<< في قبيلة الشيخ أبو ذياب.. مجلس العلالي >>
اجتمع رجال قبيلة العلالي في المضافة الكبيرة، وكان الحديث ثقيلاً يدور حول أحوال العربان وعثور الفرسان على الكهف السري لقطاع الطرق (الحنشل)، والشكوك التي بدأت تحوم حول وجود علاقة لفتاتين بالعصابة عقب عثورهم على ملابس حريم داخل الكهف المهجور.
قطع حبل هواجسهم صوت "سعد"، الذي تنحنح ونطق بصوتٍ جهوري يحاول أن يخفي وراء نبرته كمية الخبث والحقد الدفين الذي يغلي في جوفه:
"أعتذر على قطع هروجكم الغانمة.. وبعد إذنكم يا أهل قبيلة العلالي، وإذا سمح لي الشيخ أبو ذياب بالبَوْح، ودي أكلمك يا طويل العمر بموضوعٍ يخصني."
التفت إليه الشيخ أبو ذياب بنوايا طيبة وقال: "أهرج يا سعد ولا يردك إلا لسانك، وعز الله إنك عندي بـحسبة عيالي."
في زاوية المجلس، كان الفارس "فارس" يراقبه بعيونٍ كالصقر، وقلبه غير مطمئن له أبدًا، خاصة وهو يلمح نظرات سعد الملتوية وابتسامة الشر والخبث المرتسمة على وجهه. أما "ذياب"، فما إن سمع كلمة والده وهو يقول لسعد (بحسبة ولدي)، حتى همس بينه وبين نفسه بـقهر:
> // وعز الله لو تدري بـبلاويه وسواد وجهه وسواياه، لتقصيه وتطرده من القبيلة كلها دون مأسوفٍ عليه! //
>
تبسّم سعد وقال بكبر: "تسلم وتدوم يا عمي الشيخ." ثم التفت للوجهاء وأكمل: "يا أهل القبيلة، أكيد كليتكم تعرفوني وتعرفون ساسي."
رد الشيخ: "أكيد نعرفك يا ولد مقناص، وما يحتاج ه الكلم سؤال؛ يكفي إنك ولد أفضل رفيق درب لي، وأحد خيرة فرسان القبيلة الراحلين."
تمتم ذياب في سره مجدداً بـسخرية:
> // لو كان فيك ذرة من شيمة عمي مقناص، كنت صرت من أفضل رجال العربان، مير وعز الله إنك رخمة وما في وجهك شبه من ريحة أبوك! //
>
أخذ سعد نفساً، ونطق بالقنبلة التي هزت أركان المضافة: "أنا الحين قدامكم يا أهل العشيرة كليتكم.. أطلب يد بنت عمي الشيخ أبو ذياب (ذهول) على سنة الله ورسوله، وودي بقربكم."
وقعت الكلمات كـالصاعقة، وحلت صدمة وذهول عارم على وجوه كل الحاضرين، وتجمدت الدلال في أيدي الرجال!
### << عند الوضحة.. خيوط المكر في جوف الفلا >>
كانت الوضحة تمشي بخطواتٍ حذرة بفرسها يرافقها دهمان وشعلان، وكان قلبها ينبض بالخوف والوجل من هؤلاء الذئاب، ميرها أقحمت نفسها بذا البلاء، ولم يعد أمامها سوى إكمال التمثيل بذكاء، عساها تلقى ثغرة أو طريقة تخرجها من هذه المصيبة بسلام.
لمحت من بعيد خيمتين منصوبتين بوسط الصحراء القاحلة، وظهر جلياً أن هذا هو المخبأ القذر الذي يعيش فيه هؤلاء الخبلان. دخلوا إلى جوف الخيمة وجلسوا، فالتفت إليها شعلان بسؤال مباشر وعيونه تفحصها: "إلا ما قلت لي يا خيال.. وش اسمك؟"
خشّنت الوضحة صوتها ونطقت بـرجولة: "اسمي **وضاح**."
أقبل دهمان بنبرة خبيثة يحرك جوفها: "يا حيا الله بوmapping، ياحيا فيك يا نشمي! واضح من زول وجهك ومن هرجك إنك رجال طيب ورأعي فزعات. ولما شفتك تذكرت أخوك الشجاع.. اللي ترجّأ الشيخ أبو ضاري ورجال القبيلة يتركونه في حال سبيله، مير أبو ضاري ذبحه بدم بارد! ياحيف على ذاك اليوم!"
تابع شعلان يصب الزيت على النار: "ولما تكلمنا أنا والأجودي دهمان مع هالعربان، وعز الله ما تكلمنا إلا لأننا حسينا بظلمهم له، وكيف جاروا عليه بالحكم والجور، وعقبها طردونا وشردونا من العشيرة بسببه!"
قالت الوضحة في نفسها وهي تداري ضحكتها وسخريتها منهم:
> // كذبكم واضح ومفضوح يا ثعالب البر.. مير بروح معكم بـالهرج عسى أفك نفسي من هالبلاء والمصيبة. //
>
ثم تظاهرت بـالشر والقهر، وصاحت بـانفعال متقن: "وربي لأخذ بثأرك يا أخوي الغالي من كل شخص أخطأ في حقك وسفك دمك! يا حيف على شواربهم يقتلون عابر سبيل ماله ذنب!"
تبسّم شعلان بخبث لأنه اعتقد أنه حقق إنجازاً بتحريضها: "وأنا معك ومستحيل أتركك يا وضاح ويدي بيدك."
زاد دهمان بالهرج والكذب وقال: "لما كان أخوك مربوط قبل قتله، رحت لعنده وقلت له: وش اللي جابك يا الأجودي لذي القبيلة وأنت تعرف إن شيخها قاسي وما عنده نخوة؟ لو رحت لقبائل ثانية تكرم الضيف وتقوم بالواجب أبرك لك. تصدق وش قال لي؟ قال: رحت لقبيلة الشيخ أبو صقر ميرهم طردوني وأخذوا عليّ الفرس والبارودة!"
هنا انتبهت الوضحة لـثغرة في كذبهم، فـأخفت ابتسامتها ونطقت بتساؤل ذكي: "بس أخوي ما كان يملك بارودة أبد بيومه!"
رقع شعلان السالفة بعجلة قائلًا: "لا.. هو كلمنا وقال إنه راح لقبيلة ثانية أغارت عليهم، وشاف البارودة في ذيك الديرة."
أكمل دهمان الكذب: "إيوة.. وراح لقبيلة الشيخ وهاج والشيخ سلطان، ونفس الشيء عاملوه معاملة رديئة.. ربي يجيرنا منهم، ما فيهم فزعات ولا شيمة قبايل!"
قالت الوضحة في سرها:
> // جد إنكم خبيثين وسود وجيه.. مير بـمشي معكم على هواكم. //
>
ثم التفتت لهم بـقناع الانتقام: "طيب.. وش السواة الحين؟ أنا ودي بالقريب العاجل آخذ بثأري من كل اللي ذبحوا أخوي وضاعت فيهم المرجلة والنخوة والغيرة!"
التمعت عيون شعلان بشر وقال: "نغزيهم وننهي وجودهم!..."
