تابعت أم صقر بوجل: "مير البلا والمشكلة.. إن البنت صحت وفاقدة الذاكرة والعقل؛ ما تدري من هي، ولا وش ديرتها، ولا حتى وش اسمها!"
سكت الشيخ وعقد حاجبيه يفكر في هالمصيبة، وصد بنظره صوب ولده "صقر" اللي كان جالس بزاوية المجلس، يراقب السالفة بهدوء وعيونه الصقرية تشتعل بـتساؤلات تلوح في المدى..
سكت الشيخ أبو صقر برهة، وجال بنظره بين معالم خيمته وقار، ثم التفت لولده صقر ونطق بحكمة الشيوخ: "بما إنها فاقدة الذاكرة والعقل، فـحنّا بنصبر عليها ونداريها لين يشاء ربي وترجع لها ذاكرتها، وحزتها نردها لأهلها وعزوتها سالمة. وأنتِ يا أم صقر.. اعتبريها من هاليوم بنيتكِ اللي ما جابتها بطنكِ."
تهللت أسارير أم صقر، وارتسمت على شفايفها ابتسامة فرحٍ غامر؛ فمنذ سنوات طوال وهي ترفع يدينها للسما تتمنى أن يرزقها الله ببنتٍ تونس وحشتها، وكأن الله قد استجاب لدعوتها في هذه الليلة المباركة.
مشت السعادة في عروقها، ودخلت مكان الزاد (المطبخ) وجهزت طعاماً طيباً يبرد على قلب الشيهانة المقيمة في الضياع. قدمت لها الطعام بنظراتٍ حنونة، وبدأت الشيهانة تأكل ببطء، مير بعد لحظات معدودة توقفت، ووضعت كفها على صدغيها بسبب صداعٍ حاد وعنيف داهم رأسها كأنه ضرب الفؤوس.
شغلت أم صقر بالها وقالت: "علامج يا بنيتي؟ وش بلاكِ توقفتِ عن الزاد وأنتِ مهدودة الحيل؟"
قامت الشيهانة بتعب من على السفرة وقالت بصوتٍ خافت: "الحمد لله.. شبعت وجاد الله عليكم."
أومأت أم صقر برأسها، وتابعت تلطف الأجواء: "مابه خلاف يا يبه.. مير ارتاحي، واليوم رح يجنّ بنات القبيلة يسلمن عليكِ وتتعرفين عليهن وتصيرين مننا وفينا."
سكتت الشيهانة (ليال) وجلست تستمع لمرت الشيخ وهي تحدثها عن أمورٍ ومواضيع شتى لعلها تستأنس.
<< وفي مكانٍ آخر.. تحت عصف الريح والأمطار >>
نعود إلى تلك اللحظات القاسية عند الوضحة والشاب المجهول..
كانت الوضحة تمشي وعبراتها تخنقها، تنزل من ظهر الجبل الوعر والمطر يتساقط فوقها بغزارة كأنه سياط تعاقب جسدها النحيل. كانت تحس بدوارٍ قادم وغشاوة سوداء تطبق على عيونها من شدة البكاء والنواح، ميرها تذكرت في لمحة من وعيها المكسور أنها برفقة رجلٍ غريب وسط الخلا.
مشت وهي تشد عزمها وتقوي نفسها، رغم أن كل ما مرّت به في هذا اليوم من فقدٍ وظلم وسيل يلوح لعقلها كأنه حلمٍ لا يُصدق. نظرت للشاب الذي كان يتقدمها بخطى ثابتة ومستقيمة، وبعد دقائق من المسرى المضني وسط الظلمة، لمحت نوراً ضئيلاً يسطع من جانب إحدى خيام البدو القاطنين في طرف الوادي.
تقدّم الشاب صوب الخيمة، والوضحة تجر خطواتها الثقيلة خلفه كأنها الجبال.
وصلوا للوجار، وصاح الشاب بصوتٍ جهوري: "يا هل البيت!.. يا الأجاويد!"
خرج صاحب الخيمة متعجباً من الطارق في هذه الليلة المطيرة، وقال: "علامك يا الخوي؟ وش وراك في ذا الليل؟"
سرد له الشاب القصة باختصار وعن الحرمة اللائذة به عقب السيل. فزت نخوة الرجل ونطق بشهامة: "اسمع يا ولد.. الحرمة تروح فوراً تجلس في خيمة الحريم عند هلي وحرمتي، تعين من الله خير، وأنا وأنت نروح لمضافة الرجال نزبن فيها عن المطر."
دخلت الوضحة الخيمة بحياءٍ منكسر، ورفعت عيونها المتعبة لترى امرأة بدوية بشوشة ابتسمت لها لتبدد خوفها، ونطقت: "أرحبي يا ضيفة.. يا هلا ومسهلا، اقلطي."
جلست الوضحة في الزاوية، وممن كثرة الهداد والتعب النفسي والجسدي الذي فاق طاقتها، استسلمت للنوم وغابت عن الدنيا..
<< وفي قبيلة الشيخ بارك >>
كانت المضافة غاصة بالرجال وعشيرة الشيخ بارك، والوجوه تترقب السالفة. تنحنح أبو بندر، وطلب الإذن من الحضور، ثم التفت للشيخ بارك وقال بـجاهية بدوية: "بعد الإذن منكم يا الحضور.. أقول يا الشيخ بارك، نحن جيناكم الليلة عانين راغبين، وطالبين يد بنتك الشيخة "الهنوف" لولدنا "بندر" على سنة الله ورسوله، وشيم عرباننا."
رد الشيخ أبو الهنوف بترحيب ووقار: "يا حيا الله فيكم، وترى بندر رجالٍ نشمي وسيد الرجال، وصعب نلقى مثله لو نلف الديار والقبائل كلها، مير السنع سنع، والشور شور البنت ولا نغصبها."
أبو بندر: "خذوا راحتكم يا الشيخ، وحنّا منتظرين."
خرج الشيخ من المجلس بخطى وئيدة، وصاح بنبرة عالية: "يا أم الهنوف!.. يا أم الهنوف!"
أقبلت أم الهنوف بعجلة: "أمر يا الشيخ، وش بغيت؟"
أبو الهنوف: "وين الهنوف؟ ودي أكلمها في علمٍ وموضوعٍ مهم خصّ الخطابة."
أم الهنوف: "ترقاها في خيمتها، جالسة هناك."
مشى الشيخ ودخل الخيمة، فرأى ابنته الهنوف قائمة تمشط شعرها الأسود الطويل السادل كأنه الليل. أول ما رأت أباها، نزلت المشط بعجلة وجمعت شعرها ولبست "مصولها" وسترها ونطقت: "هلا يا أبه، لبيه وأمر.. وش بغيت؟"
أبو الهنوف بابتسامة حنونة: "والله يا زينة البنات.. مابه إلا ولد عمك بندر، جاء الليلة ومعه الجاهة طالبٍ يدكِ على سنة الله ورسوله. وش رايك أنتِ؟"
تنهدت الهنوف، وقالت بنبرة جادة وقاطعة: "اسمع يا أبه.. والله ولد عمي بندر رجال نشمي وزينة الرجال وما يعيبه شي، بس أنا ما ودي بالزواج أبد، وعايفة هالطاري."
استفسر الشيخ بحيرة: "والمقصد يا بنيتي؟ وش العلم؟"
الهنوف: "الله يوفقه ويرزقه بزينة البنات غيري، بس أنا ما بغى الزواج ولا ودي أفتح هالسالفة."
أبو الهنوف: "صلي استخارة يا الهنوف، لعل وعسى ربي يشرح صدرك وترتاحين."
ردت الهنوف بـإصرار بدوي: "أنا قلت لك يا أبه.. إني ما بغى الزواج ولا أبغى أسمع أي كلام أو هرج عنه."
طالعها الشيخ بعين المقدر لعزة نفسها، ونطق: "القرار قرارك يا بنيتي، وإذا خاطرك رافض، خلاص.. اعتبري كل شيء ملغي وكأن حدٍ ما حكى."
قامت الهنوف والراحة تغمرها، وقبلت رأس أبوها بامتنان: "تسلم وتدوم يا أبه، لا عدمتك."
خرج الشيخ من خيمتها ودخل المضافة، فـوقعت عينه على ابن أخيه بندر الذي كان القلق يأكله والترقب واضح على ملامحه، والعشيرة كلها تنتظر كلمته الجواب. كان الشيخ بارك يحمل همّ ردهم وركوب العيب الخفيف، وخائفاً من ردة فعل أخيه وولده ورجال القبيلة لو دروا بالرفض.
<< وفي قبيلة الشيخ أبو ذياب >>
وفي ذات النهار، دخل المرسل الذي أرسله الشيخ لتقصي أثر البنات، وأناخ راحلته وتقدّم للمجلس يلهث.
قال المرسل وعيونه على الشيخ ذياب: "شف يا طويل العمر.. قبائل الشمال كاملة مريت عليها ودخلت مجالسها، ومابه أحد مروا عليه هالبنتين أبد ولا لقوا لهن أثر. رحت عند الشيوخ وبلغوني أوصل لك تحيتهم، وقالوا عهدٍ علينا إذا جوا البنات أو مروا صوب ديارنا نرسل لك المراسيل فوراً."
هز الشيخ أبو ذياب رأسه بضيق، ورفع نظره الفاحص صوب ولده ذياب وفارس اللذين دخلا المجلس توّاً.
الشيخ: "وش آخر العلوم عندكم يا ذياب؟"
رد ذياب بأسف: "والله يا يبه.. صار لنا أربعة أيام بلياليها وحنّا محاصرين عرق الجبل، عسى الله يوفقنا ونقبض على قطّاع الطرق الثعالب، مير ما لقينا لهم أثر كأن الأرض انشقت وبلعتهم."
الشيخ بحزم وصرامة: "اسمع يا ذياب.. أنت وفارس تروحون اليوم وتكتشفون جبل (وادي الأشباح) كامل من ساسه لراسه، يمكن متخفين في مغارة أو كهف مجهول ومحدٍ درى عنهم."
فارس باعتزاز: "أمرك وهقوتك يا عمي الشيخ، الحين نطلع."
خرج فارس وذياب من المضافة، وبينما هم يمشون بين الخيام، شافوا "ذهول" تتقدم نحوهم بخطى سريعة.
صاحت: "يا ذياب!"
التفت لها ذياب وقال بجفاء: "وش بغيتِ يا ذهول؟"
ذهول: "تقول لك أمي روح لها الحين في خيمة الحريم، ودها تكلّمك في علمٍ لازم تسمعه."
مشى ذياب وتركهم، أما فارس فتحمحم، والتفت لذهول وبنبرة خافتة تحمل وداً خفياً قال: "شلونك.. شلونك يا بنت العم؟"
ردت ذهول بحياء: "الحمد لله بخير.. وأنت علامك وطاري المسرى يا ولد العم؟"
فارس: "ماشي الحال، برعاية الله."
وفي تلك اللحظة، التفت فارس للغنم والبل التي كانت تركض بجنون باتجاههم عقب ما جفلت، وكانت هناك نعجة ضخمة تمشي وتندفع بجانب ذهول بعشوائية. جفلت ذهول، وصرخت بذعر: "يمه!.. يمه!"
تفركشت قدمها وسقطت على الأرض برفق، ومير مع السقوط وحركة الريح القوية، انسكب وانكشف اللثام الذي كان يستر رأسها ووجهها بالكامل!
وقف فارس مدهوشاً.. في البداية بدأت على شفايفه ضحكة من مظهر سقوطها، مير أول ما وقعت عينه على وجهها المكشوف، تلاشت الضحكة وتوقف النبض في صدره وهو يتأملها بذهولٍ خالص! شعرت روحه بأن ذهول الطفلة قد كبرت ومرت عليها الأيام غفلة، لتصبح الحين من أجمل فتيات القبيلة وعربان البادية.. تلاشت الحروف من لسانه وهو يتذكر عيونها الواسعة الساحرة التي تأسر القلوب وتلعب بـعقل الفارس.
وفي عقله، تحركت شجون الشعر النبطي، وردد في سره هذه الأبيات بعشقٍ بدوي أصيل:
{"من زود الحلا، ربي خلقك يا ذهول
{حسن وجمال وعيون كنها سيول،}
{فاتنة في الأرض، نبتتك مثل الزهور،}
{يا ورد جوري، يا خوف قلبي عليك من الذبول."} *
