🥀((١٦))

170 16 93
                                        

<< ♕ في ديار الشيخ أبو سراج >>
وفي مضافة الشيخ أبو سراج، كانت ربعة المجلس غاصة بـ مشايخ وعوارف القبائل اللي وفدوا من كل حدب وصوب يعزونه بوفاة ولده وقاص اللي انذبح بغدر وخيانة.
أقبل الشيخ أبو ضاري وبخطواتٍ تفيض هيبة ووقار شيوخ، ومن خلفه ولده ضاري والمرسول غياث، وسلموا على الشيخ وجلسوا بوقار يرقبون رجاجيل القبايل الثانية وهم يقدمون واجب العزاء بكلماتٍ بدوية حزينة، والهرج الطاغي والمسيطر على المضافة هو سالفة وقاص وكيف انذبح وكيف غدر به صقر ولد الشيخ.
تنحنح الشيخ أبو ضاري، ونطق بصوتٍ جهوري قوي جذب أسماع المجلس كله وصمتوا لجل هرجه: "اسمع يالشيخ أبو سراج.. حنا قبايل عرب، والكرم والجود وحق السلم يسري فينا مثل ما يسري الدم بـ عروقنا، ومالنا عن سلوم العفو والصلح مخرج لا ضاقت العلوم."
رد كل من في المضافة بصوتٍ واحد وهيبة: "ونعم بـ قولك يا بو ضاري.. وأنعم وأكرم!"
تابع أبو ضاري بثبات وعين قوية: "حنا عارفين ومقرين بالغلط والجناية العظمى اللي ارتكبها ولد الشيخ صقر بذبحه لولدكم وقاص." وعقبها نهض هو ورجال العشاير اللي أرسل لهم مرسيل لجل الجاهة والصلح، وتقدموا وحطوا بواريدهم وسلاحهم في منتصف الربعة (إعلاناً لطلب العطوة والصلح بـ سلوم البدو).
ونطق الشيخ أبو ضاري عقب ما حط بارودته الشامخة بالوسط: "حكمتك يا أبو سراج أنت والوجيه الطيبة والقروم من هالديار.. منوتنا منكم العفو والسموح بـ سلوم العرب وجاه الشيوخ، واطلبوا اللي ودكم وخاطركم فيه من إبل ومال ديةٍ لولدكم، والرقبة سدادة للحق ولا نثني الهرج! أنا قبل لا آجي لـ عندكم وربعكم، وطيت ديار الشيخ أبو صقر، وشفت الي ما كان ودي أشوفه أبداً.. رجاجيل قبيلتكم محوطين بيوتهم وعربهم من كل ريع ومدخل، وهالعلوم ماهي زينة ولا وراها سنع وتثير الفتن والدم بين العرب. كلمت الشيخ أبو صقر وقال إن اللي ودكم وخاطركم فيه هو حاظرٍ به وسياقه بليا نقص، ودام إن ولده ذبح ولدكم، فهو مستعد يسوق الدية كاملة مكملة ويطلب العفو بحضور كل شيوخ العشاير والوجاهات."
أحرج الشيخ أبو سراج من كلام الشيخ أبو ضاري وجاهة شيوخ القبائل اللي يطلبون منه السلم والعفو، مير غيضه على ولده وقاص كان واهجٍ بـ صدره كالنار اللاهبة، ونطق بعزة وكبرياء يرفض التنازل والصلح: "والله ما يهون علي أرد وجيهكم الطيبة الغانمة يالقروم الشيوخ، مير ولد الشيخ أبو صقر غدر وذبح ولدي وقاص بدمٍ بارد! تفهمون وش معنى ذبح ولدي وقرة عيني وسندي؟ أنا مستحيل أتنازل عن دم ولدي لو تسوقون لي حلال الأرض كله ومال الدنيا، وماله عندي غير حد السيف والبارود والثأر اللي يطفي ناري!"
جلس الشيخ أبو ضاري وضاق صدره وعاد يحاول بـ حكمة وصبر طويل يقنعه لجل حقن الدماء وكف الشر عن العشيرتين.
< ♕ في عرب الشيخ أبو صقر >>
أما في ديار الشيخ أبو صقر، فكان الشيخ جالسٍ في ربعته والهم والكدر كالجبال فوق رأسه يهد حيله، وخاصة ورجال قبيلة الشيخ أبو سراج محوطين دياره وعربه من كل حدب وصوب بأسلحتهم، والوضع مشحون ومقلق. ما درى وش يسوي وعينه تطالع رجال عشيرته اللي توقفت أعمالهم وحلالهم وسروحهم بسبايب ه الحصار والضيق.
رفع كفوفه صوب السما وتضرع بدعاءٍ صادق من جوف قلبه وعيونه غارقة: (يا رب، يامن تجعل من كل همٍ مخرجاً ومن كل ضيقٍ فرجاً، خارج وليدي صقر من كل شر وبلاء وسوء. يا رب، يامن تحيي العظام وهي رميم، احمي وليدي وقرة عيني صقر من مكر الماكرين وحقد المعتدين، واظهر برأته يالرحيم يا ودود).
وفي الخيمة الثانية المجاورة للمضافة.. كانت أم صقر عقب بكاءٍ طويل ونحيبٍ مهد حيلها وضلوعها، قد غفت وعيونها غارقة بالدمع والأسى.
تقدمت ليال برفق ومسحت على رأس أمها بحزنٍ ساطي ياكل روحها، وهي تشعر بـ قلة الحيلة والانكسار كأنها مكبلة بـ سلاسل حديد. كان ودها في خاطرها تروح وتذبح ذاك "سراج" العجوز اللي غدا بليا قلب ولا مروءة ولا رحمة، يشوف حرمةٍ كبيرة بشيباتها تترجاه وتنحب قدامه وما يرحم دموعها وقهرها على ولدها. تنهدت تنهيدة حزن مريرة، ودار في فكرها وهواجيسها وش اللي جرى على البشر في هالزمان حتى أصبحت قلوبهم بـ هالقسوة والظلم وجفاف المروءة!
فاقت ليال من شرود وأفكار صدرها على صوت خطاوي "نجمة" وهي تناديها من ورا الرواق بصوتٍ خافت ومذعور يرجف: "ليال.. يا ليال، تعالي لمتني سريعاً وأقضبي العلوم."
قامت ليال وتقدمت صوبها وقالت بـ وجل وخوف: "وش علامك يا نجمة؟ وش صاير وش العلم؟"
نجمة بنبرة سادها الحزن والكسر والضيق: "شوفي بيت عمي أبو محمد.. خالصٍ عليهم المي وقربهم جافة يابسة، وقمر حالتها حالة وتقطع نياط القلب من كثر البكاء والنحيب، رحت أهرج معها وأصبرها مير أحسها غدت بعالمٍ ثاني غير عالمنا من كثر الهم والشوق لصقر."
تنهدت ليال ونطقت بقوة: "الله يكون في العون ويفرجها من عنده. تمام الحين.. اروح أجيب الزمزمية والقربة ونمشي للمارد والشد الكبيير لجل نجيب المي."
نجمة: "زين، عجلي علينا لا يلمحوننا الرجاجيل."
وبعد قليل، مشت ليال ونجمة بخطواتٍ حذرة متجهات صوب الغدير والمارد لجل يعبّن المي لعربهم المحاصرين.
أول ما وصلن لجانب الغدير، لمح عيونهن حركة رجاجيل ومير فزن، وإلا هم "سراج" و"نهيان" واقفين بأسلحتهم وبواريدهم، وأول ما نظروا الغيد تقدموا باتجاههن بـ خطاوي ثقيلة ونظرات حادة تارسها الغيض والشر والوعيد.
نزلت ليال قربتها على الأرض وقالت بـ خوفٍ كتمته بعزة ونبرة حادة قوية: "يا دفع البلاء والشر.. وش جايب ذولا يمنا وش يبون من دروبنا الحين؟!.........."

 رواية/ شبه القمر لفا ديرتنا قصص لتهوسّ بها. اكتشف الآن