الفرسان.. الفرسان اللي صوبوج البارحة وضيقوا علينا العلم، محوطين الجبل كله من أسفله لأعلاه، وما خلو لنا منفذ نلوذ منه!"
ارتجف قلب الوضحة من نبرة خيّتها، وعبس وجهها السموّح وهي تحاول تبلع الصدمة وتداري روعها. كانت الشمس حزتها تلوذ ورا قمم الجبال العالية، تعلن المغيب، وظلالهم تطول وتتمدد على الوعر والصخر اللي متزبين وراه.
بلعت ريقها وقالت بصوتٍ واطي مليان توتر: "وش السواة الحين؟ والراي وشو؟ بنظل هنيا لين يلوحنا الموت؟"
سرحت الشيهانة ب فكرها، وعاودت تناظر المدى وعيون الفرسان اللي تلمع من بعيد، وقالت بهدوء كأنها تطمن قلب خيّتها الصغير:
"نرقبهم وش يسوون.. غدي إن غابت الشمس ودجى الليل يعاودون من حيث جاو، والظلمة ستر للمضامين."
ومع دجى الليل المغترب وسكون الكون، تنفست الشيهانة الصعداء يوم شافت خيل الفرسان تقفي وتختفي عن الأنظار تحت غطاء العتمة. الجبل حزتها غطاه ضباب خفيف وبارد ينخر العظم، وهبّت هبوبٍ عاصفة نسفت الحصى الصغير حولهم وأثارت الغبار. كانت الشمس تودع البقاع بصفار وشفق أحمر قانٍ، وعيون الشيهانة ما غفلت ولا رمدت عن مراقبة أسفل الوادي.
قربت الوضحة منها، ولمست كتفها وحجت بصوتٍ كأنه الهمس: "قفوا.. راحوا يا خيتي، المدى خالي."
ردت الشيهانة والوجل لازال ينخر عظامها: "لا والله ما هقوتي إنهم مقفين نية سلامة، الظاهر وراهم بلا.. مير البلا الأكبر مهوب هنا، البلا في الزاد، حنا من البارحة ما ذقنا لقمة، والبطون خاوية، من وين لنا نجلب الأكل والحصار خانقنا؟"
وفي غبشة اليوم التالي، مع طلعت الضو الخافت، زاد الحصار وضاق الخناق على الجبل، والضباب الصباحي الثقيل غلّف البقاع كلها حتى غدا الصاحي ما يشوف كفه. كانت الشيهانة تدور في الغرفة الصغيرة المنحوتة بالصخر مثل الذيبة الحايرة، عيونها تقدح شرار، وتنبش في سحارة ملابس أمها القديمة تدور لها على حيلة تنجيهم. سحبت ثيابٍ بالية، سودا وباهتة ومقطعة، وحذفتها للوضحة وقالت بحزم:
"البسي.. عجلّي عليّ وثوبج ذا ارميه، مابه وقت للحكي!"
توشحت الوضحة بالثياب القديمة وهي كارهة العلم، ووقفت عند منظرة صغيرة مكسورة معلقة على الجال تدور وجهها. صدت بقهر وهي تتذكر شعرها الطويل اللي ما ذاق المشط من أيام وبدا يغشاه
الغبار، وبالمقابل كانت الشيهانة تلبس ثوبها الواسع، وتمد يدها لرماد الضو وترس به وجها وكفوفها لجل تداري الشحوب وبياض بشرتها وتظهر كأنها مسكينة هادها الشقا، وقالت بصوتٍ جاد:
"حان وقت المسرى.. الحين ننزل ونسوي اللي اتفقنا عليه، واليوم يا نحيا يا نموت."
وتسللن من خلف الجبل، خطوة بخطوة، يحبسن الأنفاس وعيونهم تدور في المحاجر ترقب كل حيد وصخرة. ضوء الصباح الضعيف كان قالب لون الوعر، ومضفي على المكان هيبة وخطورة تخلي الشجاع ينصرع من الخوف.
