أقبل سراج وسمعان ونهيان على طراد خيلهم، وتاليتها مروا حراوي بئر العرب، وهناك لفو على غيد الخفرات (بنات القبيلة) وكل وحدة منهن شايلة صميليها وقربتها، والهرج بينهن قايم. أول ما شاش نظر البنات لرجيل الخيل، خيّم عليهن السكوت الرزين، ووقفن يرقبن الخطاوي. بس الصدمة خذتهن يوم مروا الفرسان من جنبهن كأنهم ما يشوفون دبة النمل، ولا عطوهن أدنى لفتة.
نطقت قمر وعينها تلاحق عجاج خيلهم: "وش بلاه علمهم ذولا؟ علامهم كأنهم ما يشوفون ناسي؟"
ردت ليال بضحكة خفيفة: "وهقوتي وش كنتِ ترجين؟ يحسبونك شيخ العرب عشان يثنون لك الترحيب؟"
قالت نجمة بضيق: "يا شين هرجكن! مير اقطعن السالفة، ولعاد تهرجن بهالهرج العايب."
ردت عليها ليال وهي ترفع حاجبها: "تخسين يا بنت الحمايل، إن كان هرجي عايب، وين الهرج السنع أجل؟"
نهرتهن قمر وقالت: "أقول ابلعن العافية واصمِتن، علومكن هذي ما وراها إلا علوم الردى."
التفتت لها نجمة وقالت: "وعلامك هبيتي فينا كأنك ذيبٍ جاير؟"
تنهدت قمر والوجل في عينها: "والله مدري بلاي، مير قلبي فزّ من يوم شفت هالرجاجيل، يستر الله لا يكون صايرٍ في العرب شر."
طمنتها نجمة: "وش بيصير يالشقردية؟ ورجال العشيرة كلهم بالمجلس حضور."
قاطعتها ليال باعتراض: "ومن قال إنهم حضور؟ الشيخ صقر غايب وماله جرة اليوم."
تبسمت نجمة بغمزة: "يا عيني عليك يا قمر! قولي إن قلبك يرف على صقر الصقور وخايفةٍ عليه، ولا تلفين وتدورين."
صدت قمر وخطت بوجعها بعيد عنهن وهي تقول: "عز الله لا فيكن سنع ولا عقلٍ رزين."
ضحكت ليال وراها: "وش فيك يا قمر؟ إن كنا حنا ما بنا زين، الزين وين ينلقى في هالديار؟"
ختمت نجمة السالفة بضحكة عالية: "خليها، هذي قلبها واهجٍ بناره، حنا حوريات الديرة، وهي غدت كأنها ناقة عمي أبو صالح!"
ودخلن الخيمة اللي بصف المضافة وهن يتبادلن الضحك.
أما سراج، فأول ما جاوز حد الحريم، نوّخ خيله وربط عنانها، ونزل وخطاويه تقص الأرض قَص. دخل ربعة المجلس والمضافة مليانة برجال العشيرة وشيوخها.
وقف سراج بوسط المضافة، وصرخ بصوتٍ جهوري يهز العمدان: "اسمعوا يا هل الحلال ووجيه العرب! جيتكم اليوم ومالي في سلم الهرج طريق، ولا أنا بسايلٍ عن عادات السلم! سلموني ولدكم صقر، وإلا وعهد الله الذي لا إله إلا هو، لأفني هالقبيلة عن بكرة أبيها، ولأخلي دياركم قاعاً صفصفا!"
وقف الشيخ أبو صقر وصدمته هدت حيله، ونطق بصوتٍ جهيد وثقيل: "وش علمك يا ولد؟ وعلامه صقر؟ وش الجناية اللي جناها؟"
رد سراج وعيونه تقدح شرار: "اسمع يا شيخ، وعز الله إني أحشمك حشمة أبوي، وما جيتك إلا حاشمٍ شيباتك، مير ولدك صقر ذبح خيي وقاص! سلمه لي بيده، ولعاد تهرج وتلف بالقول كأنك ما تدري عن العلوم، السالفة انفضحت ودم خيي ما يروح هدر!"
قام أبو محمد يهدّي اللعب ونطق: "علامك هبيت بنا كذا؟ اذكر الله واجلس وعلومنا بتاخذها بالحق والمنطق."
جلس سراج على مضض وهو يكتم غيضه الساطي، وبدوا الرجاجيل بالهرج والتدبير.
<< في عرب الشيخ بارك >>
أقبلت أم الهنوف وهي مجهزةٍ خضابها عشان ترسم خطوط الحنا على كفوف بنتها الهنوف.
التفتت الهنوف وقالت بزهد: "وش له الداعي يمه؟ ماله لزوم نقش الحنا وهالخرابيط."
ردت أمها بعز: "إلا له لزوم ونص! أنتِ بنت شيخ، ولازم تفرقين وتتميزين عن كل غيد الديرة."
قالت الهنوف: "أي تميز يمه؟ البنات ما يتحنن إلا بيوم العرس الكبير، وش له أنا أتحنى بيوم كتب الكتاب والملكة؟"
دخلت أم بندر وقاطعتها بحزم: "أقول اقصري الهرج وابلعي العافية، كثر الكلام هذا ما وراه سنع."
قالت الهنوف بعتب: "حتى أنتِ يا عمه تكسرين مجاديفي وتهرجين كذيه؟"
ردت أم بندر: "أجل وش تبيني أقول؟ اتركي عنك دلال بنات الحضر، وخليك بدويةٍ صتيمة، زينة ورزينة!"
### عند شباب العشيرة ^•^
كان بندر جالسٍ على الصخرة وسرحان، والسكوت طاغي عليه.
قرب منه فهد وقال: "وش بلاك يا بندر غايبٍ عن الوجود؟ المفروض الحين إنك طايرٍ بالسما من الفرحة، وبكره ملكتك وكتب كتابك!"
ضحك قناف وقال متهكماً: "أشهد إن بنت الشيخ قصت جناحينه برفضها له، وخلته بليا ريش!"
نغزه فهد بكوعه وقال: "اخرس قطع الله لسانك، خلص الهرج السنع عندك؟"
رد قناف وهو يفرك كوعه: "وش بلاك هبيت فيني؟ والله ما قصدت شينة."
حاول فهد يضيع السالفة يوم شاف نظرات بندر غدت كأنها شفرات دمان، وقال: "إلا مير قول لي يا بندر، وش شعورك الحين؟ علمنا وشجعنا نخطي خطوتك وندور الغيد."
نطق قناف بلقافة: "وكيف تخطي وأنت ما فيك مرجلة الرجاجيل؟"
التفت له فهد بشر وقال: "وش قصدك يا هبيل؟"
وفجأة قبعت! انحاش قناف وهو يصارخ: "محدٍ تبي تقبل بك يا مخبول!" فصخ فهد نعاله (أكرمكم الله) ولحق وراه والعجاج ثاير وراهم.
وقناف يركض كأنه غزال جفله ذيب، وفهد وراه، ومير يمرون من جنب ناقةٍ رابضة. الناقة اخترعت من صياحهم وعجتهم، وشاشت وقامت تطردهم وتجري وراهم! غدوا الاثنين يركضون بأقصى ما عطاهم ربي من حيل، والناقة وراهم تخب خبب.
بندر يوم شاف هالمنظر انفجر بالضحك وهو يشوف قناف ماله جرة من كثر العجاج، وفهد رافع ثوبه بأسنانة يبي الفكة من سنام الناقة. وما مات من الضحك إلا يوم تعرقل فهد بظهر قناف، وطاحوا الاثنين فوق بعض والتراب غطاهم!
## << في عرب الشيخ أبو ذياب >>
كان فارس جالسٍ عند مشب النار، والدلال تقلب، والضيق تارسٍ صدره ولا يدري وين يوجه وجهته. تنهد بحسرة وهو يشوف "ذهول" تمشي بوقار ومعها أخته "حسناء".
نادى بصوتٍ جهوري: "أقول يا حسناء.. تعالي اباك."
تقدمت حسناء لمه، ووقفت ذهول بمكانها ترقبهم من بعيد.
قام فارس ومشى هو وأخته ودخلوا طرف الخيمة عشان الخصوصية.
قالت حسناء بعجلة: "أخلص علي وش بلاك ناديتني؟"
فارس: "ودي أقول لك كلمة، مير مستحي."
حسناء: "قولها وأنا أختك، وش منتظر؟"
تنحنح فارس وقال: "شوري على ذهول.. إن تقدمت لها وخطبتها من أهلها، تهقين توافق وتصير حلالي؟"
ابتسمت حسناء وقالت: "أثر السالفة كذا! قفل على الموضوع وأبشر بسعدك، يالله في أمان الكريم."
طلعت حسناء لذهول اللي كانت تنطرها، ومشن سوى.
سألتها ذهول بفضول: "وش علامة فارس ناداك؟"
ردت حسناء بابتسامة خبث: "ما غير وده يستشيرك في علمٍ غانم."
ذهول: "وفي وش يبي يستشيرني؟.."
