ريتشل

17 3 0
                                        

الفصل الرابع عشر
( ريتشل )
السبت، 3 آب/أغسطس 2013
في الصباح


الليلة الماضية، حلمت أنني في الغابات، أمشي وحيدة. كان ذلك وقت الغسق، أو وقت الفجر... لست واثقة تماماً، لكن شخصاً آخر كان
هناك معي. لم أستطع رؤية ذلك الشخص؛ عرفت فقط أنه كان هناك، عرفت أنه يسير في اتجاهي مقترباً مني. لم أرد أن يراني أحد،
أردت أن أهرب بعيداً، لكني لم أستطع. كانت ساقاي ثقيلتَين لا تستطيعان الجري. وعندما حاولت الصراخ لم أستطع إصدار أيَّ صوت.
وعندما استيقظت، كانت خيوط ضوء بيضاء تنساب من شقوق النافذة. انتهى المطر أخيراً... بعد أن أنجز عمله. الغرفة دافئة؛ تفوح
برائحة بشعة... عفونة وحموضة ـ لم أغادرها تقريباً منذ يوم الخميس. أستطيع أن أسمع عويل المكنسة الكهربائية وهديرها خارج
الغرفة. كاثي تنظف البيت. سوف تخرج بعد ذلك. أستطيع الخروج من غرفتي بعد ذهابها. لست واثقة مما سأفعله بعد ذلك؛ يبدو أنني لا
أستطيع ضبط نفسي. يوم واحد، يوم آخر من الشراب... ربما... ثم... سأضبط نفسي منذ الغد.
يصدر هاتفي صوتاً قصيراً، يخبرني أن البطارية على وشك النفاد. ألتقطه لأصله بالشاحن فألاحظ أن لديّ مكالمتَين من الليلة الماضية.
أفتح البريد الصوتي. لديَّ رسالة واحدة.
«ريتشل، مرحباً! أنا ماما. اسمعي، إنني قادمة إلى لندن غداً، السبت. يجب أن أقوم ببعض التسوق. هل نستطيع أن نلتقي لنشرب قهوة
أو شيئاً آخر؟ حبيبتي، ليس الوقت مناسباً الآن لأن تقيمي معي. هناك... نعم، إن لدي صديقاً جديداً. أنت تعرفين كيف تكون الأمور في
المراحل الأولى». تطلق ضحكة مترددة صغيرة... «لكني سأكون مسرورة جداً بإعطائك قرضاً حتى ترتّبي أمورك بضعة أسابيع. سوف
نتحدث عن هذا غداً. اتفقنا يا حبيبتي! إلى اللقاء».
يجب أن أكون صريحة معها، وأن أخبرها بالضبط كم هي سيئة أحوالي. ليس هذا حديثاً أريد الخوض فيه وأنا صاحية تماماً. أنتزع
نفسي من السرير: أستطيع الذهاب إلى المتجر الآن؛ وأستطيع أن أحتسي كأسين قبل أن أخرج. عليَّ أن أكسر حدة الصحو. أنظر إلى
هاتفي من جديد، إلى المكالمات الفائتة. مكالمة واحدة من أمي، والأخرى من سكوت. كانت مكالمته في الواحدة إلا ربع صباحاً. أجلس
هناك، هاتفي في يدي، أفكِّر في الاتصال به. ليس الآن... الوقت لا يزال مبكراً. ربما في ما بعد؟ ربما بعد كأس، لكن ليس بعد كأسين.
أصل الهاتف بالشاحن، ثم أفتح النافذة وأذهب إلى الحمام لأستحم بماء بارد. أفرك جلدي وأغسل شعري وأحاول إسكات ذلك الصوت
في رأسي... الصوت الذي يقول لي إن هذا أمر غريب... بعد أقل من ثمانٍ وأربعين ساعة على اكتشاف جثة زوجتك! ... أمر غريب أن
تتصل بامرأة أخرى في منتصف الليل!
في المساء
لم تجفّ الأرض بعد؛ لكن الشمس تكاد تبين بين غيوم بيض كثيفة. اشتريت لنفسي واحدة من زجاجات النبيذ الصغيرة ـ زجاجة واحدة
فقط. لا يجوز أن أفعل هذا، لكن تناول الغداء مع أمي سيكون اختباراً مناسباً لقوة الإرادة التي تلزمني لأظل صاحية طيلة حياتي. لكنها،
رغم ذلك، وعدتني بأن تضع ثلاثمائة جنيهٍ في حسابي المصرفي. لن يكون الأمر مضيعة للوقت إذًا.
لم أعترف بمقدار سوء أحوالي. لم أخبرها أنني بلا عمل منذ شهور؛ ولم أخبرها أنهم طردوني (تظن أن نقودها تكفيني لتدبّر أمري ريثما
أبدأ استلام المعونة الاجتماعية). لم أخبرها كم صارت الأمور سيئة من ناحية الشراب؛ ولم تلاحظ هي ذلك. أما كاثي فلاحظت! عندما
رأيتها لحظة خروجي من البيت هذا الصباح، رمَتني بنظرة ثم قالت: «أوه! بحق الله. أفي هذا الوقت؟». لا أعرف أبداً كيف تستطيع فعل
هذا، لكنها تعرف دائماً. حتى إذا لم أشرب إلا نصف كأس... تنظر إليَّ فتعرف!
تقول: «أعرف هذا من عينيك». لكنني نظرت إلى نفسي في المرآة فوجدت أن شكلي يكون هو نفسه، دائماً. يكاد صبرها ينفد، ويكاد
تعاطفها ينفد أيضاً. يجب أن أتوقف. لكن ليس اليوم. لا أستطيع التوقف اليوم. صعب كثيراً أن أتوقف اليوم.
كان يجب أن أتهيأ للأمر، كان يجب أن أقبله... لا أدري... لكني لم أفعل.
ركبت القطار فوجدتها في كل مكان. رأيت وجهها ينظر إليّ من كل صحيفة: ميغان الجميلة الشقراء السعيدة... تنظر مباشرة إلى
الكاميرا، تنظر مباشرة إليّ.
ترك أحدهم نسخة من صحيفة التايمز على المقعد. وهكذا قرأت تقرير تلك الصحيفة. ظهرت نتيجة التعرُّف الرسمي على الجثة ليلة
أمس؛ وأما تقرير التشريح فسيظهر اليوم. ينقلون عن ناطق باسم الشرطة قوله إنه «لا يزال صعباً تحديد سبب وفاة السيدة هيبويل،
لأن الجثة ظلت في العراء بعض الوقت، ولأنها ظلت غارقة في الماء عدة أيام على الأقل». إن التفكير في هذا مخيف عندما تكون
صورتها أمامي تماماً. كيف كان شكلها عند ذلك، وكيف هو شكلها الآن. هناك إشارة صغيرة إلى كمال؛ إلى اعتقاله وإخلاء سبيله. وهناك
تصريح للمحقّق غاسغيل يقول فيه إنهم «يتابعون عدداً من الأدلّة». أظن أن هذا يعني أن لا أدلّة لديهم. أغلق الجريدة وأضعها على
الأرض، عند قدمي. لا أستطيع احتمال النظر إليها أكثر من هذا. لا أريد أن أقرأ هذه الكلمات الفارغة التي لا تحمل أي أمل.
أسند رأسي إلى النافذة. سنمرّ الآن بالبيت رقم 23 ألقي نظرة، لحظة واحدة، لكن المسافة بعيدة... أبعد من أن يستطيع المرء رؤية أي
شيء رؤية حقيقية من هذا الجانب من سكة القطار. أواصل التفكير بذلك اليوم، عندما رأيتها مع كمال... في طريقة تقبيله لها، في
مقدار غضبي... ورغبتي في مواجهتها. لو فعلت ذلك، فماذا كان يمكن أن يحدث؟ ماذا كان يمكن أن يحدث لو أنني ذهبت حينها،
وقرعت الباب، وسألتها: ماذا تظنين أنك فاعلة؟ لو فعلت هذا، فهل كنت أراها موجودة هنا الآن، على شرفتها؟
أغمض عيني. وفي محطة نورثكورت، يأتي أحدهم ويجلس إلى جانبي. لا أفتح عينيّ لأنظر إليه؛ لكن جلوسه هناك يدهشني لأن القطار
نصف فارغ. ينتصب شعري أعلى رقبتي. أشم رائحة عطر ما بعد الحلاقة مختلطة برائحة دخان السيجارة فأعرف أنني شممت هذه
الرائحة من قبل.
«مرحباً!».
أنظر حولي فأرى أنه الرجل صاحب الشعر الأحمر، ذلك الرجل في المحطة... ذلك السبت. إنه يبتسم لي مادّاً يده ليصافحني. أدهشني
أنني صافحته. أحس براحة كفّه قاسية، متقرِّنة.
«هل تذكريني؟».
أقول هازة رأسي: «نعم! نعم، منذ بضعة أسابيع، في المحطة».
يومئ برأسه ويبتسم. يقول لي: «كنت ثملاً بعض الشيء»، ثم يضحك... «أظن أنك كنت ثملة أيضاً، أليس كذلك يا عزيزتي؟».
إنه أصغر سناً مما ظننت؛ لعله في أواخر العشرينات. إن له وجهاً لطيفاً... ليس وسيماً، إنه لطيف فحسب. له ابتسامة عريضة واسعة.
توحي لهجته بأنه من كوكينغ أو إيستواري، شيء من هذا القبيل. أراه ينظر إليّ كأنه يعرف شيئاً عني، كأنه يناكفني، كأن هناك نكتة ما
بيننا. ليست بيننا أي نكتة. أشيح بوجهي بعيداً عنه. عليّ أن أقول شيئاً، أن أسأله، ماذا رأيت؟
يسألني: «كيف حالك، هل أنت على ما يرام؟».
«نعم، إنني بخير». أنظر عبر النافذة من جديد لكني أستطيع الإحساس بعينيه مسلطتين عليّ فيأتيني حافز غريب... أن أستدير صوبه
وأشم رائحة الدخان على ثيابه، وفي أنفاسه. أحب رائحة دخان السجائر. كان توم مدخّناً عندما التقينا. لكني كنت أظهر انزعاجي من
ذلك عندما كنا نشرب، أو بعد ممارسة الجنس. رائحة السجائر شهوانية بالنسبة لي. إنها تذكّرني بالسعادة. أعض بأسناني على شفتي
السفلى متسائلة، لحظة واحدة، ماذا يمكن أن يفعل إذا استدرت لأواجهه ثم قبّلته على فمه. أحس جسده يتحرك. أراه ينحني إلى
الأسفل ويلتقط الجريدة القابعة عند قدمي.
«شيء فظيع، أليس كذلك؟ يا للفتاة المسكينة! أمر غريب لأننا كنا هناك تلك الليلة. كان ذلك في تلك الليلة، أليس كذلك؟ ليلة اختفائها».
كأنه قرأ أفكاري... يصعَقني هذا. أستدير لأنظر إليه. أريد أن أرى التعبير في عينيه. «لم أفهم قصدك!».
«تلك الليلة، عندما التقينا في القطار. كان ذلك ليلة اختفاء تلك الفتاة... الفتاة التي عثروا عليها الآن. يقولون إنها شوهدت بالقرب من
المحطة آخر مرة. أقول في نفسي دائماً... تعرفين... إنني لا بد أن أكون قد رأيتها. لكني لا أتذكر. كنت ثملاً». يرفع كتفيه، ثم يتابع: «أنت
لا تذكرين شيئاً، أليس كذلك؟».
أمر غريب، غريب كيف أحس عندما يقول هذا. بل إنني لا أستطيع أن أتذكر إحساساً مثل هذا من قبل. لا أستطيع الإجابة لأن ذهني
مضى إلى مكان مختلف تماماً... لا أفكر في كلماته التي يقولها... أفكر في عطر بعد الحلاقة. تحت رائحة الدخان، ذلك العبير. منعش،
ليمونيّ الرائحة، فَوّاح. تثير لدي تلك الرائحة ذكرى جلوسي إلى جانبه في القطار، مثلما أجلس الآن... لكننا كنا نمضي في الاتجاه الآخر.
وكان هنالك شخص يضحك بصوت مرتفع حقاً. وضع يده على ذراعي. يسألني إن كنت أريد الذهاب لتناول شراب لكن... فجأة... هناك
شيء غير صحيح. أشعر بالخوف، بالارتباك. شخص ما يحاول ضربي، أستطيع رؤية قبضته قادمة فأنخفض وأرفع يدي لأحمي رأسي.
لست في القطار الآن؛ إنني في الشارع. أسمع الضحك من جديد... أو لعله صياح. إنني على درجات السلم، إنني على الرصيف، الأمر
محيّر كثيراً، قلبي يدق سريعاً. لا أريد أن أكون قريبة من هذا الرجل. أريد الابتعاد عنه.
أهبّ واقفة، ثم أقول بصوت مرتفع حتى يسمعني الأشخاص الآخرون في العربة: «اسمح لي»... لكن العربة شبه خاوية؛ لا يلتفت أحد
إليّ. يرفع الرجل رأسه ناظراً إلي، مدهوشاً... ثم يزيح ساقيه جانباً حتى أمرَّ.
يقول لي: «آسف يا عزيزتي. لم أقصد إزعاجك».
أسير مبتعدة عنه بأسرع ما أستطيع. لكن القطار يهتز ويتمايل فأكاد أفقد توازني. أمسك بظهر أحد المقاعد حتى أتفادى السقوط. ينظر
الناس إليّ. أخرج مسرعة إلى العربة الأخرى، ثم أجتاز العربة التي بعدها أيضاً. أواصل السير حتى أصل إلى نهاية القطار. إنني خائفة،
مبهورة الأنفاس. لا أستطيع تفسير هذا. لا أذكر ما حدث، لكنني أستطيع الإحساس به... الخوف والتشوّش. أجلس في مقعد مقابل
للاتجاه الذي جئت منه حتى أستطيع رؤيته إن جاء خلفي.
أحاول التركيز ضاغطة بكفَّيَّ على عينَيّ. أحاول استعادة ذلك... أحاول استعادة ما رأيته. ألعن نفسي لأنني أشرب. لو كان رأسي
صاحياً... لكن، ها هي. ظلمة من حولي، ورجل يسير مبتعداً عني. أهي امرأة تسير مبتعدة عني؟ امرأة... امرأة في فستان أزرق، إنها آنّا.
يندفع الدم صاخباً في رأسي، ويصخب قلبي. لست أدري إن كان ما أراه، ما أحسه، حقيقة أم لا، خيالاً أم ذكرى. أغمض عينَيّ بشدة
وأحاول أن أحس ذلك من جديد، أن أرى من جديد... لكنه راح، غاب عني.

فتاة القطارقصص لتهوسّ بها. اكتشف الآن