الفصل الثاني _ الماضي في صور _ :

11.1K 519 69
                                    


قبل ثماني و عشرون عامًا ...

الربيع... تتفتّح أزهاره و يعبّق أريجه.. مع النسيم المُسكر لعروس البحر الأبيض المتوسط.. "الإسكندرية" الساحرة بموجها الفيروزي و شواطئها الذهبية

بعد يوم مزدحم بالعمل، يغادر "يحيى البحيري" مبنى شركته أخيرًا متجه نحو سيارته المخصوصة، يعتلي المقعد الخلفي و هو يلتقط أنفاسه بإرهاقٍ واضح، يغلق في إثره الباب رادًا التحيّة على سائقه المسن :

-مساء النور يا عم جابر. معلش إن كنت خلّيتك ترجع توصلّني البيت. بس حقيقي اليوم كان طويل و متعب و خلاص مش قادر أعمل بنفسي أي حاجة تاني.

يرد المدعو "جابر" بلطفٍ ناظرًا إليه عبر المرآة الأمامية :

-أنا خدّامك يا بيه و تحت أمرك في أي وقت.

يحيى مبتسمًا : ماتقولش كده يا راجل يا طيب. انت غالي عليا يا عم جابر كفاية إنك من ريحة أبويا الله يرحمه.

-الله يحفظك يابني و يسترها معاك دنيا و آخرة. تسلم يا يحيى بيه.

لاحظ "يحيى" اهتزازًا قوي بصوت الأخير، فقطب مدققًا النظر إلى وجهه عبر المرايا، ليرى عيناه محمرّتين و كأنه يبكي فعليًا، و قسمات وجهه بدت متعبة و ذابلة عن المعتاد ...

-انت كويس يا عم جابر ؟ .. قالها "يحيى" متسائلًا باهتمام

فشل "جابر" بامساك دمعته من الفرار بين جفنيه، مع ذلك حاول أن يرد بصوتٍ طبيعي :

-أنا كويس يا بيه. كويس !

لكنه لم يستطع خداعه تمامًا، و شعر "يحيى" بالفضول و القلق على تابعه الأمين، فأمره بحزمٍ متناسيًا تعب النهار كله :

-طيب اركن بينا عند "******" إللي على البحر. نفسي رايحة لفنجان قهوة في الوقت ده.

أطاع السائق المسن أمر سيده دون أن يشك لحظة بنيّته، إلا إن "يحيى" ما كان ليجعله يعترض في جميع الأحوال، و ما كان ليتركه دون أن يعرف ماذا به بالضبط

دقائق و كانا يجلسان داخل مقهى شهير يطلّ على البحر مباشرةً، بعد مقاومة من "جابر" بأن لا يصح أن يُجالس السيد في مكانٍ كهذا، و لكن كلمة "يحيى" كانت أمر نافذ بالنسبة له، فرضخ لمشيئته في الأخير و ها هو يجلس أمامه، يطالعه "يحيى" بنظراتٍ متفحصة و هو يحتسي فنجانه قهوته باستمتاعٍ، بينما "جابر" لم يمد يده إلى قدح الشاي الذي طلبه

بقي شاردًا هكذا منذ جلوسهما، علامات الكآبة تبدو عليه، و لا يدري "يحيى" أهذا إعياء الذي يهدّل محيّاه الهرِم أم ماذا !؟

-إيه يا عم جابر ! .. هتف "يحيى" بابتسامته الجذّابة مبددًا الصمت بينهما

انتفض "جابر" بخفةٍ منتبهًا من شروده، نظر إلى سيده قائلًا :

-أؤمرني يا بيه !؟

يحيى بهدوءٍ : مش هاتقولي مالك بقى. أنا جبتك و قعدنا هنا مخصوص عشان أعرف فيك إيه. شكلك مش عاجبني. قولّي مالك ؟

وما أدراكِ بالعشقحيث تعيش القصص. اكتشف الآن