((٣))

325 43 25
                                        

وفي نفس اللحظة، كانت الشيهانة تصيح لجل الوقت، شقت خرقة عريضة من طرف ثوبها، ونزلت على ركبها وربطت ساق الهنوف بقوة فوق مكان اللدغة لجل ما يسري السم لقلبها. شالن الهنوف ثنتينهن وهي غايبة عن الوعي وثقيلة، وحطنها فوق ظهر الفرس بصعوبة، وركبت الوضحة وراها تمسكها، وانطلقن بالخيل يسبقن الموت صوب القبيلة يصارعن الثواني لجل إنقاذ بنت الشيخ!
دخلت البنات مشارف الديرة، والفرس يركض بهن والأنفاس لاهثة. نزلن الهنوف من على ظهر الجواد بصعوبة وثقل، وسندنها لين دخلنها داخل بيت الشيخ.
أقبلت أم الهنوف، والذعر الخالص مرسوم على ملامحها، وعيونها تفيض بالدموع وهي تصيح: "علامها الهنوف؟! وش بلاها بنيتي ووجها شاحب كنه الموت؟!"
ردت الوضحة تحاول تهدي روع العجوز: "مابه إلا العافية يا خالتي، مافي شر إن شاء الله."
مير الشيهانة قطعت الشك باليقين وقالت بصوتٍ مخنوق: "لدغها حنش بالوادي."
انصرعت الأم من الصدمة، والتفتت للوضحة تصيح بقلبٍ محروق: "تكفين يا بنتي.. عجلّي وروحي صيحي لأم جابر، مالنا غير الله وثم هي تسحب السم!"
ما كذّبت الوضحة خبر، عدّلت لثامها على وجها بسرعة وهي تطلع من الخيمة تركض. ولمحت ولد صغير يدور بين البيوت، نادته بصوتٍ عالي: "يالولد!.. يالورع، تعال هنيا عجل!"
التفت لها الولد مستغرباً، وتقدّم بخطى بطيئة وهو ينطق: "وش تبغين يا حرمة؟"
حجت الوضحة والأنفاس مقطوعة: "وين بيت أبو جابر؟ دليّني عليه الله يرضى عليك."
أومأ الولد بيده وأشار لبيت شعر مبني بعيد قليل عن القبيلة، صوب جالة الوادي.
مشت الوضحة تسبق الريح، ووصلت عند الخيمة وصاحت بأعلى صوتها: "يا أم جابر!.. يا أم جابر! الفزعة!"
خرجت أم جابر وعليها علامات الكبر، مستغربة من الصيحة: "وش تبغين يا الحرمة؟ وش العلم؟"
الوضحة بوجل: "مابه إلا الهنوف.. تعبانة وحيلها مهدود."
فزت العجوز: "علامها البنت؟ وش صابها؟"
الوضحة: "لدغها حنش الأسود بأسفل الوادي والسم يسري بساقها."
شهقت أم جابر، ودخلت خيمتها بعجلة، جابت صرار أعشابها وأغراضها ومشت مع الوضحة صوب بيت الشيخ بارك. أول ما وصلت، قعدت عند رأس الهنوف، وبدأت تعالجها بمحاجمها وأعشابها لين بفضل الله أخرجت السم كله ونطقت الهنوف بالشهادة وعاود لها النفس، وتنفست أمها الصعداء.
<< وفي نفس القبيلة.. عند مضافة الشيخ بارك >>
تنحنح حكم وهو يقف أمام مجلس الشيخ، وصاح يطلب الإذن. فز الشيخ بارك وهلّا به: "يا حيا الله بمن لفا ديرتنا، ياحياكم تراحيب المطر.. أقلط يا رجل، واقلط بوجارك، والحرمة اللي معاك تروح يم الحريم في البيت الداخل."
دخل حكم وهو يسمّي بالرحمن ويغض بصره، وسلم وجلس على الفرو.
طالعه الشيخ بارك بنظرة ترحيب وقال: "ياهلا فيك يا ولدي، أمر.. وش بغيت؟ ومن أي العربان والقبائل أنت؟"
رد حكم باعتزاز: "أنا حكم، وجيتك من قبيلة الشيخ أبو ذياب."
هز الشيخ بارك رأسه وقال: "يا حيا الله بذياب وعربانه، وش علوم الشيخ وعساكم طيبين؟"
بدأ حكم يسرد السالفة من أولها لآخرها، وكيف الفرسان انخدعوا بحيلة البنات وقطاع الطرق الكاذبين. وختم كلامه وهو يطالع الشيخ: "والحين حنّا وأمي ندور على هالبنتين في القبايل كلها لجل نجيبهم بالستر، ما قد مروا عليكم يا شيخ؟"
ضاق صدر الشيخ بارك، وتذكر كلام البنات، وقال بحيرة: "والله يا ولدي.. به بنات ثنتين جوا يم قبيلتنا البارحة، وحكوا لنا إن أخوهم غدا وضاع بوسط الصحراء وقطعوا عليه الطريق!"
فز حكم وقال بيقين: "أكيد يا شيخ إن هالبنات هم نفسهم اللي كذبوا على الشيخ ذياب والشيخ فارس ولعبوا بالفرسان! وراهن بلا كبير."
وفي نفس اللحظة.. عند بيت الحريم، كانت أم حكم جالسة وعرّفت الحريم بنفسها، وبدأت تسولف لهن القصة كاملة بدون ما تدري إن البنات يرقبنها.
كانت الوضحة قاعدة بالزاوية وعيونها تدور، يوم سمعت كلام أم حكم، طارت البوادر من راسها، ولدّت بنظرها للشيهانة وأشارت لها بعيونها لجل تنهض قبل لا ينكشف المستور.
قامت الوضحة وقامت الشيهانة وراها بجرأة وتحاول تداري الخوف.
التفتت أم الهنوف مستغربة: "علامكن يا البنات؟ اجلسن تقهون، وين رح تروحون في هالقائلة؟"
ردت الوضحة بتصنع وهدوء: "مابه إلا الخير يا الجويدية.. مير ودي أروح يم الغدير أجيب ماء لجل أغسل فيه ويلاتي وثيابي اللي غشاها التراب."
أشارت أم الهنوف برأسها بمعنى "روحين مابه خلاف"، وهي مشغولة بالهنوف.
فور خروجهن من الخيمة، انسلّت الوضحة وأختها ورا البيوت وظلال الخيام، وكان التوتر يقطع قلوبهن.
قالت الوضحة بصوت يرجف: "الظاهر ذول العربان من قبيلة الشيخ أبو ذياب وجايين يطردونا!"
ردت الشيهانة بخوف وهلع: "ضروري نهج ونروح قبل لا يعرفون إننا حنّا اللي كنا نكذب.. وشيوخ المنطقة أكيد بيساعدون الشيخ أبو ذياب لو دروا بالسالفة، مابه لنا مقعاد هنيا!"
لمحت الوضحة فرس أصيل مربوط ورا الخيمة، تقربت منه بعجلة وفكت رباطه بجرأة بدوية، واعتلت ظهره، وفزت الشيهانة وركبت خلفها. وبضغطة واحدة على بطن الجواد، انطلق الفرس يسبق الريح متوجهاً إلى عمق الصحراء المجهولة، يطير وراه العجاج.
<< في مضافة القبيلة >>
التفت الشيخ بارك وصاح بأعلى صوته: "يا أم الهنوف!"
خرجت أم الهنوف مسرعة: "أمر يا شيخ، وش بغيت؟"
الشيخ: "فين البنتين اللي جوا عندنا البارحة؟ أبيهم في كلمة."
أم الهنوف: "والله يا شيخ راحوا يم الغدير يعبوا ماء لجل يغسلوا ملابسهم."
رجع الشيخ للمجلس وجلس، ونادى على أحد أفرس رجاله: "وقاص!"
دخل وقاص عجل: "أمر يا الشيخ، لبيه."
الشيخ بارك: "روح الحين يم الغدير، وشوف البنتين وجيبهم معاك للمجلس، ربي يحفظك يا الفارس."
انطلق وقاص مثل السهم، وامتطى جواده وتوجه صوب الغدير. وأول ما قرب من المورد والماء، شاف ثلاث بنات من بنات القبيلة يملّن القرب، وقف خيله وسألهن بحزم: "يا بنات.. فين الحرمتين اللي جوا أمس يم قبيلتنا؟"
التفتت بنت اسمها بروق وقالت: "والله يا الأخو مو موجودات هنيا، المورد خالي منهن."
وقاص: "ولا قد شفتوهن مرّوا من ذا الصوب؟"
ردت مرجان: "لا والله، ما قد جوا صوب الغدير أبد اليوم."
هنا عرف وقاص إن البنات هربوا، وعاود للشيخ يبلغه بالعلم.
<< عند الشيهانة والوضحة في الخلا المقفر >>
الفرس يركض في جوف الهجير، والشمس تصلى الرؤوس.
التفتت الشيهانة وقالت بذعر: "وين نروح يا الوضحة؟ الديرة ضاقت علينا!"
ردت الوضحة بعين بصيره: "وجهي الفرس باتجاه قبائل الجنوب.. لأن القبائل اللي بالشمال أكيد الشيخ أبو ذياب بيرسل لهم مراسيل وصور عنا، والجنوب أستر لنا."
الشيهانة: "أشهد إن كلامك صحيح."
وحرفوا مسار الفرس واتجهوا صوب الغرب لجل يضيعون الأثر. وبعد ساعات طويلة من الركض تحت حمار القيظ، بدأ الفرس يتهادى وحيله يقل، وقفت الوضحة وقالت بأسى: "الفرس عطشان وهده التعب.. من وين نجلب له أكل وماء في هالمتاهة؟"
الشيهانة: "خلينا ننزل من ظهره ونمشي برجلنا عسى الله يفرجها ونشوف عربان أو قبيلة من القبائل تزبنّا."
نزلن من ظهر الخيل وجلسوا يمشون ويجرون الرسن وراهم. الوقت يمر، والسراب يلوح في المدى، والوضحة بدأت تحس بريقها ناشف وفمها يابس من كثر العطش، ونفس الشيء الشيهانة اللي بدت ركبها تخونها.
قالت الوضحة وهي تطالع الرمل الممتد: "الظاهر ما حنّا شايفين قبيلة ولا قاطنين في ذا المكان.. المكان كله صحراء وموت حمر."
بكت الشيهانة وقالت بيأس: "صح.. المكان صحراء مهجورة، وأظن إن نهايتنا وحتفنا بيموت هنيا تحت هالشمس."
وفجأة، لمحت الوضحة شجرة "طلح" عودة واقفة بوسط الصحراء مثل الأمل، نطقت بفرحة مكسورة: "خلينا نروح نظلل تحت ظل الشجرة لين الله يحدث بعد ذلك أمراً."
تزبنّوا تحت ظل الشجرة يلهثون، وبينما هم في قمة اليأس.. سمعوا صوتاً غريباً على الصحراء! صوت محرك قوي يزمجر ويقطع السكون!
التفتت العيون بذعر، وإلا بـ **"سيارة"** جيب حديثة تتقدم وتشق الرمال بوسط الصحراء، منظر غريب على عالمهم وعربانهم!

 رواية/ شبه القمر لفا ديرتنا قصص لتهوسّ بها. اكتشف الآن