسون؟».
لا معنى للكذب. إن كانوا لم يقرروا التحقّق من سجلّي الوظيفي قبل هذا الحديث، فسوف يتحقّقون منه الآن. قلت لها: «لقد طردوني».
قالت رايلي وقد بدت في صوتها نبرة الرضا: «لقد فُصلت من العمل إذاً». كان من الواضح أنها توقّعت هذه الإجابة... «وما سبب ذلك؟»
أطلقتُ زفرة صغيرة ثم استنجدت بغاسغيل: «هل هذا مهم حقاً؟ هل يهمكم سبب تركي العمل؟»
لم يقل غاسغيل شيئاً، كان ينظر في بعض الملاحظات التي سجلتها رايلي ودفعتها أمامه. لكنه لم يهزّ رأسه، ولو قليلاً. غيرت رايلي
وجهة كلامها.
«آنسة واتسون! كنت أريد أن أسألك عن ليلة السبت». التفتّ إلى غاسغيل ـ لقد جرى بيننا هذا الحديث ـ لكنه لم يكن ينظر إليّ. قلت: «لا
بأس». كنت أرفع يدي صوب رأسي باستمرار... ألمس مكان الإصابة فيه. لم أستطع التوقف عن ذلك.
«أخبريني... لماذا ذهبت إلى شارع بلنهايم ليلة السبت. لماذا أردت الحديث مع زوجك السابق؟».
قلت: «لا أظن حقاً أن هذا من شأنك»، ثم قلت سريعاً قبل أن يتاح لها الوقت لأن تقول شيئاً آخر: «هل من الممكن أن أحصل على كأس
من الماء؟».
نهض غاسغيل واقفاً وغادر الغرفة. لم تكن هذه النتيجة التي أردتها. لم تنطق رايلي بكلمة. ظلت تنظر إليّ. لا يزال على شفتيها ظل
ابتسامة. لم أستطع تحمل تحديقها، فنظرت إلى الطاولة. تركت عينيّ تتجولان في أرجاء الغرفة. أعرف أن هذا أسلوب تكتيكي: هي
تظل صامتة حتى يصبح الوضع مزعجاً فأضطر لقول شيء ما، حتى إذا كنت لا أريد قوله حقاً. قلت لها: «كان عندي أشياء أردت
مناقشتها معه، أشياء خاصة». بدت نبرتي متكبّرة، وسخيفة.
تنهدت رايلي. عضضت على شفتي وقررت ألا أقول شيئاً آخر قبل أن يعود غاسغيل إلى الغرفة. وعندما عاد ووضع أمامي كأساً فيها ماء
غائم اللون، تكلّمَت رايلي.
قالت تستحثني على الكلام: «أشياء خاصة؟»
«هذا صحيح».
تبادل رايلي وغاسغيل نظرة سريعة. لم أعرف إن كانت نظرة انزعاج أو سخرية. كنت قادرة على الإحساس بملوحة العرق على شفتي
العليا. رشفت جرعة من الماء. بدا طعمه بائتاً. قلب غاسغيل الأوراق أمامه ثم دفعها جانباً كما لو أنه انتهى منها، أو كما لو أن ما فيها لم
يثر اهتمامه كثيراً.
«أنسة واتسون... قالت... آآآ... قالت زوجة زوجك السابق، السيدة آنّا واتسون إنها قلقة بسببك. أخبرَتنا أنك تزعجينها، وتزعجين زوجها.
وإنك أتيت إلى البيت من غير دعوة، وأنك... ذات مرة...»، ألقى غاسغيل نظرة على ملاحظاته لكن رايلي قاطعته ومضت تقول:
«ذات مرة، اقتحمتِ بيت السيد والسيدة واتسون وأخذت طفلتهما الرضيعة».
انفتح ثقب أسود في وسط الغرفة فابتلعني. قلت: «هذا غير صحيح! لم آخذ... لم يحدث الأمر هكذا، هذا غير صحيح. لم أفعل ذلك... لم
آخذها».
استولى عليّ الاضطراب في تلك اللحظة، وبدأت أهتز وأصرخ. قلت إنني أريد الذهاب. دفعت رايلي مقعدها إلى الخلف ونهضت واقفة.
ثم رفعت كتفيها ناظرة إلى غاسغيل وغادرت الغرفة. ناولني غاسغيل منديلاً ورقياً.
«تستطيعين الذهاب في أي وقت تريدين يا آنسة واتسون. أنت أتيت إلى هنا حتى تتحدثي معنا». ابتسم لي عند ذلك... كأنها ابتسامة
اعتذار. أحببته في تلك اللحظة، ووددت أن أمسك يده وأضغط عليها. لكني لم أفعل ذلك لأن من شأن هذا أن يبدو غريباً، غير طبيعي.
قال لي: «أظن أن لديك المزيد مما يمكن أن تقوليه لي»... أحببته أكثر لأنه قال «لي» بدلاً من أن يقول «لنا». قال وهو ينهض ويقودني
صوب الباب: «قد تكونين في حاجة إلى استراحة، إلى تحريك ساقيك أو إلى تناول بعض الطعام. عند ذلك، عندما تصبحين مستعدة،
عودي... تستطيعين إخباري أي شيء تريدين».
كنت أعتزم نسيان الأمر كله والذهاب إلى البيت. وكنت ماشية في طريق عودتي إلى محطة القطار مستعدة لإدارة ظهري وترك كل
شيء ورائي. لكنني فكرت في رحلة القطار، في المجيء والذهاب على ذلك الخط، من أمام بيت ميغان وسكوت... كل يوم. ماذا لو لم
يعثروا عليها أبداً؟ سوف أظل أتساءل إلى الأبد ـ رغم أنني أعتقد أن ذلك بعيد الاحتمال. لكن رغم ذلك سوف أظل أتساءل عما إذا كان
قولي أي شيء يمكن أن يساعدها. ماذا لو اتهموا سكوت بإيذائها لأنهم لا يعرفون شيئاً عن ب؟ ماذا لو كانت في بيت ب الآن، في هذه
اللحظة، مقيَّدة في القبو، مضروبة، نازفة... أو مدفونة في الحديقة؟
فعلت مثلما قال لي غاسغيل. اشتريت سندويشاً بالجبن واللحم وزجاجة ماء من المتجر عند الزاوية، ثم ذهبت إلى حديقة ويتني
الوحيدة: بقعة صغيرة، شبه بائسة، من الأرض تحيط بها بيوت من الثلاثينات ويغطيها، كلها تقريباً، ملعب أسفلتي.
جلست على مقعد عند طرف تلك البقعة ورحت أنظر إلى الأمَّهات والنساء اللواتي تعتنين بالأطفال وهن يوبّخنهم لأنهم يأكلون الرمل.
كنت أحلم بهذا في ما مضى، قبل بضع سنين. حلمت بالمجيء إلى هنا، بالطبع، ليس لأكل اللحم والجبن بين مقابلتين مع الشرطة.
حلمت أن آتي إلى هنا مع طفلي أنا. فكرت وقتها بعربة الأطفال التي سأشتريها، وبذلك الوقت كله الذي سوف أمضيه قي متجر تروترز
وفي متجر إيرلي ليرنينغ سنتر... أبحث عن مقاسات مناسبة لملابس أطفال رائعة وعن ألعاب تعليمية. كنت أفكر وقتها أنني سأجلس
هنا أهزّ لفافة الفرحة، لفافتي أنا، أهزها في حضني. لم يحدث هذا. لم يستطع أي طبيب أن يفسر لي السبب الذي يجعلني غير قادرة
على الحبل. إنني صغيرة السن إلى حد كافٍ، ولائقة جسدياً إلى حد كافٍ. لم أكن أشرب كثيراً عندما كنا نحاول الإنجاب. كانت نطاف
زوجي نشطة، ووافرة. لكن الأمر لم يحدث. لم أعاني عذاب الإجهاض... لم أحبل أبداً... هكذا فقط. لقد جرّبنا طفل الأنبوب مرة واحدة...
كان هذا كل ما استطعنا تحمّل تكلفته. كانت تجربة غير سارّة ـ مثلما حذّرنا الجميع ـ كانت غير ناجحة. لكنَّ أحداً لم يحذّرني من أنها
سوف تحطّمنا. لكنها حطمتنا حقاً. أو، لعلها على الأصح حطمتني أنا، ثم حطمتنا.
المشكلة في العقم هو أن المرء لا يستطيع الابتعاد عنه، لا يستطيع نسيانه. ليس عندما تكون في الثلاثينات من عمرك. كانت صديقاتي
تنجبن الأطفال، وكانت صديقات صديقاتي تنجبن الأطفال، وكان الحبل والولادة وحفلات عيد الميلاد الأول في كل مكان من حولي.
كانوا يسألونني عن هذا، طيلة الوقت. أمي، صديقاتي، زميلاتي في العمل. كانوا يسألون... متى سيأتي دوري؟ وفي لحظة ما، صار عدم
إنجابنا موضوعاً مقبولاً في الأحاديث التي تجري من حول عشاء يوم الأحد، ليس فقط بيني وبين توم، بل بشكل عام. كانوا يسألون
عن المحاولات التي نجريها، ويقولون لنا ما يجب أن نفعله... هل تظنين حقاً أن من الملائم أن تشربي كأساً ثانية من النبيذ؟ كنت لا أزال
شابة، وكان لا يزال أمامي وقت كثير، لكن الفشل أحاط بي، مثل عباءة... طغى عليَّ، وشدّني إلى الأسفل... فتخلّيت عن كل أمل. في
ذلك الوقت، كرهت حقيقة أنهم جميعاً يعتبرون ذلك غلطتي أنا... إنني أنا سبب الفشل. لكن، وبالنظر إلى السرعة التي تمكّن بها توم من
جعل آنّا تحبل، فمن الواضح أن رجولته لم تكن تعاني أي مشكلة. لم يكن صحيحاً ظنّي أننا يجب أن نتقاسم اللوم. كان الفشل كله
فشلي أنا.
أنجبت لارا، صديقتي الأولى منذ الجامعة، طفلين خلال سنتَيْن: صبي أولاً ثم بنت. لم أحب طفلَيْها. لم أكن راغبة في سماع أي شيء
عنهما. لم أرغب في أن أكون قريبة منهما. كفّت لارا عن الحديث معي بعد فترة. وكانت معي في العمل فتاة أخبرتني ـ أخبرتني عرضاً،
كأنها كانت تتحدث عن استئصال الزائدة الدودية أو عن قلع ضرس العقل ـ بأنها أجرت إجهاضاً قبل فترة، إجهاضاً طبّياً، وقالت إن ذلك
الإجهاض كان أقل إزعاجاً من الإجهاض الجراحي الذي أجرته عندما كانت في الجامعة. لم أستطع التكلم معها بعد ذلك... صرت لا أكاد
أطيق النظر إليها. صار الوضع غريباً في المكتب... فالناس يلاحظون.
لم تكن مشاعر توم مثل مشاعري. لم يكن الفشل فشله أصلاً؛ ثم إنه لم يكن في حاجة حقيقية إلى طفل... ليس بقدر حاجتي أنا. لقد
أراد أن يصبح أباً، أراد ذلك فعلاً ـ أنا واثقة من أنه كان يحلم بتقاذف الكرة في الحديقة مع ابنه، أو بحمل ابنته على كتفيه في الحديقة-
لكنه رأى أيضاً أن حياتنا يمكن أن تكون عظيمة من غير أطفال. نحن سعيدان... هكذا كان يقول لي... فلماذا لا نستطيع أن نستمر كذلك
ونظل سعيدَيْن؟ أصابه القنوط بسببي. لم يستطع أبداً فهم أن من الممكن أن يفتقد المرء شيئاً لم يكن لديه من قبل، وأن يقيم حداداً
عليه.
أحسست بالعزلة في بؤسي. صرت وحيدة فرحت أشرب، بعض الشيء. ثم رحت أشرب أكثر قليلاً. ثم شعرت بوحدة أكبر لأن أحداً لا
يحب أن يكون بالقرب من شخص مخمور. خسرت وشربت، وشربت وخسرت. كنت أحبّ عملي، لكني لم أكن متألقة فيه. وحتى لو كنت
متألقة... لنكن صادقين: لا تزال المرأة تحظى بالتقدير لأمرين اثنين ـ شكلها، وأمومتها. أنا لست جميلة؛ ولا أستطيع إنجاب الأطفال...
فماذا يجعلني هذا؟... عديمة القيمة.
لا أستطيع إلقاء اللوم في هذا كله على أنني أشرب. لا أستطيع إلقاء اللوم على والديّ، ولا على طفولتي، ولا على عمٍّ كان يسيء
معاملتي، ولا على مأساة مرعبة ما. أنا المخطئة. لقد كنت أشرب على أيّ حال... لقد أحببت الشرب دائماً. لكني صرت أكثر حزناً، وصار
الحزن مضجراً بعد فترة... يصير الحزن مضجراً للشخص الحزين نفسه، ولكل من حوله. وعند ذلك تحولت من امرأة تشرب إلى امرأة
ثملة... لا شيء أكثر إضجاراً من هذا.
إنني في وضع أفضل الآن... في ما يتعلق بمسألة الأطفال. تحسّنت أحوالي منذ أن صرت وحدي. كان عليّ أن أصير وحدي. قرأت كتباً
ومقالات فأدركت أنني يجب أن أتصالح مع هذه الحقيقة. هنالك استراتيجيات، وهنالك أمل. إذا أصلحت أموري، وصحوت قليلاً، فإن
أمامي احتمال أن أنجح في تبنّي طفل. ثم إنني لم أبلغ الرابعة والثلاثين بعد. لم يفت الأوان. إنني الآن أحسن حالاً مما كنت عليه قبل
بضع سنوات... عندما كنت أترك الحافلة أو متجر البقالة إذا رأيت المكان مكتظاً بالأمهات والأطفال. في ذلك الوقت، لم أكن قادرة على
المجيء إلى حديقة مثل هذه الحديقة. لم أكن قادرة على الجلوس قرب ملعب الأطفال ومشاهدة أطفال محبوبين ينزلقون على
درّاجاتهم الصغيرة. مرت بي أوقات، عندما كنت في أسوأ أحوالي، عندما كان الجوع على أشده، كنت أظن فيها أنني سأفقد عقلي.
لعلي فقدت عقلي... حيناً من الزمن. عندما سألوني عن ذلك في قسم الشرطة... لعلي كنت مجنونة في تلك اللحظة. كان ثمة شيء قاله
توم مرة، شيء جعل الكيل يفيض بي... جعلني أنزلق بعيداً. بل هو شيء كتبه: قرأته في فيس بوك ذلك الصباح. لم يكن الأمر صدمة ـ
كنت أعرف أنها على وشك الإنجاب، فقد أخبرني توم. كما أنني رأيتها، ورأيت الستارة الوردية في نافذة غرفة الطفل في البيت. إذاً،
كنت أعرف ما سيأتي. لكني اعتبرت الطفل طفلها هي. بقيت كذلك حتى ذلك اليوم، عندما رأيت صورته حاملاً طفلته المولودة حديثاً،
ناظراً إليها، مبتسماً. كتب تحت الصورة: «هكذا... هذه هي سبب تلك الضجة كلها! لم أعرف حبّاً مثل هذا من قبل! إنه أسعد يوم في
حياتي!»... فكرّت فيه وهو يكتب ذلك. عارفاً أنني سوف أقرأه، سوف أقرأ تلك الكلمات، وأنها ستقتلني... لكنه كتبها. لم يكن يبالي. لا
يبالي الأهل بشيء أبداً، إلا بأطفالهم. إنهم مركز الكون كله. إنهم كل ما يهمهم. لا أهمية لأيّ شخص آخر، لا أهمية لأيّ شخص يعاني أو
يفرح... فلا شيء حقيقياً في ذلك كله.
كنت غاضبة. مذهولة. بل ربما كنت توّاقة إلى الانتقام. ربما... فكرّت في جعلهم يرون أن عذابي حقيقي. لست أدري. لقد فعلت فعلة
غبية.
عدت إلى قسم الشرطة بعد ساعتين. وسألت إن كنت أستطيع مقابلة غاسغيل وحده. لكنه قال إنه يريد وجود رايلي. صرت أحبه أقل
من ذي قبل، قليلاً.
قلت: «لم أقتحم بيتهما. لقد ذهبت إلى البيت، وأردت الكلام مع توم. لم يُجِب أحد عندما قرعت جرس الباب».
سألتني رايلي: «إذاً، هل دخلتِ البيت؟».
«كان الباب مفتوحاً».
«هل كان باب البيت مفتوحاً؟».
ثم أردفت:«هل كان الباب الأمامي مفتوحاً؟».
تنهّدت: «لا، لم يكن مفتوحاً بالطبع؟ كان الباب المفتوح هو الباب الذي في الجهة الخلفية من البيت، الباب المفضي إلى الحديقة».
«وكيف وصلتِ إلى الحديقة الخلفية؟».
«عبرت من فوق السياج. إنني أعرف طريق الدخول...».
«إذن، فقد تسلقت السياج حتى تصلي إلى بيت زوجك السابق، أليس كذلك؟».
«صحيح. كنا معتادين أن... هنالك دائماً مفتاح احتياطي خلف البيت. لدينا مكان نخبّئ المفتاح فيه... إذا فقد أحد منا مفاتيحه، أو
نسيها، أو أي شيء. لكني لم أكن أحاول اقتحام البيت. لم أقتحم البيت. أردت فقط أن أتحدث مع توم. ظننت أنه ربما... ربما لم يكن
الجرس يعمل، أو شيء من هذا القبيل».
سألتني رايلي: «كان الوقت منتصف النهار، خلال أيام العمل، أليس كذلك؟ ما الذي جعلك تظنين أن زوجك السابق سيكون في البيت.
هل اتصلت للسؤال عن ذلك؟».
«يا ربي! لماذا لا تتركيني أتكلم؟»... قلت هذا صائحة فهزت رأسها ومنحتني تلك الابتسامة من جديد، كما لو أنها كانت تعرفني، كما لو
أنها كانت تستطيع قراءة أفكاري. قلت لها محاولة أن أضبط ارتفاع صوتي: «عبرت من فوق السياج. ودققت بيدي على الباب الزجاجي
الذي كان مفتوحاً قليلاً. لم أسمع إجابة. أدخلت رأسي من الباب وناديت توم. لا إجابة، من جديد... لكنني كنت أسمع بكاء الطفلة. دخلت
ورأيت أن آنّا...».
«تقصدين السيدة واتسون، أليس كذلك؟».
«نعم، كانت السيدة واتسون نائمة على الأريكة. وكانت الطفلة في كرسيّها تبكي، بل تزعق في الواقع... كان وجهها محمراً، وكان من
الواضح أنها تبكي منذ فترة». عندما قلت تلك الكلمات، فاجأني تماماً أنني كان يجب أن أخبرهما بأنني سمعت الطفلة تبكي من الشارع،
وأن هذا هو السبب الذي جعلني أدور حول البيت لأصل إلى الباب الخلفي. كان من شأن هذا أن يجعلني أبدو أقل جنوناً.
سألتني رايلي: «إذن، كانت الطفلة تزعق، وكانت أمها هناك، لكنها لم تستيقظ؟»
«صحيح». كانت رايلي متكئة بمرفقيها على الطاولة... يداها عند فمها... لا أستطيع قراءة تعبير وجهها بشكل واضح. لكنني أعرف أنها
تظنني كاذبة. «حملت الطفلة لكي أهدِّئها. هذا كل ما في الأمر. حملتها حتى تهدأ».
«لكن هذا ليس كل شيء، صحيح؟... لأن آنّا استيقظت ولم تجدك هناك، أليس كذلك؟ كنت في الأسفل عند السياج، بالقرب من خط
القطار».
قلت: «لم تتوقف الطفلة عن البكاء فوراً. كنت أهزّها، لكنها كانت ماضية في البكاء. وهكذا خرجت بها».
«حتى خط القطار؟».
«ضمن الحديقة».
«هل كنت تعتزمين إلحاق الأذى بطفلة واتسون؟».
قفزت واقفة على قدميَّ عندما سمعت هذه الكلمة. كانت هذه حركة مبالَغاً فيها، أعرف ذلك، لكنني أردت أن أجعلهما يريان ـ أن أجعل
غاسغيل يرى مدى فظاعة ذلك الإيحاء. «لست مضطرة إلى الاستماع إلى هذا! جئت إلى هنا حتى أخبركما عن الرجل! جئت هنا حتى
أساعدكما! وماذا الآن؟... بماذا تتهمونني على وجه التحديد؟ بماذا تتهمونني؟»
ظل غاسغيل ساكناً، غير متأثّر. أشار إليَّ بأن أجلس من جديد، وقال: «آنسة واتسون! إن الأخرى... أقصد السيدة واتسون ـ آنّا ـ ذكرت
اسمك أمامنا خلال استقصاءاتنا في ما يتعلق بميغان هيبويل. قالت لنا إن تصرفاتك كانت غير منطقية، وإنك كنت في حالة غير
مستقرّة، في الماضي. وقد ذكرت هذه الحادثة مع الطفلة، وقالت إنك تزعجينها وتزعجين زوجها، وإنك تواصلين الاتصال ببيتهما
دائماً». نظر في الملاحظات المكتوبة أمامه لحظة ثم قال: «تقريباً كل ليلة، في الحقيقة. قالت إنك ترفضين قبول أن زواجك قد انتهى».
«هذا غير صحيح أبداً!»... قلت هذا مصرّة... وهو لم يكن صحيحاً أيضاً ـ نعم إنني أتصل بتوم من وقت لآخر، لكن ليس كل ليلة. هذه
مبالغة محض. لكني صرت أشعر الآن أن غاسغيل ليس واقفاً في صفي في الحقيقة. بدأت، من جديد أشعر أنني موشكة على البكاء.
سألتني رايلي: «لماذا لم تغيّري اسمك؟».
«عفواً!».
«لازلت تستخدمين اسم زوجك السابق. لماذا؟ إذا تركني رجل وذهب مع امرأة أخرى، فأظن أنني سأكون راغبة في التخلص من ذلك
الاسم. لن أكون بالتأكيد راغبة في أن أحمل الاسم الذي صارت تحمله امرأة حَلّت محلّي...».
«طيب... قد لا أكون تافهة ضيّقة الأفق إلى هذا الحد». إنني ضيقة الأفق. أكره كونها تحمل اسم آنّا واتسون.
«نعم! والخاتم ـ الخاتم المعلّق في سلسلة حول رقبتك. هل هو خاتم الزواج؟».
قلت كاذبة: «لا! إنه... إنه خاتم جدتي».
«هل هذا صحيح؟ طيب... لا بأس. عليّ أن أقول إن سلوكك يوحي، بالنسبة لي... مثلما أشارت السيدة واتسون... بأنك غير راغبة في
التحرك إلى الأمام، وبأنك ترفضين قبول أن زوجك السابق صارت لديه أسرة جديدة».
«لست أرى...».
وأكملت رايلي جملتي: «العلاقة بين هذا ومسألة ميغان هيبويل! لا بأس! لدينا تقارير تفيد أنك شوهدت ليلة اختفاء ميغان -أنت امرأة
غير مستقرة تشرب كثيراً ـ في شارعها نفسه. وعندما نتذكر أن هنالك نقاط تشابه بين مظهر ميغان ومظهر السيدة واتسون...».
«لا تشبه إحداهما الأخرى أبداً!»... أغضبتني هذه الفكرة كثيراً. جس لا تشبه آنّا أبداً. ميغان لا تشبه آنّا أبداً.
«كلتاهما شقراء، رشيقة، قصيرة، شاحبة الجلد...».
«أنت تظنين إذاً بأنني هاجمت ميغان هيبويل ظانّة أنها آنّا؟ هذا أغبى شيء أسمعه في حياتي كلها». قلت هذا، لكن الحدبة في رأسي
بدأت تنبض من جديد... لا يزال كل شيء منذ ليلة السبت تلك غارقاً في ظلمة عميقة.
سألني غاسغيل فأحسست فمي ينفتح دهشة: «هل كنت تعرفين أن آنّا واتسون تعرف ميغان هيبويل؟»
«إنني... ماذا؟ لا... لا، لا تعرف إحداهما الأخرى».
ابتسمت رايلي لحظة ثم استعادت خلوّ وجهها من التعبير: «نعم، تعرف إحداهما الأخرى. كانت ميغان تعتني بطفلة الزوجين واتسون...»
ألقت نظرة على الملاحظات التي أمامها... «كان ذلك في شهرَيْ آب وأيلول من العام الماضي». لم أعرف ما أقول. لا أستطيع أن أتخيل
هذا: ميغان في بيتي، معها هي! مع طفلتها!
سألني غاسغيل: «هذا الجرح في شفتك، هل هو بسبب حادث السيارة في ذلك اليوم؟».
«صحيح. أظن أنني عضضت على شفتي عندما سقطت».
«أين وقع ذلك الحادث؟».
« في لندن، في طريق ثيوبالدز رود. بالقرب من هولبورن».
«وماذا كنت تفعلين هناك؟»
«ماذا تقصد؟».
«لماذا كنتِ في وسط لندن؟».
رفعت كتفي وقلت بصوت بارد: «لقد أخبرتك من قبل. لا تعرف شريكتي في السكن أنني فقدت عملي. ولذلك أذهب إلى لندن كالمعتاد.
أذهب إلى المكتبات، إلى مكاتب التشغيل، وأعمل على سيرتي الذاتية أيضاً».
هزت رايلي رأسها... لعلها لا تصدقني، أو لعلها تَعجَب لحالي. كيف يمكن أن يصل أي إنسان إلى هذه النقطة.
دفعت الكرسي إلى الخلف مستعدة للمغادرة. لقد اكتفيت من هذا الحديث مع أناس ينظرون إليّ من فوق... اكتفيت من هذه الحالة التي
تجعلني أبدو كأنني مخبولة، كأنني امرأة مجنونة. جاء وقت لعب ورقتي القوية. قلت لهما: «لا أعرف حقاً السبب الذي يجعلنا نتكلم في
هذا. كنت أظن أن لديكما شيئاً أفضل تفعلانه، كالتحقيق في اختفاء ميغان هيبويل. أظنكما تحدثتما مع حبيبها؟». لم يقل أيّ منهما
شيئاً. راحا يحدّقان في وجهي. لم يتوقّعا هذا. إنهما لا يعرفان شيئاً عنه. قلت: «ربما لا تعرفان. كانت ميغان هيبويل على علاقة
غرامية». ثم بدأت السير صوب الباب. أوقفني غاسغيل. تحرك بهدوء وبسرعة مدهشة. وقبل أن أضع يدي على مقبض الباب، كان قد
انتصب واقفاً أمامي.
سألني: «ظننت أنك لا تعرفين ميغان هيبويل!»
قلت: «لا أعرفها»... ثم حاولت تجاوزه.
قال لي وهو يعترض طريقي: «اجلسي».
أخبرتهما بما شاهدته من القطار. أخبرتهما أنني كنت كثيراً ما أرى ميغان جالسة على شرفتها، أو مستلقية في شمس بعد الظهر، أو أراها
تشرب القهوة في الصباح. أخبرتهما كيف رأيتها الأسبوع الماضي مع شخص آخر من الواضح أنه ليس زوجها. أخبرتهما أنني رأيتهما
يتبادلان القَُبَل على المرج.
قال غاسغيل بصوت حاد: «متى كان هذا؟» بدا منزعجاً مني. لعله منزعج لأنني كان يجب أخبره بهذا الأمر مباشرة بدلاً من قضاء اليوم
كله متحدّثة عن نفسي.
«يوم الجمعة، كان ذلك صباح يوم الجمعة».
«إذاً في اليوم الذي سبق اختفاءها شاهدتِها مع رجل آخر؟»... سألتني رايلي وهي تطلق زفرة انزعاج. أغلقت الملف الذي أمامها.
استرخى غاسغيل مستنداً إلى مقعده وراح يحدّق في وجهي. من الواضح أنها تظنني أكذب، أختلق هذا. أما هو فلم يستقرّ على رأي.
سألني غاسغيل: «هل تستطيعين وصف الرجل؟».
«طويل، أسمر...».
قاطعتني رايلي: «هل كان وسيماً؟».
نفخت خدّيَّ تبرماً: «أطول من سكوت هيبويل. إنني أعرف هذا لأنني رأيتهما معاً ـ جس وـ آسفة، ميغان وسكوت هيبويل. أما هذا الرجل
فكان مختلفاً. إنه أكثر رشاقة وأنحل جسماً وأكثر سمرة. لعله رجل آسيوي».
قالت رايلي: «وهل استطعت تحديد أصله العرقي من القطار؟ هذا مدهش! وبالمناسبة، من هي جس؟»
«عفواً، ماذا تقصدين؟».
«لقد ذكرت اسم جس قبل لحظة واحدة».
شعرت بالاحمرار يعود إلى وجهي من جديد. هززت رأسي وقلت: «لا، لم أفعل هذا».
نهض غاسغيل ومد يده ليصافحني: «أظن أن هذا يكفي». هززت يده وتجاهلت رايلي ثم استدرت لأذهب. قال غاسغيل: «لا تقتربي من
شارع بلنهايم رود يا آنسة واتسون. ولا تتصلي بزوجك السابق إلا إذا كان لديك شيء مهمّ حقاً. ولا تقتربي أبداً من آنّا واتسون أو
طفلتها».
في القطار، في طريق عودتي إلى البيت، عندما كنت أستعيد كل الأشياء التي مضت بشكل خاطئ اليوم، أدهشتني حقيقة أنني لم أكن
أشعر بذلك الشعور المزعج... مثلما اعتدت. وعندما فكرت في الأمر، عرفت السبب: لم أتناول شراباً الليلة الماضية، ولست راغبة في
تناول الشراب الآن. إنني مهتمة، للمرة الأولى منذ زمن بعيد، بشيء غير بؤسي الشخصي. إن لديّ غاية. أو... لديّ ما يشغلني، على
الأقل.
الخميس، 18 تموز\يوليو 2013
في الصباح
اشتريت ثلاث جرائد قبل ركوب القطار هذا الصباح: ميغان مفقودة منذ أربعة أيام وخمس ليالٍ. تحظى قصتها بكثير من التغطية
الصحافية. أفلحت صحيفة ديلي ميل، وهذا متوقَّع، في العثور على صور لميغان في البكيني. لكنهم قدموا لقصتها وصفاً أكثر تفصيلاً
من أي شيء رأيته حتى الآن.
ولدت باسم ميغان ميلز في روتشستر عام 1983. ثم انتقلت مع والديها إلى كينغز لايم في نورفويك عندما بلغت العاشرة. كانت طفلة
لامعة، شديدة الانطلاق، فنّانة موهوبة، ومغنّية موهوبة أيضاً. تقول إحدى زميلاتها في المدرسة إنها كانت ذات «ضحكة جميلة؛ وكانت
شديدة الحُسن... جامحة جداً». ويبدو أن جموحها قد ازداد بعد موت شقيقها بن الذي كانت تربطها به علاقة وثيقة جداً. قُتل بن في
حادث دراجة عندما كان في التاسعة عشرة، وكانت هي في الخامسة عشرة. وقد هربت من البيت بعد ثلاثة أيام من جنازته. اعتُقلت
مرتين ـ مرة بسبب السرقة، ومرة بسبب الدعارة. تحطمت علاقتها بوالديها... هكذا تقول ديلي ميل... تحطماً تاماً. توفي والداها منذ
سنوات قليلة من غير مصالحة بينهما وبين ابنتهما. (عندما قرأت هذا، أحسست بحزن يائس تجاه ميغان. أدركت أنها، لعلها، رغم كل
شيء، ليست مختلفة عني كثيراً. إنها معزولة، ووحيدة أيضاً).
عندما كانت في السادسة عشرة، انتقلت لتسكن مع صديق لها كان يملك بيتاً بالقرب من قرية هولكام في شمال منطقة نورفولك. وتقول
زميلتها في المدرسة: «كان رجلاً أكبر منها... وكان موسيقياً، أو شيئاً من هذا القبيل. كان يتعاطى المخدرات. لم نرَ ميغان كثيراً بعد بدء
علاقتهما». لا تذكر الجريدة اسم صديقها الذي عاشت معه. وهذا يوحي بأنها لم تعثر عليه. لعله ليس موجوداً أصلاً! ولعل زميلة
المدرسة تختلق هذه القصص حتى تنشر الصحف اسمها.
تقفز قصة الصحيفة عدة سنوات بعد تلك النقطة: فجأة، تبلغ ميغان الرابعة والعشرين. وتعيش في لندن. تعمل نادلة في مطعم في
شمال لندن. وهناك تلتقي سكوت هيبويل الذي يعمل مقاولاً مستقلاً في مجال تكنولوجيا المعلومات. وهو صديق لمدير المطعم. تبدأ
علاقة بين الاثنين. وبعد «مرحلة غزل مكثّف»، يتزوج سكوت وميغان. هي في السادسة والعشرين، وهو في الثلاثين.
في الصحيفة مقتطفات من أقوال أشخاص آخرين. ومن بين هذه المقتطفات ما قالته تارا إبشتاين، الصديقة التي كان من المفترض أن
تكون ميغان عندها ليلة اختفائها. تقول تارا إن ميغان «فتاة لطيفة، خالية البال» وإنها كانت تبدو لها «سعيدة جداً». تقول تارا أيضاً إن
«سكوت لا يمكن أن يؤذيها. إنه يحبّها حباً شديداً». لا تقول تارا شيئاً يتجاوز العبارات المكرورة. وأما المقتطف الذي أثار انتباهي فكان
لواحد من الفنانين الذين عرضوا أعمالهم في المعرض الذي كانت ميغان تديره. اسمه راجيش غوجرال؛ وهو يقول: «إن ميغان امرأة
رائعة، حادّة الذكاء، مرحة، جميلة، شخصية خاصة كثيراً تتمتّع بقلب دافئ». يبدو لي أن راجيش هذا كان شديد الانجذاب إليها. هنالك
مقتطف آخر من أقوال رجل اسمه ديفيد كلارك. وهو «زميل سابق» من زملاء سكوت. يقول ديفيد: «إن ميغان وسكوت ثنائي رائع. وهما
في غاية السعادة معاً... وغارقان في الحب».
ثمة أخبار عن سير التحقيق أيضاً. لكن تصريحات الشرطة لا تكاد تقدّم شيئاً: تحدثوا مع «عدد من الشهود». وهم «يتابعون خطوطاً
متعددة في التحقيق». تأتي الملاحظة المهمة الوحيدة من المحقق غاسغيل الذي يؤكد أن هناك رجلَين يساعدان الشرطة في تحقيقاتها.
وأنا واثقة تماماً من أن هذا يعني أن الشرطة لديها شكوك في هذين الرجلين. أحدهما سيكون سكوت. فهل يمكن أن يكون «ب» الرجل
الآخر؟ هل يمكن أن يكون «ب» هو راجيش نفسه؟
كنت غارقة في قراءة الصحف إلى حد جعلني لا أولي الرحلة الاهتمام المعتاد. والظاهر أنني جلست عندما بدأ القطار يبطئ سيره
كالمعتاد قبل الإشارة الحمراء. هناك أشخاص في حديقة سكوت ـ أرى رجلَيْن في ملابس الشرطة قرب الباب الخلفي. تعصف الأفكار
برأسي. هل وجدوا شيئاً؟ هل وجدوها؟ هل وجدوا جثة مدفونة في الحديقة أو ملقاة تحت ألواح السقف الخشبية؟ لا أستطيع الكفّ
عن التفكير في الملابس التي رأيتها إلى جانب خط القطار... لكن هذا غباء لأنني رأيتها هناك قبل اختفاء ميغان. وإذا كان قد أصابها
أذى، فهو ليس من فعل سكوت... لا يمكن أن يكون من فعل سكوت... إنه مجنون بحبها... هكذا يقول الجميع. الضياء سيىء اليوم. تغيّرَ
الطقس، والسماء تبدو رصاصية، متوعّدة. لا أستطيع الرؤية داخل البيت. لا أستطيع رؤية ما يجري. أشعر بيأس وقنوط كاملَيْن. لا
أستطيع احتمال أن أكون خارج الأمر ـ مهما يكن... فأنا جزء منه الآن. يجب أن أعرف ما يجري.
إن لديّ خطة أخيراً! عليّ في البداية معرفة إن كانت هنالك طريقة لجعلي أتذكر ما حدث ليلة السبت. سوف أذهب إلى المكتبة لأجري
بعض الأبحاث وأكتشف إن كان التنويم المغناطيسي يمكن أن يجعلني أتذكر، إن كانت استعادة ذلك الزمن المفقود أمراً ممكناً حقاً.
والأمر الثاني هو أنه لا بدّ لي من التواصل مع سكوت هيبويل. أعتقد بأن هذا مهم لأنني لا أظن الشرطة صدَّقَتني عندما أخبرتهم عن
حبيب ميغان. يجب أن أخبر سكوت بهذا؛ يستحق أن يعرف.
في المساء
القطار يغصّ بأشخاص بلّلهم المطر. يتصاعد البخار من ملابسهم فيتكثّف على النوافذ. تخيّم غيمة من روائح الأجساد والعطور ومواد
غسل الملابس... رائحة مزعجة... تخيّم فوق الرؤوس المبتلة المغطاة. وأما الغيوم التي كانت تحجب السماء متوعّدة بالمطر منذ
الصباح فقد استمرت على حالها طيلة اليوم، ثم ازدادت ثقلاً وسواداً إلى أن انفجرت هذا المساء مطراً غزيراً يشبه الأمطار الموسمية،
حدث ذلك تماماً عندما خرج الموظفون من مكاتبهم وبدأت فترة الازدحام في الطرقات، فاكتظت الشوارع واختنقت مداخل محطات
المترو بأشخاص يفتحون مظلاتهم ويغلقونها.
ليست لديّ مظلة. وأنا مبتلّة بالكامل. أحس كأن أحداً سكب فوقي دلواً من الماء. يلتصق بنطلوني القطني بفخذيّ. صار قميصي الأزرق
الفاتح شفافاً إلى حد مُحرج. ركضت طيلة الطريق من المكتبة حتى محطة المترو ضاغطة حقيبة يدي فوق صدري لأخبئ ما أستطيع
تخبئته. ولسبب من الأسباب، وجدت هذا كله مضحكاً ـ ثمة شيء سخيف في أن يعلق المرء تحت المطر- كنت أضحك ضحكاً شديداً
جعلني أصل مبهورة الأنفاس إلى نهاية شارع غرايز إن. لا أذكر آخر مرة ضحكت فيها كما أضحك الآن.
لم أعد أضحك الآن! فتحت هاتفي، وتفقدت آخر أخبار قضية ميغان فور عثوري على مقعد في القطار. إنها الأخبار نفسها التي قرأتها
من قبل. «يجري استجواب رجل في الخامسة والثلاثين من العمر استجواباً مكثَّفاً في قسم شرطة ويتني حول اختفاء ميغان هيبويل
التي غابت عن بيتها منذ مساء السبت». إنه سكوت! أنا واثقة من هذا. آمل فقط أن يكون قد قرأ رسالتي الإلكترونية قبل أن يقبضوا
عليه؛ لأن الاستجواب المكثّف مسألة جدية، خطيرة. يعني هذا أنهم مَيّالون إلى الظن بأنه هو من فعلها. لكن لا بد أيضاً، بطبيعة الحال،
من تعريف الفِعْلَة المقصودة. لعل تلك الفعلة لم تحدث أصلاً. ولعل ميغان بخير الآن. هنالك شيء يقول لي، مرة بعد مرة، إنها حيّة وفي
أحسن حال؛ وهي جالسة على شرفة أحد الفنادق... شرفة مطلة على البحر... واضعة قدميها على حافة الشرفة، وكأس شراب بارد في
متناولها.
إن تفكيري فيها هناك يبهجني ويحبطني في الوقت نفسه... ثم أشعر بالانزعاج لأنني محبَطة. لا أريد أن يصيب ميغان أي سوء ... لا
أريد هذا مهما كنت غاضبة منها لأنها خانت سكوت ولأنها حطمت أوهامي عن هذا الثنائي المثالي. لا أريد هذا أبداً! المسألة هي أنني
أحس نفسي جزءاً من هذا اللغز، إنني مرتبطة به. لم أعد مجرد فتاة في القطار، تأتي وتذهب من غير هدف أو غاية. أريد أن تظهر
ميغان سالمة معافاة. أريد هذا... لكن الأوان لم يحِنْ بعد.
أرســلت بريــداً إلكترونيــاً إلــى ســكوت هــذا الصــباح. كــان العثــور علــى عنوانــه سـهلاً. بحثـت عنـه فـي غوغـل فوجـدت مـوقع الإنتـرنت
(www.shipwellconsulting.co.uk). إنه الموقع الذي يعلن سكوت من خلاله عن “مجموعة من الخدمات الاستشارية، والخدمات من
خلال الإنترنت، مقدَّمة للشركات والمنظمات غير الربحية”. عرفت أنه هو لأن عنوان العمل المذكور في ذلك الموقع كان عنوان بيته
نفسه.
كتبت هذه الرسالة القصيرة إلى عنوان البريد الالكتروني الوارد في ذلك الموقع:
عزيزي سكوت،
اسمي ريتشل واتسون. أنت لا تعرفني. أود أن أتكلم معك في ما يخص زوجتك. ليست لدي أي معلومات عن مكان وجودها. ولا أعرف
ما حدث لها. لكني أعتقد أن لديّ معلومات قد تكون مفيدة لك.
قد لا ترغب في التحدث معي. سوف أفهم هذا. لكن، إذا أردت التحدث، يمكنك أن تراسلني على هذا العنوان.
المخلصة ريتشل
لا أعرف إن كان قد اتصل بي ـ لو كنت مكانه لما اتصلت على الأرجح. سوف يظن، مثلما ظنت الشرطة، أنني ثرثارة غريبة الأطوار قرأت
القصة في الصحف. والآن، لن أعرف شيئاً أبداً ـ إذا كان قد اعتُقل، فقد لا تسنح له فرصة رؤية رسالتي. إذا كان قد اعتُقل، فلن يرى إلا
الشرطة بعد ذلك. ولن يكون هذا خبراً طيباً بالنسبة لي. لكن، كان عليَّ أن أحاول.
الآن... أشعر بالقنوط، والإحباط. لا أستطيع الرؤية عبر زحام الأشخاص في العربة، لا أستطيع الرؤية حتى الجانب الآخر من خط القطار.
جانب بيتي أنا. وحتى لو استطعت، فلن يتمكن نظري من تجاوز سياج سكة الحديد نتيجة غزارة المطر المنهمر. لا أعرف إن كان المطر
قد ضيّع الأدلّة. لا أعرف إن كانت أدلة مهمة تختفي في هذه اللحظة، وإلى الأبد: بقع من الدم، وآثار أقدام، وأعقاب سجائر عليها آثار من
الحمض النووي. أرغب في الشراب الآن رغبة شديدة تجعلني أكاد أحس طعم النبيذ على لساني. أستطيع أن أتخيل تماماً كيف سأشعر
عندما يصل الكحول إلى دمي فيجعل رأسي يطير.
أريد كأساً من الشراب، ولا أريدها أيضاً... إذا لم أشرب اليوم فسوف تكتمل ثلاثة أيام من غير شرب. لا أستطيع تذكر آخر مرة بقيت
فيها ثلاثة أيام متواصلة من غير شرب. هنالك طعم شيء آخر في فمي أيضاً... طعم عناد قديم. مرَّ عليَّ زمن كانت إرادتي قوية فيه.
كنت أستطيع الجري عشرة كيلومترات قبل الإفطار؛ وأستطيع أن ألتزم، أسابيع كاملة، بنظام غذائي يعطي 1300 سعرة حرارية في
اليوم. كان هذا العناد من الأشياء التي كان توم يقول إنه يحبها في شخصيتي: عنادي، وقوَّتي. أذكر مشادّة جرت بيننا، عند نهاية
مشوارنا معاً، عندما ساءت الأمور إلى أقصى حد ممكن. فقد أعصابه، وسألني: «ماذا أصابك يا ريتشل؟ متى صرت ضعيفة هكذا؟».
لست أدري! لا أعرف أين ذهبت تلك القوة. لا أذكر كيف فقدتها. أظن أنها تآكلت مع مرور الزمن، نتفة بعد نتفة، بفعل الحياة، بفعل عيش
هذه الحياة.
توقف القطار توقفاً مفاجئاً، وزعقت الفرامل زعيقاً مرتفعاً عند الإشارة في بداية محطة ويتني من ناحية لندن. امتلأت عربة القطار
بتمتمات الاعتذار بعد أن ترنّح المسافرون الواقفون واصطدم أحدهم بالآخر، وداس بعضهم على أقدام بعض. رفعت رأسي فوجدت
نفسي أنظر مباشرة في عيني الرجل الذي كان معي في القطار ليلة السبت ـ الرجل ذو الشعر الأحمر... الرجل الذي ساعدني عندما
سقطت. إنه يحدق في وجهي تحديقاً مباشراً. كانت عيناه الزرقاوان إلى حد مفزع تنظران في عينيَّ مباشرة فشعرت بخوف جعلني
أسقط هاتفي من يدي. استعدت الهاتف عن الأرض ورفعت رأسي من جديد، بطيئة متردّدة هذه المرة، من غير أن أنظر إليه مباشرة.
تجوَّلت عيناي في العربة، ثم مسحت النافذة المضببة بمرفقي ونظرت إلى الخارج. أخيراً، عدت ونظرت إليه فابتسم لي. كان رأسه مائلاً
قليلاً.
أحسّ وجهي يحترق. لا أعرف كيف أردّ على هذه الابتسامة لأنني لا أعرف معناها. هل هي «أوه، مرحباً! أتذكرك منذ تلك الليلة»، أم هي
«آه! إنها تلك الفتاة الثملة التي سقطت على السلم وقالت لي كلمات بذيئة في تلك الليلة»، أم لعله شيء آخر؟ لست أدري، لكنني عندما
أفكر في ذلك الآن أظن أنني استعدت مقطعاً صوتياً صغيراً يرافق صورة انزلاقي على السلم. سمعته يقول لي: «هل أنت بخير يا
عزيزتي؟» أشحت بوجهي ونظرت خارج النافذة من جديد. أستطيع أن أشعر بعينيه عليّ. لا أريد إلّا أن أختبئ، أن أختفي. يسير القطار
من جديد؛ وبعد لحظات قليلة ندخل محطة ويتني فيبدأ التدافع بين الناس المتجهين صوب الباب، طاوين صحفهم ومعيدين هواتفهم
وأجهزة الكيندل إلى جيوبهم وحقائبهم استعداداً للنزول. أرفع رأسي من جديد فتغمرني الراحة ـ لقد استدار مبتعداً عني. إنه يغادر
القطار.
فاجأتني فكرة في تلك اللحظة: كم أنا حمقاء! عليَّ أن أنهض، وأن أتبعه، وأن أكلمه. إنه يستطيع إخباري ما حدث، أو ما لم يحدث. وقد
يكون قادراً على ملء بعض الفراغات في رأسي، على الأقل. نهضت واقفة. تردّدت ـ أعرف أن الوقت قد تأخر. سوف تغلق أبواب القطار
الآن. إنني في وسط العربة، ولا أستطيع أن أشقّ طريقي عبر الزحام لأصل إلى الباب في الوقت المناسب. تصدر الأبواب إشارة تنبيه، ثم
تغلق. لا أزال واقفة. أستدير وأنظر من النافذة مع بدء حركة القطار. أراه واقفاً على حافّة رصيف المحطة، تحت المطر، ذلك الرجل من
ليلة السبت، ينظر إليّ وأنا أمرُّ أمامه.
كلما اقتربت من البيت كلما ازداد انزعاجي من نفسي. أكاد أستسلم لإغراء تبديل القطار في نورثكورت والعودة إلى ويتني للبحث عنه.
فكرة سخيفة... هذا واضح! ثم إنها فكرة خطيرة إلى حد الغباء أيضاً. لأن غاسغيل حذَّرني بالأمس فقط من الاقتراب من هذه المنطقة.
لكنّي أحس برغبة يائسة في تذكّر ما حدث يوم السبت. لقد أكّدت لي بضع ساعات من البحث في الإنترنت صحة شكوكي: (أعرف أنه
ليس بحثاً شاملاً) لا يكون التنويم المغناطيسي مفيداً عادة في استعادة الساعات المفقودة خلال فترة تعتيم الذاكرة. وذلك لأننا، مثلما
أشارت قراءاتي السابقة، لا ننتج ذكريات خلال تلك الفترة. لا يوجد شيء نستطيع أن نتذكره. إنه ثقب أسود في مسار حياتي، وسيظل
دائماً ثقباً أسود.
أنت تقرأ
فتاة القطار
Adventureتحكي الرواية عن ريتشل ، سيدة مطلقة فقدت وظيفتها بعدها تدخل في حالة كآبة. تستقل القطار يومياً في ذهابها للندن وعندما يتوقف القطار في احدى المحطات تلمح زوجين في أحد المنازل فيتشكل لديها رابط خاص بهما. غير انه في احد الأيام تكتشف خيانة الزوج لزوجها من...
