في قبيلة الشيخ ابو ذياب.
خرجت "ذهول" من خدرها والضيق ينهش خافقها، مير تراجعت خطوتها وهي تبصر زول أخوها "ذياب" وابن عمها "فارس" مقبلين صوبها والوجوه مستبشرة.
تقدم ذياب ونطق بـ ابتسامة رزانة انشرح لها صدره: "مبروك يا ذهول، وعز الله زين من صار نصيبك، والناموس الرفيع لـ بيوتنا."
دارت عيون ذهول بينه وبين فارس بـ ذهول واستغراب، وعقدت حاجبيها وهي تشوفه متباشر ورايق، وهو اللي قبل قليل كان شايش غيضه ومعترض على الخطبة الشينة! نطقت بـ حذر ونبرة خافتة: "الله يبارك فيك.. والفال عندك وعقبال ما نفرح بـ يومك."
وفي ه اللحظة، لفت من وراها بنت عمها "حسناء" وبـ صوت متهلل نطقت: "ألف مبروك يا فارس، وأنتِ يا ذهول عسى ربي يتمم لكم على خير وبياض وجه."
تنحنح فارس، ونظر لـ ذهول نظرة ثقيلة تارسها الشموخ والعهد، ونطق بـ وقار فرسان: "الله يبارك فيكِ يا بنت العم."، واستدار بـ هيبته ومشى مبعداً عنهم يترك لهم البراح.
فتحت ذهول عيونها على وسعها بصدمة كبرى، والتفتت صوب شقيقها ذياب اللي تضاعفت ابتسامته عقب ما شاف علامات الذهول على وجهها.
نطق ذياب يطمن بالها: "علامك فتحتِ عيونك كأنك طيرٍ جفل؟! ترى عقب ما خرجتِ من المضافة والضيق راكبك، وجهاء القبيلة وعوارفها قدروا عذرك وسيرتك، وقبلوا كلامك ورفضك لـ سعد الخايب. وفارس ولد عمي قام بـ هيبة الرجاجيل وطلب يدك على سنة الله ورسوله، وأبوي تهلل وجهه ووافق بـ فخر."
تنهدت ذهول تنهيدة طويلة انزاح بها حملٍ ثقيل عن ضلوعها، وحمدت الكريم بـ جوفها.
التفت ذياب صوب حسناء، ونظر لها بـ عينٍ رفيقة ونطق: "شلونك يابنت العم؟ عساكِ بخير وسنع؟"
حسناء دبت الحمرة بـ وجنتيها وبـ إحراج وخجل بدوي نطقت: "الحمد لله.. زينة طال عمرك."
مشت حسناء، وذهول وراها كأنها بـ عالم ثاني، الصدمة ألجمت لسانها وما نطقت ولا حرف.
التفتت لها حسناء بـ ضحكة خفيفة: "وش فيكِ غديتِ بـ وضع صامت؟ وين راحت هروجك قبل قليل؟"
ذهول بـ نفسٍ عميق: "والله ما غير وأنا أختك مصدومة.. ما هقيت إن السالفة تبي تصفى لـ فارس بـ ه السرعة."
حسناء بـ ابتسامة غنجة: "ما وراكِ إلا العز، وش رأيك نروح للغدير نملأ الجرات ونبري ضيق الصدور؟"
ذهول: "انزين، مشينا."
أخذن الجرات الفخارية الفخمة على عواتقهن، وتوجهن صوب الغدير والديار ساكنة.
وصلن للغدير، ومير لمحت حسناء من بعيد زول رجال جالس بـ قرب الممشى والماء، مير وجهه بالاتجاه الآخر ورافعٍ كتوفه.
همست حسناء: "شوفي يا ذهول، وش له ه الرجال جالس بـ قرب الغدير بـ ه الحزة لحاله؟"
ذهول بـ عدم اهتمام: "مدري عنه، خلينا نقرب بـ طريقنا وهو رح يخلي الدرب ويروح لما يشوف حريم مقبلات، هذي سلوم العرب."
حسناء: "انزين."
قربن من جرت الماء، وفجأة دار ه الرجال والتفت صوبهن بـ ملامح يقدح منها الشر، وإلا هو "سعد"!
ثبت عيونه الحاقدة بـ وجه ذهول ونطق بـ سخرية لاذعة وتحدٍ يملأ نبرته الحادة: "وربي يا بنت الشيخ.. يا صاحبة المقام العالي والأنف المرفوع، لأدفعك ثمن كل اللي سويتيه فيني اليوم وسط المضافة! ما أكون سعد مخاوي الذئاب إن مابكيتك دم أحمر بدل الدموع! هذي آخر علومك يابنت الشيخ ترفضين سعد اللي توقف له الجن والإنس هيبة وقواطع؟! والله لـ أكسر ه الكبرياء!"
ذهول ما انثنت خطوتها، ووقفت بـ شموخ بنت القبايل، وعينها بـ عينه ونطقت بـ جزالة وثبات: "أول بند.. خذ علوم الرجاجيل السنعة وجيت أهرج بـ ساحتها! الخايب ما يروح يكلم حرمة ويهددها بـ غياب قومها، هذي علوم حريم مهي علوم قروم! والجن.. صادق، لأنك منهم ومعهم توقف لك وتخاويك!"
شاش غيض سعد، وتقدم خطوة وبـ وعيدٍ أسود تلوح منه خطوط الغدر نطق: "أوريكِ ه الحرمة وش رح تسوي بـ عزبك وناسك بالأيام الجاية!"
## << ♕ في قبيلة الشيخ أبو سراج ♕ >>
تهادت خيل قبيلة الشيخ أبو صقر بـ ساحة عشيرة أبو سراج، وتقدم الشيخ أبو صقر ورجاله الصناديد بـ هيبة بدوية رفيعة، وتقدموا صوب المضافة وبـ سلوم قاطعة لدم، حطوا بواريدهم وأسلحتهم بالأرض أمام رجال قبيلة الشيخ أبو سراج دلالة على طلب الأمان والصلح.
وقف الشيخ أبو صقر، ونطق بـ صوت جهوري فخم تردد صداه بين الفرجان: "اليوم جينا يا بو سراج، وودنا بـ صلحٍ أبيض يحقن الدم، وما جينا ووطينا دياركم إلا وحنا عارفين كرمكم وجودكم الساطي بين العرب. وحنا ما نطلب منكم اليوم إلا الصلح والعفو بـ سلوم الأجاويد. وإن كان ودكم بـ دية دسمة ترضي خاطركم، فـ حنا مستعدين نسوق الدية ونبوق بها، اطلبوا اللي يوده خاطركم وأمركم مطاع وحنا ننفذ بـ بياض وجه!"
نظر له الشيخ "أبو سراج" بـ وقار الشيوخ وبصوت ثقيل نطق: "يا حيا فيكم ويا مسهلا بـ دياركم. وأنا ما ناديتكم وفتحت بوابتي إلا وأنا ودي بالصلح، وودي أنهي هذا الثأر الشين اللي أكل قلوبنا، وإن شاء الله ما يصير بـ هالمجلس إلا كل علمٍ طيب يسر الخاطر."
التفت الشيخ "أبو ضاري" (الوسيط والجاهية) ونطق بحكمة: "تسلم يا شيخ أبو صقر، كلامك زين وعين العقل ويدل على أصالتك، وأنت يا بو سراج ما جبت إلا كل علمٍ غانم وخير. والآن يا عرب ادخلوا المضافة نتكايا ونتفاهم على بنود هذا الصلح وعسى ربي ما يجيب إلا الخير."
دخلوا المضافة الكبرى، وجلسوا على الفراش الوثير والدلال تساق بريحة الهيل والزعفران.
تنحنح الشيخ أبو ضاري ونظر لصاحب الدار: "دام الشيخ أبو سراج قبل الصلح ونبذ الفتنة، وش شروطك لجل نختم ه السالفة؟ اطلب واتمنى، وأنا والشيخ أبو صقر رقابنا سدادة لـ طلبك."
أيد كلامه الشيخ أبو صقر ونطق بـ جزالة وكرم: "صح لسان الشيخ أبو ضاري، اللي ودك به ورح يبري خاطرك رح نجيبه ونسوقه لك، والله لو تطلب ألف خنجر مذهب، وألف معجر، وألف ضربة ذهب أحمر بـ المصبّر الكبير.. حنا لها وفدا لـ حقن الدم!"
تنفس الشيخ أبو سراج بـ كدر وتذكر ولده الراحل، ونطق بـ عزة نفس بدوية: "شوف يا شيخ أبو صقر.. دم ولدي وقاص غالٍ ومستحيل أبيعه بـ مال وإبل! وأنا قبلت بالصلح رغم إن ولدك صقر هو المتهم بـ قتله، مير ما يعز علي أذبح ولد الشيخ أبو صقر اللي كان بيوم من الأيام أعز أصدقائي ورفيق دربي. وولدي وقاص رحل ومارح يعود لـ ه الدنيا بـ الموت والثار، لـ هذا أنا قبلت بـ الجاهة والصلح، أما الدية فـ مستحيل أقبلها وآكل ثمن دم ولدي، وما في أي شروط مال بـ عقلي. واعرف يا بو صقر إن ولدك صقر هو بحسبة ولدي، وما يعز علي أذبحه وأحرق قلبك، يكفيني خسارتي بـ وقاص، ما ودي أخليك تذوق لوعة الفقد اللي ذقتها أنا!"
فز "صقر" بـ شجاعة فرسان ونطق بـ نبرة صادقة قاطعة: "تسلم يا عمي الشيخ أبو سراج وطال عمرك، بس والله وتالله ويشهد عليّ ربي العليم.. إني ما ذبحته ولا وطيت دمه!"
أبو سراج، رغم إنه بـ داخله مقتنع تماماً إن القاتل هو صقر بسبايب الشواهد، نطق بـ ثقل: "ودامك واثق يا صقر بـ ه الشكل إنك ما ذبحته.. ودي إياك تظهر وتجيب الرجال اللي ذبحه وغدر به، وهذا أنا أعتبره شرطي القاطع للصلح!"
أما "سراج" فكان جالساً بطرف المجلس، يسمع الكلام وعيونه تقدح شر، وما عجبه كلام أبوه أبد؛ لإن اعتبر قبول الصلح بلا دية ولا ثأر هو بمثابة تنازل كبير ومذلة لدم أخوه وقاص، وابتسم بـ سخرية ونطق بـ داخله: (يعتبره بـ حسبة ابنه؟! كبرت والله وصرنا نتنازل عن دمنا بـ ه السهولة!).
مير لما سمع شرط أبوه، تذكر فوراً "بنت الشيخ" (ليال) اللي كانت تنظر له بـ استفزاز في ديرتها، وخطرت بـ باله فكرة خبيثة يكسر بها فرحتهم ويرد الصاع صاعين لـ غرورها وكبريائها المرفوع.
نظر أبو ضاري للحضور ونطق: "انتهت شروطكم يا آل سراج؟"
فز سراج بـ طوله وصاح بـ صوت قوي هز أركان المجلس: "لا.. ما انتهت!"
التفت له أبو ضاري بعقدة حاجب: "وش تبي يا سراج؟ أهرج!"
سراج بـ سخرية وخبث متمكن: "ودي تكون بنت الشيخ (فصيلة لـ دمنا) وزوجة لي غصبٍ عنها.. وهذا شرطي القاطع من ضمن شروط الصلح ولا يثنيه شي!"
ظهرت معالم الصدمة والوجل على وجه الشيخ أبو صقر، ونطق بـ حيرة: "بس أنا ما في معي بنات، صقر هو وحيدي بالدنيا!"
سراج بـ ضحكة سخافة وطقطقة: "والبنت المزيونة اللي شفتها بـ وسط دياركم الحين وقالوا عنها بنت الشيخ.. وش تكون؟! ليكون جنيه ظهرت لي وأنا ما عرفت؟!"
ضاري من البداية جالس يسمع هروجهم بثقل، ومير لفته كلام سراج وعلمه عن "بنت الشيخ"، ووجه عيونه الحادة بـ تركيز صوب الشيخ أبو صقر يبي يشوف وش ورا ه السالفة ووش تبي تصفى عليه.
تنهد الشيخ أبو صقر ونطق بـ أمانة ورجولة: "والله يا سراج.. ذيك البنت (ليال) جابها السيل وجرها لديارنا بـ غرقها، وأنا أخذتها وحميتها بـ بيوتي وحسبتها بـ حسبة بنتي وقرة عيني، وما ودي يقربها شر أو ضيم من جهتي بسبايبنا.. لـ هذا، فـ شيمتكم اعفونا من هذا الشرط الشين واتركوا بنت الناس بـ حالها."
سراج بـ عناد قاطع وغطرسة: "تكون من ما تكون! جابها السيل أو جابتها الريح، أنا ودي بها وصارت من شروطي الحبلة! وأنت دبر نفسك معها، وإلا.. اعتبروا الصلح ملغي والحرب قايمة، ومستحيل أتنازل عن شرطي وهدفي!"
أبو ضاري بـ حكم عوارف القبايل التفت لـ بو صقر ونطق: "حقه يا بو صقر بـ سلوم الدم.. كلم البنت وعسى تقتنع لجل حقن ه الدماء وتفتدي العرب."
شاش غيض صقر، وقام بـ شجاعة مفرطة ومد بارودته بـ يدين ثابتة صوب سراج وصاح: "اقتلني الحين يا سراج وخذ بـ ثأر أخوك! ولا تضغط على أهلي بـ شيئ شين، واترك بنت الناس بـ حالها وعزها!"
نظر سراج لـ فوهة البارودة الموجهة له، وشرد ذهنه قليل بـ حيرة.. هل يثور الرصاص الحين ويذبحه ويأخذ بـ ثأر وقاص وتنتهي السالفة بـ حرب، أو يترك الصلح يتم ويأخذ البنت يكسر بها خشم الديرة؟
قطع حيرته صوت الشيخ أبو ضاري وهو يصرخ بـ حسم: "رجع البارودة لـ مكانها يا صقر واقعد! والشرط رح يتنفذ بـ حشمة العرب. ودام سراج قابلٍ لها ويهواها كـ فصيلة، وش لك تعترض؟ الشيخ أبو صقر يكلم البنت بـ الحُسنى وإن شاء الله ما يصير إلا كل علمٍ طيب وخير."
أما ضاري.. فـ عقب ه الهرج، زاد الشك عنده بـ اليقين، وعلم وتأكد إن البنت هذي هي نفسها "ليال" اللي شافها وجرها السيل الطامي لـ قبيلتهم!
عزم بـ جوف داخله وسره، إنه بكره مع الفجر رح يشد الخيل ويروح لـ عند "أبو شبل" لجل يلم شمل الخوات (شمس وليال) عقب طول الفراق والظن بالموت. وابتسم ضاري ابتسامة دافئة وهو يتذكر كلام "وضحة" (لما كانت متنكرة بـ زي وضاح وشكرته بـ شموخ)، وطول عمره ما شاف بنت بـ مثل شموخها وثقتها العالية، رغم إنها كانت مهزوزة بـ موت أختها المزعوم، إلا إنها كانت ثابتة ثبوت الجبال الحمر. أفاق ضاري من شروده وهواجيسه على صوت الشيخ أبو صقر وهو ينهي المجلس بـ كدر الكبار:
"خلاص.. اعتبر الموضوع تم يا بو سراج، رح أروح وأكلم البنت وأعرض عليها الأمر، رغم إني والله ما كان ودي أورط بنت الناس بـ ه السالفة الشينة بسبايبنا."
عقبها.. انفض المجلس ورجع كل واحد لـ قبيلته بـ هواجيس وعلوم تبي تلدغ الأيام الجاية.
