<< في قبيلة الشيخ بـارك >>
وفي الوادي، اقترب بندر بـ وجل وخوف من الهنوف اللي كانت ماسكة كف يدها من شدة الألم ونحيبها يقطع نياط القلب.
انحنى بندر وهو يأخذ يدها برفق، ونزل شماغه وعقله، وربط كفها بـ إحكام لجل يمنع السوم والسم من السروح في عروق جسدها.
قام بـ فزع وهو يشوف نهلة (أخته) قد تقدمت بـ رعب وهي تساعد الهنوف على الوقوف والصعود فوق متن الفرس بـ صعوبة. امتطى بندر الفرس خلف الهنوف يثبت جسدها الضعيف، وانطلق هو وإياها بـ ركضٍ حثيث صوب القبيلة، عسى ولعل الحكيم والعارف بالطب البدو يلحق عليها ويسحب من يدها السوم الزعاف قبل ما يطفي نورها.
أما عند مطرح الوادي، بقيت نهلة تنظر للمكان الخالي برعب، ونطقت بصوت شبه مسموع وهي ترجف: "وعز الله تورطتِ يا نهلة وطاح حظك بهالوادي الخالي!"
تنحنح فهد اللي كان واقفاً ورا الشجر بالخفاء، ونطق يكلمها بصوت ثقيل يبي يطقطق عليها: "أقول.. يا أخت بندر!"
نهلة وهي تسمع هذا الصوت المفاجئ، دارت بوجهها نحيت الصوت والذعر ياكل صمتها، مير ما شافت أحد بالقاع!
نهلة بخوف وهلع شديد انفتحت له أسارير الرعب: "يا ويلي ويلاه! الظاهر إنه جني من جنان الوادي الحالك!"
فهد وهو كاتم ضحكته، مشى بخطوات خافتة من الجهة الثانية وتقدم جهتها وهو يلوح بـ قامته. نهلة أول ما شافته مسوياً الشماغ على كامل وجهه ولا يبين منه علم، تجمدت في مطرحها وبدأت تقرأ المعوذات بـ صوت يرجف: "((قل أعوذ برب الناس، ملك الناس، إله الناس، من شر الوسواس الخناس، الذي يوسوس في صدور الناس، من الجنة والناس)).. اذهب أيها الجني المهبول، اذهب وابعد عن دروبي!"
انفجر فهد ضاحكاً في جوف نفسه على خبالتها وخوفها البدوي، وهو يشوف رجيف يدها، وقرر في خاطره يكمل عليها المقالب ودامها خافت رح يخوفها أكثر لجل تحرم تظهر برع الديرة ب هالوقت. نطق بصوتٍ مستعار خشن: "اسمعي يا بنت.. أنا الآن رح آخذك بـ أسرار الليل إلى وادي العفاريت المظلم، وهناك ودي إياكِ تجيبين الكنز المدفون عند الجني (شنطط)، وتقدمين روحك وجسدك قربان له، وهو رح يذبحك بـ سكاكينه ويقسم لحمك على قواطع الجن!"
نهلة انهد حيلها وبدأت تبكي بـ حسرة وفزع من الخوف وهي تتخيل الجني شنطط يذبحها، وصرخت صرخةً مدوية وهي تطلق ساقيها للريح وتركض بـ أقصى قوتها وعجاجها ثاير صوب القبيلة بليا التفات خلفها.
أما فهد، فـ جلس بـ مطرحه يضحك من قلب وهو يشوفها تركض بهالسرعة والذعر، متأكد ومستيقن إنها مارح تعاود وتفكر ترجع لـ هذا الوادي مرة ثانية طول عمرها من زود الخوف. وهو يعرف نهلة من لما كانت صغيرة؛ شجاعة وذيبة ولسانها طويل بـ مجالس الحريم، بس أول ما تسمع طاري الجن والعفاريت تتلخبط حساباتها وتغدي خبلة.
عند مشارف بيوت القبيلة.. عقب ما سحب لها الحكيم السم بـ مهارة وعالج كفها بالكي والأعشاب، جلست الهنوف في خدرها والراحة ردت لـ وجهها الغض. نظرت لـ بندر اللي كان واقفاً بطرف البيت، والخوف والقلق الصادق لازال واضحاً بـ عيونه وعقدة حواجبه. ما درت ليش حاز في خاطرها ونفسها الفرق الكبير بين تعاملها الجاف والقاسي معه في الأيام اللي راحت، وبين طيبة قلبه وتعامله الحنون والفزع اللي أبداه لجل نجاتها.
وقطعت على نفسها عهداً ووعداً في جوف خاطرها، إنها من اليوم ورايح رح تحاول تسعده وتفتح له قلبها وتجازي طيبه بـ الطيب والسنع.
وفي هذه الأثناء، وصلت نهلة للقبيلة وهي تلفظ أنفاسها ركضاً، وتقدمت صوب خيمة هلها وهي تدخل كـ المقذوف، وشافت أمتها والهنوف وبندر وأم الهنوف جالسين برسل.
تقدمت نهلة وبـ اندفاع حست بالأمان، وحضنت أمها وبكت بصوت عالي وعويل هز الخيمة.
فز بندر بذعر وهو يشوف بكاء أخته بهالشكل ونطق: "علامك يا نهلة؟! وش صابك وش العلم؟! أحد وطى لك طرف برع الديرة؟!"
نهلة بصوت متقطع وبكاء مرير: "شفت.. شفت جني بوجه مخفي بالوادي، وكان وده يجرني من شيلتي ويقتلني ويقدمني قربان للجـ...ـن!"
وفجأة، رفعت رأسها وهي تسمع صوت خطاوي فهد مقبلة ويهتف من برع الرواق: "يا بندر.. يا بندر وينك؟"
أول ما لقطت أذنها الصوت، صرخت بكل ما أوتيت من قوة والذعر تملّكها: "يمههههه! الجني جاء وراي يبيني! الحقوني!"
فهد دخل الخيمة وضاحكاً: "................"
## << ♕ في قبيلة الشيخ أبو ذياب >>
كانت خطوات "ذهول" تسبق ريحها وهي تمشي باتجاه المضافة الكبرى بـ تهور وجنون أعمى قلبها عن السلوم والعواقب. دخلت لـ مشارف الخيمة الكبرى، ووقفت من خلف المحرم والرواق والرجاجيل جالسين بـ صمت، ونطقت بصوت قوي جهوري زلزل أركان المجلس:
"بعد إذنكم يا هل العشيرة ويا شيوخ القوم.. ودي أقول بـ لسان قاطع إني رافضة الزواج من سعد خيبة الرجاجيل، لاني ما ودي به أبد، وبالمختصر ما أبيه ولا يشرفني مقامه!"
ارتج المجلس وعقد الشيوخ حواجبهم بـ استنكار، ونطق أحد وجهاء القبيلة بـ ثقل وعتب: "يا بنت الشيخ.. الزواج بهالديار وسلوم البدو مو أخذ وعطاء وعلوم جهال! لا.. الزواج كلمة شرف، وأبوك الشيخ أبو ذياب عطى سعد كلمة ورجال العشيرة حاضرين، وعمر كلمة الرجال الصناديد ما تنكسر ولا تثنى لجل هرج حريم!"
صاحت ذهول بـ حرقة وقهر: "محشومين يالربع، بس سعد هذا مو من ثوبنا ولا بمقامنا، هذا رجال صاحب سوالف شينة وعلوم رديّة بين القبايل وما يحشم العرض!"
التفت لها أبوها الشيخ أبو ذياب وعيونه تقدح شرار من هول المفاجأة وكسر كلمته، ونطق بحزم حاد: "ودامه صاحب سوالف وعلوم رديّة.. علامك ما قلتي هذا الهرج والرد لما جيت وشاورتك بـ خدرك قبل قليل وأبديتِ الموافقة والقبول؟! تبين توطين راسي قدام العرب؟!"
ذهول بـ بكاء: "أنت يا يبه ما قلت لي إنه سعد! وأنا مستعدة ومتمنية أتزوج أي رجال من فرسان الديرة اللي كل الناس يذكروه بالطيب والناموس، مير سعد لا!"
فز أحد الرجال من عصبة سعد ونطق بـ عجرفة: "اسمع يالشيخ أبو ذياب.. البنات مالهن هروج ولا شور عقب شور الرجاجيل، وأنت استشرتها وهي وافقت وعلمنا بالمباركة، والكلمة قاطعة."
ذهول اللي كانت عارفة طباع أبوها زين، وتدري إنه رجال صنديد ما يكسر ولا يثني كلمة لأهل القبيلة ولو طارت رقاب، لم يدر بعقلها المذعور سوى الإقدام على خطوة انتحارية تكسر كل الخطوط الحمراء بـ سلوم البادية!
مشت بـ جرأة وتهور صاعق، ودخلت بـ جسدها لوسط ربعة المجلس والمضافة اللي كان الرجاجيل وسعد داخلها! وبـ حكة قوية، رفعت كفها وأبعدت اللثام والشيلة اللي على وجهها لتبين ملامحها كاملة أمام الأجانب!
رجال القبيلة والشيوخ فزعوا وصدوا وجيههم سريعاً صوب الأرض لجل الحشمة والعرض، ونطقت ذهول بصوت مرتفع كسير: "بحق حرمة هذا الوجه يا رجال العشيرة ويا وجيه الشيوخ.. لا تغصبوني على شي ما أبيه ولا تذبحون عفتي بـ يدينكم!"
وفي هذه اللحظة المشحونة بالزلزال، دخل "فارس" للمضافة، وأول ما وطأت رجله العتبة وشاف "ذهول" كاشفة وجهها بوسط الرجاجيل والشيوخ والكل صادد عنها، صعق وصُدم، ونظر لها بـ نظرة غضبٍ ساطي وعين حمراء تقدح موت ونطق: "................"
## << عند صقر وفزاع >>
في مطرحٍ بعيد برع الديار، كان صقر جالساً وهو يقلب جمر النار، وبداخله نار واهجة وده يطمئن على أهله وأمه وقمر بـ أي وسيلة. وقبل ثلاثة أيام، خاطر بـ عمره وراح وشاف رجال أبو سراج محوطين القبيلة ومضيقين على هله. واليوم، قرر يروح ويشوف عسى وانفك حواط القبيلة.
امتطى فرسه الكحيلة وهو ينظر لـ صاحبه "فزاع" اللي كان يودعه بنظرات الخوف والقلق، وما درى صقر لولا فزاع ووقفته النشمية وش كان يسوي ب هالمحنة الشينة!
انطلق صقر بفرسه ينهب الأرض نهباً، ومن بعيد تمدد نظره صوب ديار هله، وتنهد بـ راحة وانشراح صدر وهو يشوف إن القبيلة انزاح الحصار عنها والرجاجيل تفرقوا.
ساق فرسه ودخل القبيلة بـ حذر، وأول ما لمحه رجال عشيرته، تقدموا باتجاهه بـ لهفة وفرحة عارمة بشوفته سالماً، وبنفس الوقت الخوف ينهش قلوبهم لا يلمحه أحد من عيون وعسس قبيلة الشيخ أبو سراج ويثور الدم من جديد.
أم صقر اللي كانت قاعدة بالخيمة، أول ما سمعت جلبة أصوات رجال القبيلة ونبرة الترحيب، خرجت تهرول. وأول ما شافت ولدها وقرة عينها صقر واقف قدام عيونها، تقدمت بـ نحيب وبكاء وحضنته بـ قوة وهي تبكي بـ حرقة خايفة عليه لا يغدروا به ويقتلوه، ونطقت بـ غصّة: "ودّي لو يقتلووني أنا يا ولدي بس يتركونك حر طليق!"
وفي ه الأثناء، خرجت قمر وليال ونجمة على أصوات أهل القبيلة، وأول ما لمحت عيون قمر زول صقر، طار قلبها بـ الفرحة ووقفت تلمح العز بـ عيونه.
## << في قبيلة الشيخ أبو سراج >>
وفي مضافة الشيخ أبو سراج، كان سراج جالساً بطرف المجلس وهو يسمع كلام الشيوخ وبداخله نار الغيض والثأر مارح تنطفي أبداً إلا وهو ذابح صقر ومقطع جثته بـ حد سيفه. نظر لـ أبيه، وشاف إن الشيخ أبو ضاري قد نجح بـ حكمته وفطنته في إقناعه بـ كف الشر وحقن الدماء.
نطق الشيخ أبو ضاري يهدئ النفوس: "وأنت عارف ومقر يا أبو سراج إن هذه الوقعة قضاء وقدر، وولدك وقاص هذا مكتوبه ويومه بـ حكم الكريم، والحي أبقى من الميت والعفو من شيم الكرام، والله تعالى قال في محكم آياته: {{فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ فَاتِّبَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ وَأَدَاءٌ إِلَيْهِ بِإِحْسَانٍ ذَلِكَ تَخْفِيفٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَرَحْمَةٌ}}."
تنهد الشيخ أبو سراج بنبرة كسيرة ونطق بـ قناعة: "خلاص.. الشور شورك يابو ضاري، يجي الشيخ أبو صقر للقبيلة وبإذن الله يتم الصلح وعقد العطوة وسوق الدية."
قام الشيخ أبو ضاري وهو يسلم على أبو سراج ويتشكره على ه الحكمة وقبول الجاهة.
أما سراج، فكان جالس وعيونه تقدح وعيد، وبداخله يتوعد: (خلني بس أشوفك يا صقر بوجهي، والله وتالله لا أذبحك بـ يدي هذي وأشرب ذيابة الخلا من دمك الحار!).
صحى سراج من شروده الوعر على صوت الشيخ أبو ضاري وهو يوجه الهرج له ولـ ولده ضاري وقال: "ضاري وسراج.. إذا ما عليكم أمر يا سراج، تروح أنت وضاري الحين لـ قبيلة الشيخ أبو صقر بليا تأخير."
رفع سراج عيونه بـ ريبة ونظر لـ ضاري، وتابع الشيخ أبو ضاري قوله: "تبلغه ياضاري إن الشيخ أبو سراج قابل بالصلح والجاهة."
ثم التفت لـ سراج بنبرة حادة: "أما أنت يا سراج.. تروح وتعتذر من أهل القبيلة ومن الحرمة الكبيرة على محاصرتك لهم وضيقك عليهم، وبصراحة وصلتني علوم موب زينة ولا فيها مروءة عن اللي سويته بـ مرة الشيخ وأهله!"
شاش غيض سراج وحس بـ إهانة زلزلت كيانه، وبداخله وده يفجر بـ صدر أبو ضاري؛ فوق ما انذبح خويّه وقاص، يروح الحين ذليلاً يعتذر من هله وذباحينه بـ عقر دارهم؟! مير سكت وعض على شفايفه وهو يشوف عيون أبيه الشيخ أبو سراج تؤشر له بـ حزم وتأمره يفز ويروح ويمتثل للأمر.
قام سراج وعيونه تقدح غيض وهو يشوف ضاري يمشي أمامه، ومشى بعده والشرار يتطاير من خطاويهم صوب ديار صقر!
