..
نزلتُ من السيارة، وبدأتُ أمشي بأقدامي الحافية، و بينما كنتُ أدوس على الحجارة والرمل أحسست أني أسمعها تقول لي: "آجرك الله ! " ، ولا أعلم لماذا ولكني كنتُ أعظم الأجر لكل شيء حولي، لكل ذي روح وجماد، كلهـم كـانــوا مختلفين في هذه الليلة.
وصلت إلى باب الحسينية، رأيتُ أهلي وأصحابي وأبي في وسطهم، كانت وجوههم مختلفة، حاولت السّلام عليهم، ولكن بدا "الكلام" نشارًا مزعجًا أمام قدسية الحزن هذه
الليلة، ولم أشعر بنفسي إلا وأنا أعانقهــم ثــم نبكي، فوقــوفي عند باب الحسينية سلب منّي حتى كلمات تعظيم الأجر، بعد عناقي وبكائي معهم، وقفتُ على باب الحسينية، أنظر إلى المنبر من بعيد، وهمست: "أتأذن لي بالدخــول؟ "، ودائما ما كنت أعتبر الدمعة إذنًا، فقلتُ بعدها بنبرة التسليم: " بسم الله وبالله، وعلى ملة رسول الله " ، وقدمت رجلي اليمنى ورفعتُ رأسي وأنا أسأل: "أين تجلسين؟".
دخلت وجلست في قلب المجلس حيث يجتمع الباكون والصارخون والجازعــون عـادة، لم أكن أريد أن أحسـب مـن الهادئين في هذه الليلة، ولم أسمع أحدًا يتحدث إطلاقًا، أو ربما كانوا يتحدثون ولكني لم أكن أسمع !، فحواسي كلها كانت مشغولة، كل منها يؤدي شعيرته الخاصة، ويعرض حــداده بطريقته، فنبضاتي كانت تلطم على صدري، وأذني تُنصتُ إلى تسبيح المهمومين بأنفاسهم، وعيني تهيل الدموع بلا توقف، وأما لساني فاختار الصمت، وكأنه يهيئ نفسه لشعيرته التي لم يحن وقتها.
أن أجمع شتات عقلي لأعرف ما هو، واستوعبتُ أن الخطيب في هذه المرّة كان حاسر الرأس، بلا عمامة، أزرار قميصه العليا كانت مفتوحة، كأنه قد كره العيش، لا يُريد أن يخطب، وما إن شرع في تلك الكلمة التي قلبت المجلس رأسا على عقب، حتى انقبض قلبي وهاجت مشاعري.صلى الله عليك يا أبا عبدالله
قالها وبكى قلبي قبل أن تبكي عيني، وفــار دمي في جسمي، وبكى معي كل من في المجلس، فواحد كان يصرخ بأعلى صوته، وآخر يلطم رأسه، وغيره يلطم وجهه، وبعضهم يندب وينادي وضح الضاجون وعــج العاجون، فأبكوا الخطيب، وبدأ يلطم ويبكي معنا.
وكُنتُ أحفظ مقدّمة المجلس، أحفظ الطريقة التي يقرأ بها الخطيب وكل حرف يقوله، وتسلسل الجمل التي يقولها، وفي الليالي السابقة كنت أردّد معه الأبيات وأسبقه في بعضها، ولكنّي في هذه الليلة أشعر أني نسيت كل شيء، أنكسر انكسارا خاصا مع كل جملة فتُنسيني التي تليها، وأظنُّ أني لم أكن وحدي هكذا، فحتى الخطيب لم يكن يتمالك نفسه
في هذه الليلة، ويستطرد بتعليقات غريبة، كأنها ليست في محلها، ولكن حيرته كانت في محلّها هذه الليلة، كان يتمنى أن لا يحدث ما سيرويه، ولكنّه يعلم أنه حدث، كان يتمنّى أن يتراجع الأعداء عما فعلوه، ولكنه يعلم أنهم ارتكبوا الفعل، فهو الماضي والماضي لا يتغيّر، فكان اضطرابه يغذي ألمي وحرقتي، وأكمل وياليته لم يُكمل :
وعلى الأرواح التي حلت بفنائك
وهنا أصبحتُ كالأم الثكلى ، ربما لأني كنتُ أريد أن أواسي الأم، ربما لأني شعرت بألم الأم، أبكي وأبكي وأبكي " ولكن بحيرة شديدة!، تحتار مخيلتي في أي روح تختـار مــن الأرواح التي قدّمت أنفسها فداءً لصاحب الدمعة الساكبة؟، على أيّها أبكي؟ الأصحاب الذين دخلوا إلى قلب الميدان وكأنهم يبحثون عن "الموت" ليعانقوه، فيقتلون كل من يحول بينهم وبينه؟ الآل الذين كانوا كالأقمار المنيرة والنجوم الزاهرة الكبار الذين شدّوا حاجبهم؟ الصغار الذين كانوا يركضون هاربين؟ الأطفال الذين سحقتهم حوافر الخيول؟
علا صراخي، وقع ناظري على راية سوداء معلقة،
كُتبت عليها جملة واحدة فقط : "قال الإمام الصادق عليه السلام وارحم تلك الصرخة التي كانت لنا"، فشكرت الله عز وجل على هذا التوفيق أثناء الصراخ، وسألت نفسي: "هل فعلاً قد نلت دعاءً مباشرًا من الإمام الصادق عليه السلام بصراخي ؟ " ، وقاطعني يقيني بصدق وعده فهو الصادق!، وحاشاه أن يقول ما لا يفعل، فارتفع صراخي وصرخت: "لبيك يا صادق الآل"، ودعوتُ لمن وضع هذا الحديث الذي عرفني ما يريده جعفر بن محمد صلوات الله عليه في مجلس جده.
وأكمل الخطيب وقال كلمته الثالثة...

أنت تقرأ
فوزًا عظيماً ..
Historical Fictionآخيرًا تم نقل هذهِ الرواية العظيمة .. الي اتمنى الكل الي تصير عينه عليها . ليبخل ع نفسهُ بعدم الأطلاع ع هذهِ الرواية .. والحمدلله عن نعمة التوفيق لنقلها .. فوزًا عظيماً للرادود أحمد صديق جزاهُ الله كل خير .. تم نقلها الجمعة التاسع من محـرم بحسب الأ...