((٧))

240 22 36
                                        


---

في قبيلة الشيخ صقر♕
بدأت بنات الديرة بالتعريف عن أنفسهن.
تقدّمت فتاة خجولة الملامح ونطقت: "أنا قمر، بنت أخو الشيخ أبو صقر، وأنا البنت الوحيدة في هالعائلة."
أكملت "نجمة" بابتسامة نغزة: "ومخطوبة للشيخ صقر!"
فوراً احمرّت خدود قمر من شدة الإحراج والوجل، وهي تشوف أم صقر تتبسم بحنان وتقول: "علامكن على قمورة بنيتي؟ ترى هذي حرمة ولدي الغالي وشيخة بيته!" ونزلت قمر رأسها في الأرض بحرج بدوي أصيل.
تابعت نجمة التعريف بنفخة اعتزاز: "وأنا نجمة، بنت أبو محمد، خوي الشيخ أبو صقر وعزّ رفيقه."
ثم تقدّمت فتاة ثالثة وقالت: "وأنا ياقوت، بنت أبو شاهين."
وأخيراً، أقبلت فتاة تمشي بخيلاء وتعدل شيلتها، وقالت بفخر وثقة تامة: "وأنا سعدية.. أجمل بنات الديرة وكل العربان!"
التفتت لهن الشيهانة (ليال) وقالت بنبرة هادئة تداري بها غربتها: "يا هلا فيكن كلكن، وحياكن الله."
جلست البنات معاً في زاوية الخيمة، يتحدثن ويضحكن، ولم تخلو الجلسة من نغزات سعدية المستمرة لقمر لجل تقهرها.
قالت قمر تحاول تغيير السالفة: "أقول يا بنات.. وش رأيكن باجر مع غبشة الصبح نروح نتنزه في الحوض اللي بنهاية وادي الرعيان، ونصطاد ونيّش بالبارود؟"
فزت نجمة وقالت: "فكرة حلوة يا قمر، بإذن الله أنا أول الحاضرين."
سعت سعدية وهي تشير إلى وجهها وزينتها بدلال: "مو معقولة هالحلا والزين كله، يروح يطرد الحيوانات والجرابيع في البراري والشموس!"
تجاهلن البنات كلامها ولم يلقين لها بالاً.
تساءلت ياقوت بحيرة: "مير يا الزينات.. من وين لنا بواريد؟ الصيد يبي له سلاح."
ردت قمر بثقة: "أنا بروح آخذ بارودة تميم أخوي بدون ما يدري."
ياقوت: "وأنا بشوف وضاح أخوي إذا يرضى يجيب لي بارودته."
سكتت ليال برهة، وعيونها تناظر الفراغ، ثم التفتت لأم صقر وقالت: "وأنا.. أنا بروح أجيب البارودة حق الشيخ أبو صقر."
واستمرت البنات في الحديث بحماس عن الرحلة والفعالية التي سيقمن بها وسط الوادي.
<< وعند الوضحة في خيمة الأجاويد >>
كانت الوضحة في ذات الوقت جالسة بقلبٍ مكسور مع "أم شبل"، الحرمة الطيبة التي بدأت تسرد لها قصتها، وكيف كانت بداية لقائها مع زوجها أبو شبل، وكل الصعاب والمصايب التي واجهتها في أول عمرها، وأنها يتيمة الأم والأب ومقطوعة من شجرة في هالدنيا.
رغم كلمات أم شبل، إلا أن عقل الوضحة وفكرها كانا غائبين، يسرحان مع الشيهانة وصورتها وهي تسقط بجوف السيل، ومير بداخلها نبض خفي، قلبها ينطق ويقول لها إن خيّتها لا تزال على قيد الحياة ولم تمت.
قطع حبل أفكارها دخول الشاب، الذي تنحنح ونطق بصوتٍ جهوري حازم: "اسمعي يا بنت الناس.. أنتِ تعرفين السنع وعارفة إنه إذا رجعت للقبيلة وأنتِ معي بجوف هالحديد، الكل بيبدأ يشك ويركبنا العيب، ورح تقع مصايب وشبهة فوق راسي، خاصة وأنا راجع من وجهة سفرٍ بعيدة."
ردت الوضحة بامتنان وتقدير: "كثر الله خيرك وجاد الله عليك يا نشمي.. عز الله إنك رجال ولد رجال وأخو نياف، ومعروفك وفزعتك ذي بتم دين في رقبتي ليوم القيامة."
تنهد الشاب وعرّفها باسمه الحقيقي وقال: "أنا أخوكِ **ضاري**.. ولو، والله إني أعتبرك حسبة أهلي وخيّتي وبنت من بنات ديرتنا. وإن شاء الله أول ما أدخل الديرة وأعود لأبوي وربعي، يا حياكِ في القبيلة عقبها بـأيام، اعتبريها قبيلتك وعزوتك. وعز الله إني كنت ودي تجين معي الحين دام إنك مقطوعة من شجرة، مير القبايل ما ترحم، وتعرفين المشاكل والهرج اللي بيصير فوق راسي وراس أبوي الشيخ."
أومأت الوضحة برأسها لثامها مستور: "تسلم يا الأجودي، وكفيت ووفيت."
<< في قبيلة الشيخ أبو ضاري >>
وفي نهار اليوم التالي، انطلقت حوافر الخيل، وجاء الفتى "حمادي" يركض نحو المضافة وهو يصيح بأعلى صوته: "يا شيخ!.. يا الشيخ أبو ضاري! وصل الشيخ ضاري غانم وسالم!"
فز الشيخ الكبير ورجال القبيلة كلهم، وخرجوا من البيوت والخيام وبأيديهم البواريد والمكاحل، وأطلقوا الرصاص في كبد السما بكثافة احتفالاً بعودة الغائب. خرجت النساء وزغردت أم ضاري مع حريم القبيلة، وعمّت الفرحة أرجاء المطرح.
وصل ضاري بسيارته، ونزل بهيبته متوجهاً صوب والده ليرتمي في حضنه ويقبّل رأسه ويده.
صاح الشيخ أبو ضاري باعتزاز: "يا حيا الله بضاري! عز الله إنك بيّضت الوجه ورفعت راسي بين العربان!"
ابتسم ضاري وابتعد عن حضن والده، وذهب ليسلّم على أمه التي بكت دموعاً حارة من شدة الفرح والاشتياق ونطقت: "وربي زانت الديرة وتباركت بوجودك يا يمه." ثم سلّم على أخته "مها"، وعاد ليقف بجانب أبيه بـوقار الفرسان.
التفت الشيخ أبو ضاري للجموع، وصاح بصوتٍ جهوري زلزل الأركان: "اسمعوا وارتكوا للعلم يا أهل القبيلة والعمام!.. أنا اليوم، وأمامكم كليتكم، تنازلت عن مشيختي وختمي لولدي ضاري! وعز الله إني ما اخترت للقبيلة إلا الخير كله.. ضاري ولدي وأنا أعرف معدنه وساسه، أجودي ونشمي، وحصل على الشهادة العالية من الكلية الحربية بالحاضرة، ورح يصير لديرتنا خير راعي، ولسكانها خير صديق، ولحريمها وعرضها خير سند!"
فز أبو جعفر وقال بمباركة: "وعز الله ما اخترت إلا السبع! ضاري رجال ولد رجال وما يبدر منه إلا الناموس والخير."
وأكمل أبو راشد: "وأنعم بالشيخ الجديد ضاري، شيخ ولد شيخ، وما هيقوتنا وفزعتنا فيه تخيب بيوم."
وبعدما أبدى كبار ورجال القبيلة رأيهم بالموافقة، عمّ صوت الرصاص والبارود أرجاء السما مجدداً، وزغردت النساء في الخيام. ورقص راشد وضاري وجعفر رقصة العرضة على صوت الطبل وهز السيوف، وكانت فرحة القبيلة لا تسعها الأرض بمشيخة ضاري الشاب الفارس الذكي الذي عاد لهم بعلم الحرب والقيادة.
<< في قبيلة الشيخ بارك >>
وفي مجالس قبيلة الشيخ بارك، كان الصمت ثقيلاً والعيون متسائلة تنتظر جواب الشيخ عقب خروجه من خيمة ابنته الهنوف. جلس الشيخ بارك في صدر مكانه، وقال بصوت جهوري يحاول يداري الحرج: "اسمعوا يا أهل القبيلة.. وخاصة أنت يا خوي ويا بندر. والله إني اعتبر بندر ولدي ومن أحب الرجال لقلبي، وما يصدر منه إلا الخير والناموس.. مير البنت الهنوف عايفة الزواج الحين وخاطرها ما يبي، وربي يوفقك يا بندر بزينة البنات غيرها."
نزل رأس بندر في الأرض، وشعر بغصة حارة تخنق حلقه وضيق هز كيانه من رفض ابنة عمه له أمام الرجال.
هنا.. رفع "أبو جابر" رأسه، ونطق بعادات البدو الصارمة قائلاً: "اسمع يا شيخ بارك.. طوال أعمارنا وسنيننا وحنّا نسمع ونعرف إن بنت العم مالها إلا ولد عمها! وبندر أنت قلت بلسانك إنه ما خطأ الشينة، رجال من ظهر رجال وفارس يعتمد عليه ظهير. وبنتك نهايتها ومصيرها بتتزوج، وولد عمها أولى بها من الغريب لو يلف الديار!"
أيد كلامه أبو حمد وقال: "صح لسانك وكلامك يا أبو جابر.. ومن متى وكاد كلام الحريم يمشّي كلمته على الرجال؟! وأنت يا أبو الهنوف شيخ ديرة، وتمشّي قبيلة وعربان، ما هقوتي إنك ما تقدر تمشّي كلمتك وشورك على بنتك في بيتك!"
سكت الشيخ بارك وهو يشعر بـالإحراج الخالص أمام وجهاء القبيلة، ومع اعتراض كبار الرجال ومساندتهم لبندر، لم يستطع الشيخ أن يخالف سلوم البادية وكلام شيوخه الذين ساندوه في كل قراراته السابقة.
تنهد بضيق وقال: "خلاص.. اعتبر يا بندر إن البنت موافقة وشورها من شوري. وأنا بروح أقنعها بنفسي، وربي يتمم عليكم الفرح والستر. واعتبروا اليوم تمت الخطبة الرسمية، ومتى ما أراد أخوي وولده عقد القران، فـمرحببا بهم تراحيب المطر."
قام شباب القبيلة يطلقون البارود ويهنئون ويباركون لبندر الذي ارتفعت رأسه، والفرح عاد ليعم الأجواء رغماً عن الهنوف.
<< في قبيلة الشيخ أبو صقر.. وادي الرعيان >>
وفي صباح اليوم التالي، توجهت البنات صوب الصيد بـأطراف الوادي، وكل واحدة منهن ممتطية ظهر فرسها وتحمل بارودتها بجراءة.
صاحت قمر بحماس: "يا بنات.. يالله نتسابق والميدان يا حميدان!"
انطلقت كل واحدة بفرسها تطير وراها العجاج، وكانت أسرع واحدة بينهن وأكثرهن مهارة في ركوب الخيل هي ليال (الشيهانة) التي سبقت الريح.
وصلوا قرب الحوض وبدأوا في التقصي والصيد. لمحت ليال أرنباً برياً يركض، فـصوّبت بارودة الشيخ أبو صقر بدقة وثبات، وأطلقت رصاصة أصابت الهدف، ونزلت من فرسها بعجلة تجلبه وهي تبتسم.
وفي تلك اللحظة.. لاحظت قمر حركة غريبة وشيئاً يتحرك وراء غصون الأشجار الكثيفة وظلالها. اعتقدت أنه صيدٌ ثمين، فوجهت البارودة بسرعة وأطلقت الرصاصة باتجاه ذلك الشيء المتحرك!
مير بعد لحظات معدودة من دوي الرصاصة.. انخرق سكون الوادي بصوت صرخة رجلٍ يتألم ويصيح بوجع قائل صقر!
طار الوعي من رأس قمر، وظهر الخوف والهلع الشديد على ملامحها، وسقطت البارودة من يدها ونطقت بصوت باكي يرجف: "الظاهر.. الظاهر إني قتلت الرجال يا بنات! وش سويت أنا؟!"
ركضت نحوها ليال وهدّت روعها وقالت بعجل: "بإذن الله مابه إلا العافية وما يكون فيه شيء قشرا.. وكاد إن الرصاصة مرت من جانبه وخرعته، يالله ننزل ونشوف!"
نزلو كلهم من على ظهور خيولهم، وتقدموا بخطى مرعوبة صوب الأشجار ليروا من هذا الرجل الذي أصابته رصاصة قمر المجهولة..

جحظت عيون البنات بشدة، وارتجفت قلوبهن وهن يشوفن الرجل ملقى بين غصون الشجر، ماسكاً كتفه بيده والدم الأحمر القاني يخرج بغزارة من بين أصابعه يبلل التراب. بكت قمر بدموع حارقة وهلع زلزل كيانها، بينما ليال (الشيهانة) تقدمت بـثبات وجلس قريباً منه تفحص الجرح والوجل عارم بداخلها.
صاحت نجمة بعجل: "أنا بروح الحين أنادي أبوي أبو محمد والشيخ لجل يتداركون الموقف قبل لا تطلع الروح!"
اعتلت نجمة ظهر فرسها، وضغطت على بطنه وانطلقت تسبق الريح صوب القبيلة. أول ما وصلت الديرة، توجهت للمضافة والأنفاس مقطوعة، وصاحت بصوتٍ عالي: "يا عمي أبو محمد!.. يا الشيخ أبو صقر! الفزعة!"
فز الشيخ أبو صقر من على فروه وقال بـوجل: "عسى ما شر؟! وش العلم يا بنت الأجاويد؟"
ردت نجمة: "خطاكم السوء وعفاكم ربي.. مابه إلا قمر صوبت لها رجال بالخطأ قرب الحوض بأسفل وادي الرعيان، والرجال يسبح بدمه!"
ثار الشيخ، وقام صقر وأبو محمد، وبثوانٍ معدودة صعد كل واحد منهم على ظهر فرسه، وانطلقوا يطابقون الأرض بسرعة البرق يشوفون المصيبة اللي حلت بديرتهم.
عند الحوض.. كانت قمر وليال جالسات عند رأس الرجل وهو يئن ويصرخ من شدة الألم. تنفسن الصعداء وهن يشوفن خيل الشيخ أبو صقر وصقر وأبو محمد يتقدمون باتجاههن والعجاج يثور وراهم.
نزل الشيوخ من على ظهر خيولهم بعجلة، وصاح الشيخ أبو صقر فوق ولده صقر بنبرة حازمة: "عجل يا صقر!.. خذوه لفوق ظهر الفرس وودوه عند حكيم القبيلة فوراً يسحب الرصاصة!"
راحت قمر تركض صوب والدها أبو محمد، وارتمت في حضنه تبكي بنحيب، فـضمها لصدره وهدأ روعها وقال: "خلاص.. يا بعد قلب أبوكِ، تطمني وهدي روعك، إن شاء الله ما يصير إلا كل خير والرجال حي."

 رواية/ شبه القمر لفا ديرتنا قصص لتهوسّ بها. اكتشف الآن