بسم الله الرحمن الرحيم
لم يكن في الغرفة ما يدلّ على الحياة، سوى صوت الأجهزة المنتظم، وصدر صغير يرتفع وينخفض ببطء.
جلست أوليفيا هناك، على كرسي بلا مسند، وكأنها اختارته ليعاقب ظهرها كما يعاقبها ضميرها. وضعت رأسها بين يديها، أصابعها متشابكة، وعيناها مغمضتان… لكنها لم ترَ الظلام؛ كانت ترى مستقبلًا لا تعرف كيف تحميه.
هي تحبه.
تحبه حدّ الخوف.
لكن القدر… كان أجرأ منها.
نهضت أخيرًا. كل خطوة نحو سرير المشفى كانت كأنها تسير فوق زجاج. توقفت قرب أليكس، تأملته طويلًا: وجهه الشاحب، الشريط الطبي حول معصمه، وهدوء نومه الذي لا يشبه هدوء الأطفال. هذا هدوء من تعلّم مبكرًا كيف يكتم ألمه.
مدّت يدها، لمست شعره برفقٍ مبالغ فيه، كأنها تخشى أن توقظه من عالمٍ أرحم.
أوليفيا بصوت متهدّج:
«صغيري… أليكس. هيا، استيقظ. يجب أن نذهب.»
تحرّك قليلًا، عبس، ثم فتح عينيه ببطء. احتاج ثواني ليتذكّر أين هو، ومن تكون المرأة التي تنظر إليه بهذا الخوف. وحين عرف… ارتجف صوته.
أليكس:
«أمي…»
ابتسمت، تلك الابتسامة التي تُخفي أكثر مما تُظهر.
نظر إليها طويلًا، ثم جاءت الكلمات متعثّرة، كأنها تُسحب من صدره سحبًا:
أليكس:
«أمي… هل أبي… يحبني؟
وإذا كان يحبني… لِماذا… هو… ليس معي؟»
توقّف.
لم يحتمل.
انهارت الجملة إلى بكاء.
كان بكاءً صامتًا في البداية، ثم تصاعد. بكاء طفل تعلّم أن يُسكت نفسه كي لا يُتعب أمه، طفلٍ سمع كثيرًا عن “غياب الأب” حتى صار الغياب وصمة.
اقتربت أوليفيا بسرعة، مسحت دموعه بإبهامها، ثم احتضنت رأسه إلى صدرها.
أوليفيا هامسة:
«شهيق… زفير… هكذا. أنا هنا.»
وحين هدأ قليلًا، قالت، وكأنها تلقي حجرًا في ماءٍ راكد:
أوليفيا:
«أليكس… ستعيش مع والدك لفترة. فقط لفترة، إلى أن أعود.»
لم يفهم فورًا.
ثم فهم.
أليكس بخوفٍ مكبوت:
«حقًا؟
ألن… ينزعجوا مني؟»
سكتت لحظة. تلك اللحظة كانت كافية ليشعر بالخطر. لكنها أسرعت، قبل أن يبتلعها الصمت.
أوليفيا بابتسامة متعبة:
«ومن هذا الشرير الذي قد ينزعج من ملاكي، ها؟»
انفجرت الفرحة دفعة واحدة.
ضحك، صرخ، لوّح بيديه، وكاد ينهض لولا الألم الذي شدّ ساقه. وبّخته، فضحك أكثر، ثم بدأ يدندن لحنًا بلا كلمات، سعيدًا بفرحٍ لم يختبره منذ زمن.
أليكس بحماس طفولي:
«متى سنذهب؟ أريد أن أراه!»
أوليفيا:
«نعود للمنزل أولًا، نجمع أغراضك… ثم نذهب.»
تردّد، شدّ الغطاء بأصابعه.
أليكس بصوت خافت:
«أغراضي فقط؟
ألن تذهبي معي؟»
انقبض صدرها.
عرفت هذه النظرة.
عرفت أنه إن قالت “لا”، سيبقى هنا، متشبثًا بها، رافضًا العالم.
خفضت رأسها، فركت مؤخرة عنقها، وحدّقت في الأرض.
أوليفيا:
«لا أستطيع… يجب أن أسافر. العمل… العملية…»
لم يُكمل دماغه الجملة.
سبقته دموعه.
أليكس باكٍ:
«لا تذهبي!
ماذا لو كرهوني؟
سأكون مطيعًا… أرجوكِ!»
لم تستطع الوقوف.
جلست قربه واحتضنته، بقوةٍ تكاد تؤلمه، كأنها تريد أن تطبع وجودها في ذاكرته. تمتم بكلمات غير مفهومة، أنفاسه تثقل، حتى نام وهو ممسك بقميصها.
رفعت رأسها، والغضب يشقّ طريقه إلى عينيها.
أوليفيا بحدّة:
«ادخل. خذه.
وأقسم… إن مسستَ شعرةً منه، ستندم.»
ريان ببرود:
«وكأنني متحمّس للمسّ ابن غير شرعي.»
التفتت نحوه، نظرتها كانت سكينًا.
أوليفيا:
«غير شرعي؟
إذًا أنت أيضًا… لأنه أخوك. ألا ترى الشبه؟»
صرّ على أسنانه.
ريان:
«اصمتي. أعطيني الطفل.»
أوليفيا بسخرية مُرّة:
«تعال وخذه. هل تريده أن يطير؟»
تقدّم أخيرًا.
حمل أليكس… وتجمّد.
خفيف.
خفيف أكثر مما ينبغي.
خرج به إلى السيارة. وحين حاول وضعه، تشبّث أليكس بقميصه فجأة، حتى وهو نائم، ودفن وجهه في صدره. تأفّف ريان، لكنه لم يبعده. جلس خلف المقود، الطفل في حضنه، أنفاسه الدافئة تتسلّل عبر القماش.
الطريق كان صامتًا.
والمنزل… كان كبيرًا.
كبيرًا بما يكفي ليبتلع طفلًا.
توقفت السيارة أمام الباب.
قصر.
وليس بيتًا.
وهناك…
بدأت الحكاية حقًا.
أنت تقرأ
انين الظلام
Actionمرحبًا بكم في أولى رحلاتي الروائية، حيث تُنسج خيوط الحب والتحدي في قصة مراهق عاش حياته في كنف والدته، بعيدًا عن حقيبة عجائب عائلته. لكن ماذا يحدث عندما تنقلب حياته رأسًا على عقب، وتفرض عليه الظروف أن يعيش مع والده وأشقائه؟ هؤلاء الذين لا يعرف عنهم ش...
