٨

22 4 0
                                    

..

ابتعد . الحسين عليه السلام عنا، وكان معه عبد أسود اسمه "جون " وقد كانَ خادمًا لأبي ذر الغفاري، فلم أتمالك نفسي، لحقتهما، أردتُ أن أكون كظله - ولو من بعيد، فها هو إمامي أمامي أخيرًا، وأحببت أن أكون من المسارعين إليه في قضاء حوائجه.

كان يمشي فأمشي، يقف فأقف، يرتاح فأرتاح وأنتظره.. فإن سأل أجبت ، وكنتُ أعلم أنه يشعر بي، ويعلمُ بحاجتي إليه، وعلمتُ بأنه تركني أُحبّه كما أريد، جلس مع

جون، فجلست من بعيد جلسة العبد الذليل، وبيده سيفه، فسمعته يرثي نفسه قائلاً:

يا دهرُ أُفٍّ لك من خليل من صاحب أو طالب قتيل وإنما الأمر إلى الجليل

كم لك بالإشراق والأصيل والدهر لا يقنع بالبديل وكلُّ حي سالك السبيل

وكان يكررها ويعيدها، فانفطر قلبي عليه، وشقّ علي رثاء إمامي لنفسه، جزعتُ في مكاني، وإذا بامرأة مخدّرة تقترب منه، وما إن وصلت إليه حتى قالت في بكائها :

- واثكلاه .. ليت الموت أعدمني الحياة، اليوم ماتت فاطمة أمي، وعلي أبي، وحسن أخي، وأبيض يستسقي الغمام بوجهه شمال اليتامى عصمة للأرامل .. بأبي أنت وأمي يا أبا عبدالله استقتلت نفسي فداك .. يا ويلتي أفتغصب نفسك اغتصابا؟، فذلك أقرح لقلبي وأشدُّ على نفسي

لطمت وجهها.. صَرَخَت...

صرخت بأعلى صوتي ولطمت وجهي دون توقف

وهنا تمنّيتُ أن أموت مرّة أخرى!، ولم أشعر بنفسي أثناء لطمي لوجهي، ولاحظت بعدها أني لم أكن ألطم بكفي، بل بقبضتي!، فتــرم وجـهـي وأنـا أصرخ وأنـادي: "يـا زيـنـب".

قام إليها إمامي، صبرها، هدأها، فهو معها الآن!، لم يرضَ بأن تبكي، لم يقبل بأن تحزَن، إنها زينب ! ، أمانة أبيه أمير المؤمنين عليه السلام، ولا يمكن أن يمسها كرب وأخوها موجود، فقال لها:

- يا أخيه اتقي الله وتعزّي بعزاء الله واعلمي أن أهل الأرض يموتون، وأنَّ أهل السماء لا يبقون، وأن كل شيء هالك، إلا وجه الله الذي خلق الأرض بقدرته، ويبعث الخلق فيعودون، وهـو فـرد وحده، أبي خير مني، وأمي خير مني وأخــي خـيـر مني، ولي ولهم ولكل مسلم برسول الله أسوة .. ثم أدخلها في الخيمة التي كان بها ابنه زين العابدين عليه السلام.

وا زينباه .

في هذه الأثناء العصيبة تجلت لي .. لا بل تيقنت .. لا بــل عشــت الآية الكريمة: "اللَّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَتَهُ"، بكل وجودي، فأنا أجثوا بين جبلين ينحدر عنهما السيل ولا يرقى إليهما الطير، جبل الصّبر زينب .. وجبل الإيمان والعزيمة الحسين صلوات الله عليه.

بل يحق لي أن أدعي أن القــرآن الكريــم بأكمله قد تجلّى لي في هذه اللحظات!

فوزًا عظيماً ..حيث تعيش القصص. اكتشف الآن