## << عند صقر >>
أما في مغاسل الجبال البعيدة، كان صقر جالسٍ بوسط كهفٍ جبلي مظلم وبارد، وضيق الصدر والكدر تارسٍ قلبه وعروقه. يتنهد بحسرة ويقول في خاطر نفسه: (أكيد أبوي الحين هدت حيله العلوم، وأمي منهارة بالدمع، ويحسبوني قتلت وقاص ظلماً وغدراً).
تنهد بحزن ساطي من ه الدنيا الصعبة اللي تحذفك بمشاكل وبلاوي أنت غني عنها ولا لك فيها يد. نزلت دمعةٍ حارة من عينه تقص خده وهو يتذكر أمه وأبوه وكيف غلاته بـ قلوبهم الكبيرة وكيف كان سندهم في ه الديار.
يحس ريقه غدا مر كالعلقم من قهر الظلم والضيم اللي لبسوه إياه وهو بريء، وتمثل في خاطر صدره هالبيت المعروف بين العرب والبادية:
ما كل ما يتمنى المرء يدركهُ ... تجري الرياح بما لا تشتهي السفنُ
وفجأة.. انقطع حبل أفكاره وضيق صدره على صوت خطاوي سريعة لـ "فزاع" وهو داخلٍ عليه الكهف وعلامات الفزع بوجهه.
## << في ديار الشيخ أبو صقر >>
وفي ربعة الشيخ أبو صقر، كان سراج جالسٍ بالمجلس وعيونه تقدح شرار، وهو يحاول يمسك أعصابه بالقوة لجل ما يقوم بثورته ويقلب المضافة فوق روسهم ويثير الدم.
نظر له الشيخ أبو صقر والهم هادٍ حيله، ونطق بصوتٍ مهدود وضعيف: "يا ولد، أنا أخبر ولدي صقر وربي شاهد على ما أقول، عمره ما مد يده بالجناية أو الغدر على أحد، تيقن وتأكد إن مو هو القاتل ولا هذي عاداتنا."
صاح سراج بغضب قارب الصراخ والوعيد يهز عوارض البيت: "يعني نصدق هرجك ونكذب عيوننا ونلغي الحق؟! ولدك صقر ذبح خيي وقاص جهاراً نهاراً وقدم عيون العشيرة والشهود كلهم! دم خيي مهوب رخيص!"
قام أبو محمد ينهره ويزجره بحزم الرجاجيل: "علامك يا ولد؟ ابلع العافية واثبت مكانك! اعرف إن أبوك كان رجلاً حليماً وطيباً وما خطأ بحق أحد من العرب، وأنت بكل قلة حيا تصارخ فوق راس الشيخ ورجالٍ بمقام أبوك وشيباته؟ ما هقيت الشين والردى يبدر من عيال الأجاويد الحاشمين!"
تعوذ سراج من إبليس داخلياً، وهدّأ نبرته مجبراً وقال بحدة مخفية: "المعذرة منك يا شيخ وحشمتك وشيباتك على راسي وعيني، مير أنت تدري إن هالعلوم علوم دم ووراها ردح وهجاء ودم ساطي بقلبي، وخاصة إن خيي ماله مدة مذبوح وقبره عاده جديد، كيف تبوني أهدأ وأسكت ودمه ما برد وراسه طاح؟"
وتابع بحزمٍ قاطع ينهي الجدال: "اسمعوا العلم الوكاد.. أنا قبل قليل أرسلت مرسال لربعي وعزوتي، والحين رجال قبيلتي محوطين دياركم وعربكم كاملة من كل ريع ومدخل، إما تسلمون صقر بيده لجل ياخذ جزاء جنايته، وإلا وعهد الله الذي لا إله إلا هو، لنحرقن ه البيوت والقبيلة بمن فيها، ولا نذر فيكم عينٍ تطرف!"
عند الحريم
أول ما وصلت العلوم لداخل البيوت وسرت المصيبة بين خيم الحريم، وعلمت أم صقر ب ه الفاجعة الكبرى ووعيد سراج، انهرت بالبكاء والنحيب المستمر، وعز عليها وضاق صدرها وخافت تخسر ولدها الوحيد وقرة عينها وسند شيبتها، وبكت بكاءً حاراً يقطع نياط القلب ويهد حيل السامع.
التفتت لها ليال ودموعها في عينها تحاول تصبرها وقالت بنبرة وجلة: "....................."
