((١٧))

153 17 52
                                        

وفي المضافة الكبرى المليانة بالهيبة والوقار، كانت ربعة المجلس غاصة بـ مشايخ وعوارف القبائل اللي وفدوا من كل حدب وصوب، والدلال تدار على الحضور والكل صامت يرقب قول الحق وسلوم العشائر.
تنحنح الشيخ أبو ضاري، وعدل بشتة ونطق بصوتٍ جهوري حكيم جذب الأسماع: "شوف يالشيخ أبو سراج.. اعرف وتدري كل ه الوجيه الحاضرة والقروم إن ولدك وقاص غالي عليك حيل، وما في أغلى ب هالدنيا من الضنى وقرة العين وسند الشيبة، بس العقل والسنع وثقل الهرج يقول يا بو سراج إنه ما في دليلٍ قاطع وواضح بين يدينا يثبت إن القاتل الفعلي والرمية الصايبة هي من صقر ولد الشيخ أبو صقر، السالفة فيها لبس وهقوة وعين الغدر حامت."
فز الشيخ أبو سراج بعصبية وعينه تقدح نار وحقد، ونهم بصوته: "وش ذا الكلام يابو ضاري يالشيخ؟! من وين جبت ه الهرج والقول إنه ما في دليل يثبت دم ولدي؟! أنا شفته بعيوني الثنتين ذي وهو موجهٍ بارودته وعينه بـ عين ولدي وقاص، تبيني أكذب عيوني والوقعة لجل خاطر صقر وعربه وقبايله؟!"
أبو ضاري بثبات وصبر شيوخ: "بس غياث كان قريب من مطرح الرمي والوقعة، وشهد وقال ومنطوقه ثابت إن الرصاصة اللي طرحت وقاص ما كانت موجهة من بارودة صقر، وأكد وثبت إن الصوت والضربة الصايبة كانت من ورا ظهرهم ومطرحٍ بعيد وخفي! شوف يالشيخ.. يمكن يكون في معك أعداء قدامى يطلبونك ثأر أو غل، أو غزاة تبغى الفتنة والدم بينكم وضربت ولدك لجل تشتعل ه النار وتأكل الأخضر واليابس."
أبو سراج دارت الأفكار برأسه وبدأ يفكر بعمق وتثاقل، مير غيضه وحزنه رده ونطق: "ما في معي أعداء يطلبوني دم ب هالديرة، وحنا قواطع في الأرض، وإذا على ذباح ولدي.. أنا شفت صقر بعيني وهو خصمي وغريمي!"
أبو ضاري بابتسامة وقار: "دامك ياشيخ تفهمت موضوع الحصار اللي ماله سنع ولا يثمر خير، وعلمت إن حواط قبيلة الشيخ أبو صقر شين بحقك وسلومك قبل حقهم، وأرسلت مرسول لـ ولدك سراج يفك الحصار ويعاود بالدرب، فـ هذه بداية خير ومنوة طيبة، وإن شاء الله يتم الصلح وعقد العطوة وسوق الدية بينكم وتهدأ النفوس وكفى الله المؤمنين القتال."
سكتوا والكل التفت صوب الباب يوم دخل "سراج" وعلامات الضيق والكدر تارس وجهه، والغيض حاشر صدره وعروقه لجل فك الحصار وطاعة أمر أبيه.
تقدم سراج ووقف بوسط الربعة ونطق بعصبية وصوت مرتفع زلزل الفناجيل: "وش العلم يبه؟! وش ه الهروج اللي تلوح بالمجلس وتثني العزايم؟! معقولة تنزلت بهالسهولة وعقب ه السنين عن دم ولدك وونيْسك وقاص لجل وجاهة العرب والصلح؟! تبيني أفك رقبة ذباح خويي كأنه ما جرى شي؟!"
التفت له الشيخ أبو ضاري ونطق بـ حكمة شيوخ وهدوء يطفي جمره اللامع: "................"
## << ♕ في قبيلة الشيخ أبو ذياب >>
دخل ذياب لخيمته والشرار يتطاير من عيونه والضيق حاشر صدره، وعقله يغلي غليان القدر، وشاف أمه و"ذهول" جالسات بطرف الخيمة برسل يتبادلن العلوم.
نظر ذياب لـ ذهول بنظرة حادة يملؤها العتب الساطي واللوم، وجلس وهو ينطق بسخرية لاذعة هزت أركان المكان وأرعبت الخدر: "ألف ألف مبروك يا بنت الشيوخ.. يازين ويا حيف الرجال اللي اخترتيه من دون رجاجيل العرب لجل يصير لك سياق وزوج ومقام!"
فزت أم ذياب باستغراب وعدلت شيلتها ونطقت: "وش فيك يا اولدي تنطق سذه؟ علامك تشب النار بـ وجه أختك ونور عينك وهي ب يوم فرحتها وقبولها وعرسها؟"
صاح ذياب بضيق وقهر: "يمه.. ليش توافق؟! ليش توطي راسنا وراوس رجاجيلنا الحمايل بهالنسب الردي الشين الخايب؟! سعد الخايب غدا صهرنا الحين وحنا عوارف الديرة!"
أم ذياب عقدت حاجبها وقالت بمفاجأة وزلزال علوم: "وش فيك؟! ما توقعت ه الكلام والهرج منك أبد! ودك إياها ترفض ولد عمها وفارس الفرسان وخويك اللي ما تفارقه خطاويه بالحل والترحال؟! الولد فارس مابه شين وعز القوم!"
هنا حس ذياب بـ صدمة وعلم وتيقن إن في السالفة خربطة وغلطٍ كبيير وسوء فهم هدم الديار، ونطق وعينه بـ عين أمه: "من ولد عمي؟! سعد.. سعد هو اللي خطبها ووافقت عليه! سعد ما يقرب لي أبد ومستحيل أصادقه ولا يشرفني نسبه وعقله خفيف بالديرة وعلومه شينة عند الشيوخ!"
ظهرت الصدمة الكبرى والذهول والوجل على وجه "ذهول"، وحست كأن صاعقة طاحت من سابع سما وهدت حيلها وعظامها، وتجمد الكلام بـ لسانها ودار في خاطرها ونفسها المذعورة: (سعد؟! مستحيل وتالله! أنا متأكدة وقاطعة بالقول إن حسناء بنت عمي استشارتني وقالت لي فارس وده يطلب يدك من عمي.. وش اللي دخل سعد بالسالفة وكيف غدا هو الخاطب وهو الواقف بالمضافة؟! يا مصيبتي الشينة ويا غباء حظي!).
تغيرت ملامح وجهها واحتلها الرعب والانكسار، ونطقت وهي ترجف وصوتها يادوب يخرج من حشرجته: "من.. من قلت يالخوي؟!"
ذياب بحسم وعين حمراء: "سعد.. سعد خطبك من أبوي الشيخ اليوم، وأنتِ أرسلتي قولك للمضافة مع الحريم إنك موافقة وراضية، وسعد الحين يرفع خشمه بالمجلس كأنه كاسر فرساننا!"
طارت الرغبة والوعي من عيون ذهول، وقامت بـ جنون وتهور لا يقبله عقل ولا سلوم، والدموع تنزل كالمطر الهاطل على وجنتيها، ما درت كيف تخارج نفسها من هالمصيبة والورطة العظمى اللي وقعت فيها بسبايب سوء الفهم وغباء الرد. متأكدة إن السالفة فيها غدر أو خلط أوراق من طرف سعد الخبيث.
وبليا وعي ولا تفكير بالعواقب العشائرية، تقدمت صوب مشارف المضافة الكبرى بتهور بدوي تبي تدعس على كل سلوم الحريم والبيوت، وتصيح بـ وجه الرجاجيل والشيوخ لجل تنفي هالخطبة الشينة وتصرخ بـ برائتها ورفضها قبل ما تنكتب بـ ذمته وتغدي حلاله غصبٍ عن خشمها............
## << ♕ في قبيلة الشيخ بـارك >>
أما في الوادي العشيب.. كانت الهنوف تنظر لـ نهلة اللي كانت عيونها خارجة وتناظر لـ ورا ظهرها برعبٍ جمد عروقها ودمها وهد حيلها.
دارت الهنوف بجسدها ببطء، وشافت ثعبانٍ أسود ضخم وكبير (رقطان) ممتد على الطعس والعشب، ولسانه خارجه يلف يمين وشمال وعيونه الحمراء تقدح شر وسوم زعاف.
وكانت الهنوف بـ حكم عيشتها بالبر وتربيتها ببيوت الشعر تدري وعالمة إن الثعابين إذا لدغن أحد من عرب البادية فـ ماله غير يقتلها سريعاً لجل يبرى من سحر سومها، أو يتعود على لدغتها مير السوم هالمرة باين إنه مهلك وأسود وما يرحم الأجساد.
عرفت الهنوف إنها إذا ما قتلته الحين تبي تروح فيها هي وبنت عمها ويفجع هلهن. تقدمت بشجاعة بدوية شابتها الرهبة والارتجاف، وجلست على ركبتيها وحاولت تمسك الثعبان من رقبته وأعلى رأسه لجل تذبحه بـ حجر أو سكين، مير من زود الارتباك والخوف والخفقان اللي تارس صدرها ويهد ضلعها، نسيت ما تمسك لغاليغه وأعلى رأسه زين، وفلت المخلوق الشين من كفها الغض!
صرخت صرخةٍ مدوية هزت ريع الوادي وعوت بـ ألم وحسرة وهي تحس بـ أنيابه النارية تلوح وتلدغ كف يدها النعام وسالت دماؤها الحارة على الرمل!
وفي ه الأثناء، كان فهد وبندر قد خرجوا لصيد القماري والظباء برع الديرة بسبايب طلبات قناف العجيبة والخبلة، اللي جالس بالمجلس وممدد رجله المكسورة ويشترط على فهد يبي لحم حمام بمواصفات جنونية وعيون زرقاء.
وهم يمشون ويقسون الجرة، سمعوا صوت صراخ حرمة وعويل ألم وجيع يلوح بين الشجر وطعوس الوادي الخالي.
تقدم بندر بـ فزع وقص الأثر وسبق فهد بخطواته، ولمح بـ عينه "الهنوف" جالسة على حيلها والدمع مغرق شيلتها ووجهها تارس الرمل وهي ماسكة كف يدها اليمين وتبكي بـ حسرة وألم يهد الحيل والعظام غارقة بوجع اللدغة.
اقترب بندر يركض بـ جنون وفزع من مطرحها وعينه تلمح الثعبان الضخم الأسود وهو يزحف بـ خفة يبي يهج ويتوارى بين العشب العالي عقب ما بخ سمه الزعاف في عروق بنت الشيوخ وطرحها.
وقف بندر بجنب الهنوف اللي غدت طايحة فوق العشب ووجها غدا أصفر كـ الليمون اليابس من أثر السوم والوجع وضيق النفس الكاتم، ونطق بخوفٍ وقلقٍ ساطي تارس نبرته وهيبته وهو يجثو بجنبها ويمسك معصمها: "يا بنت الشيوخ.. يا الهنوف وش جرى لك؟! أمنتك بالله العلي العظيم علميني وين صابتك اللدغة وعلامك تنفضين كذا والدم هارب من وجناتك؟! فهد.. عجّل علي بـ غترتك وسكينك سريعاً، اقطع الدرب السوم يبي يقطع عروقها ويهد رأسها الحين! اخبصي بالقول يالهنوف لا تغيبين عن الوعي!.........."
## << عند الوضحة وشعلان ودهمان >>
وفي مطرحٍ بعيد ونازح برع الديرة، كان شعلان يمشي بـ خبث ومكر ويلتفت يمين وشمال، ثم التفت صوب الوضحة (المتنكرة بـ زي وضاح الفارس) ونطق بنبرة يبي يختبر فيها علومها ومكنون صدرها: "شفت القبيلة السنعة وديرتنا وحلالنا يا وضاح؟ دهمان يقول عنك إنك شاعرٍ قاطع ولسانك يقطر جزالة وقصيد بدوي قاطع يفوق الفرسان، وش رايك الحين تجر لنا بيوت شعر تمدحنا فيها وترفع ذكرنا بالمجالس؟"
نظرت الوضحة لـ دهمان بـ استحقار وازدراء شديد في خاطرها، وقالت بينها وبين نفسها بـ غيض: (لعنة الله على ه الخبل الخفيف، ما يخلي علم ولا سالفة إلا وينقله ويمشي به كأنه عجوز الحارة!).
مير عدلت لثامها الأسود وخشّنت صوتها وثبتت خطوتها ونطقت بـ قوة وعزة: "أكيد.. اكيد رح أشعر لك وللقبيلة وللشيخ، وعسى هالقصيد يحرك بـ جوفك الفطنة والسنع وتحس إننا ناسٍ أجاويد وأهل شيمة مانا غزاة طمع، وتفهم إن الخطر والموت حواط ومن حول دياركم ومارح يرحم أحد غافل نامت عيونه! وهالشعر اللي بـ سوقه لكم الحين يثبت ويؤكد إن زيارتنا لـ دياركم كانت عابرة لجل الضيافة ومالنا وراها مطمع ولا نية شينة."
وتابعت وعينها تلمع بـ وعيد وخوف خفي يلوح بحدقتها: "أما عن بيوت الشعر اللي تخصك أنت والنمر دهمان وخيلكم.. فـ إن شاء الله وعز الله إني بـ جيب وبسوق لكم قصيدٍ يزلزل الأرض ويهد الطعوس عقب ما يتم الغزو الكبير الليلة من قوماي، وآخذ بـ ثأر أخوي المغدور غدراً وأطفي ناري اللي تاكل ضلوعي!"
فز دهمان بنبرة غباء وهيام وتارسها الغفلة، ونطق يسأل بـ جهل: "وكيف نغزيهم يا وضاح وناخذ الحلال والبوش؟ وش الخطة السنعة اللي وراك؟"
التفتت له الوضحة ونطقت بـ مكرٍ يهد عروش: "...

 رواية/ شبه القمر لفا ديرتنا قصص لتهوسّ بها. اكتشف الآن