حرمة الشيخ دخل مضافة زوجها، ولم يكن في المكان غير الشيخ وصقر.
أم صقر: "يا شيخ، البنت فاقت."
الشيخ أبو صقر براحة: "الحمد لله."
أم صقر: "بس المشكلة أنها فقدت الذاكرة."
سكت الشيخ ونظر إلى ابنه صقر الذي ينظر لهم بهدوء.
الشيخ: "دم، وهي فاقدة الذاكرة، رح نصبر إلى أن ترجع لها الذاكرة، ونرجعها لأهلها. وأنتِ اعتبريها من اليوم بنتك."
ابتسمت مرة الشيخ لأنها من زمان كانت تتمنى أن يرزقها الله ببنت، وكأن الله قد استجاب دعوتها.
مشى والسعادة تغمر قلبه، دخل المطبخ وجهز طعامًا للشيهانه.
قدم لها الطعام، بدأت الشيهانه تأكل، ولكن بعد لحظات توقفت عن الأكل بسبب الصداع الذي داهمها.
أم صقر: "علمك يا بنيتي، توقفتِ عن الأكل."
الشيهانه قامت من على السفرة: "الحمد لله، شبعت."
أم صقر هزت رأسها وهي تكمل: "رح يجين بنات القبيلة، وتتعرفي عليهن."
سكتت وهي تسمع مرت الشيخ التي تكلمتها عن مواضيع مختلفة.
---
في مكان آخر، وتحديدًا عند الوضحة والشاب، نعود إلى تلك اللحظات.
تمشي الوضحة وهي تبكي، نازلة من ظهر الجبل والأمطار تتساقط بكثرة.
تحس بدوخة قوية، لكنها تتذكر أنها برفقة الشاب.
تمشي وهي تحاول تقوية نفسها، رغم أنها تشعر أن كل ما مرّت به اليوم شيء لا يُصدق.
نظرت للشاب الذي يمشي بخط مستقيم وبعد دقائق، نظرت إلى النور الذي يسطع من أحد الخيام.
تقدم الشاب من الخيمة، وهي تجر خطواتها الثقيلة خلفه.
وصلوا إلى الخيمة.
صاح الشاب: "يا الأجاويد!"
خرج رجل وقال: "علامك يا الخوي?"
قال الشاب القصّة بالكامل.
الرجل بشهمه: "اسمع، الحرمَة تروح تجلس في الخيمة التي فيها حرمتك، وأنا وأنت نروح جنب الخيمة الخاصة بالرجال."
دخلت الوضحة، ورفعت عيونها على المرأة التي ابتسمت لها.
المرأة: "أرحبي يا ضيفة."
جلست الوضحة، ومن كثرة التعب، نامت.
---
في قبيلة الشيخ بارك:
جلسوا في المضافة.
أبو بندر: "بعد الإذن منكم يا الحضور، أقول يا شيخ، نحن جينا راغبين وطالبين يد بنتك الشيخة الهنوف لولدنا بندر على سنة الله ورسوله."
أبو الهنوف: "يا حيا فيك، ترى بندر رجال وسيد الرجال، وصعب نلقى مثله لو نلف الديار كلها، لكن الشور شور البنت."
أبو بندر: "خذوا راحتكم."
خرج الشيخ وهو يصيح: "يا أم الهنوف، يا أم الهنوف!"
خرجت أم الهنوف وقالت: "أمر يا شيخ."
أبو الهنوف: "وين الهنوف؟ ودي أكلمها بموضوع مهم."
أم الهنوف: "روح إلى الخيمة حقها، وتشوفها هناك."
مشى الشيخ ودخل الخيمة، وهو يرى الهنوف التي تمشط شعرها الأسود.
الهنوف، وهي تنزل المشط وتجمع شعرها وتلبس المصول: "هلا يا أبه، أمر، وش بغيت?"
أبو الهنوف: "والله يا زينة البنات، ما في غير ولد عمك بندر، جاء طالب يدك على سنة الله ورسوله. وش رأيك أنتِ?"
الهنوف: "اسمع يا أبه، والله ولد عمي بندر رجال نشمي وزينة الرجال، بس أنا ما ودي بزواج."
أبو الهنوف باستفسار: "والمقصد?"
الهنوف: "الله يوفقه، بزينة البنات، بس أنا ما بغى الزوج."
أبو الهنوف: "صلي استخارة، يمكن ترتاحي."
الهنوف: "أنا قلت لك يا أبه، إني ما بغى الزوج ولا أبغى أسمع أي كلام عنه."
أبو الهنوف: "القرار قرارك، إذا دمك رافضة، خلاص، اعتبري كل شيء ملغي."
قامت الهنوف وهي تبوس رأس أبوها: "تسلم يا أبه."
خرج الشيخ وهو يدخل المضافة.
نظر إلى بندر الذي كان القلق واضحًا عليه، والعشيرة التي كانت تنظر له منتظرة الجواب، وهو خائف من ردة فعل أخوه وولده ورجال القبيلة.
---
في قبيلة الشيخ ذياب:
وصل المرسل الذي أرسلته للقبائل.
المرسل: "شف يا شيخ، بقبائل الشمال كاملة ما قد مروا بالبنتين أبدًا. رحت عند الشيوخ الي يبلغوك بتحيتهم، وقالوا إذا جوا البنات إلى قبائلهم، رح يرسلوا مراسيل لقبيلتنا."
الشيخ هز رأسه ورفع نظره إلى ذياب الذي دخل هو وفارس.
الشيخ: "آخر العلوم يا ذياب?"
ذياب: "والله يا أبه، صار لنا أربعة أيام ونحن محاصرين الجبل، عسى الله ونقبض على قطع الطرق، بس ما لقينا لهم أثر."
الشيخ: "اسمع يا ذياب، أنت وفارس تروحون اليوم تكتشفون الجبل حق وادي الأشباح كامل، يمكن متخفين في مغارة أو كهف، ومحد يعرف."
فارس: "أمرك يا عمي الشيخ."
خرج فارس وذياب من المضافة.
شافوا ذهول التي تتقدم نحوهم.
ذهول: "يا ذياب!"
ذياب: "وش بغيت?"
ذهول: "تقول لك أمي روح لها بخيمة الحريم، ودها تكلمك."
مشى ذياب، وفارس تحمحم وقال: "شلونك يا بنت العم?"
ذهول: "الحمد لله، وأنتَ علامك يا ولد العم?"
فارس: "ماشي الحال."
نظر فارس إلى الغنم التي تركض باتجاههم، والنعجة التي كانت تمشي بجانب ذهول.
صرخت ذهول: "يمه! يمه!"
سقطت على الأرض، وانكشفت الثمة التي كانت على رأسها.
فارس الذي كان ينظر للموقف في البداية ضحك، ولكن عندما رأى وجهها المكشوف، توقف وهو مدهوش.
شعر بأن ذهول قد كبرت، وأصبحت من أجمل الفتيات في القبيلة. ابتسم وهو يتذكر عيونها التي تأسر القلوب.
في عقله، شعر بشيء ورد عليها:
"من زود الحلا، ربي خلقك يا ذهول،
حسن وجمال وعيون كنها سيول،
فاتنة في الأرض، نبتتك مثل الزهور،
يا ورد جوري، يا خوف قلبي عليك من الذبول."
---
