((١١))

188 26 73
                                        

<< عند شعلان ودهمان والوضحة.>>
وفي عمق الصحراء، كان قطاع الطرق مجتمعين، والتفت شعلان للوضحة المتنكرة بزي الرجال وقال: "وش رأيكم اليوم بالليل نغزي قبيلة الشيخ وهاج وناخذ حلالهم؟"
عقدت الوضحة حاجبيها، وبصوت خشن مستعار قالت: "وليه بذات تيه القبيلة الحين؟! وأنتم قلتوا لي إن اللي ذبحت أخوي وحلت به الغدر هي قبيلة الضواري؟!"
رد دهمان بخبث: "شوفي يا وضاح.. ه القبيلة اخترناها لأن ما فيها فرسان واجد، غير ثلاثة فرسان وكاد إن حنا بنقدر نغزيهم وناخذ كسبهم دون تعب."
رفضت الوضحة ونطقت بعزة فرسان: "بس أنا ما ودي أغزي قبيلة كاملة فيها حريم وضعوف! أنا ودي آخذ ثأري من اللي ذبحوا أخوي بـالذات، أما بقية رجال القبيلة وش سووا فيني وفي أخوي لجل نغزيهم؟!"
رد شعلان يحثها: "هداك الله يا وضاح.. أنت ما تعرف سلوم العربان؟ إن أي حكم يحكم فيه شيخ القبيلة، يكون الشور شور أهل القبيلة كليتهم وراضيين بظلمه!"
قالت الوضحة بينها وبين نفسها بـحسرة وقهر:
> // وعز الله ورّطتِ نفسك بذا البلاء يا وضحة! واضح إن ه الخبلان نيتهم سوداء ونوين شر على قبايل الأجاويد.. مير ما أكون أنا بنت أبوي إن ما ربيتكم وعلمتكم السنع! //
>
أظهرت الموافقة وقالت: "خلاص.. دام العلم كذا، باكر نغزي قبيلة الشيخ وهاج."
ابتسم شعلان ودهمان بفرح عارم، وظنوا إنها بلعت الطعم وبتنفذ معهم الغزو. وقال شعلان: "يالله نستأذن منك يا وضاح، بنروح الحين نشيك على الحلال والركايب."
سكتت الوضحة وهي تشوفهم يخرجون من الخيمة. مير غريزتها حركتها، فنهضت عقب ثوانٍ وتسللت تلحقهم وتراقبهم من بعيد. شافتهم ابتعدوا قليلًا وجلسوا في مكان خلاء وراء صخرة كبيرة، فـمشت بهدوء واختبأت خلف الصخرة لجل تسمع حديثهم الخافي.
قال شعلان لرفيقه بضحكة خبيثة: "وكاد إن ه الوضاح مخبول وفي عقله بلاء وسذاجة!"
رد دهمان بسخرية: "إي والله.. واضح إنه طيب وعلى نياته، يا حليله علومه وهرجه مو علوم رجال قساة!"
ابتسمت الوضحة من وراء الصخرة على هبالتهم وسذاجتهم، وقالت في سرها:
> // وعز الله ما حد راح يتورط بـه الديار غيركم أنتم وعلومكم الشينة وسواياكم الردية! //
>
تراجعت بهدوء وعادت لخيمتهم، وبداخلها إصرار وعزيمة: "وربي راح أشوف وش وراهم من بلاوي ومكائد.. ومثلي ما يخليهم، ما أكون الوضحة إن ما خرجت علومكم وسواد وجيهكم اللي تخفونها عن العربان."
<< في قبيلة الشيخ أبو ذياب.. >>
أما في ديرة الشيخ أبو ذياب، وعقب ما ألقى سعد صاعقته وطلب يد ذهول أمام وجهاء العشيرة، ساد صمت ثقيل، حتى قطعه الشيخ أبو ذياب ونطق بوقار: "الشور الأول والأخير ب ه السالفة للبنت ذهول.. أعلمها بالخطبة، وإن شاء الله ما يصير إلا كل علمٍ طيب ويقدم ربي اللي فيه الخير."
في هذه الأثناء، أظلمت الدنيا بعيون الفارس "فارس"، ولم يكن يتوقع أبدًا إن جرأة سعد وخبثه بيوصلون ل لذا الحد لجل يقطع عليه الطريق ويقهر قلبه. حاول يصبر نفسه ويزفر الضيق، مير عيونه كانت تشتعل بالغضب والغيرة القاتلة.
فز "ذياب" ونطق باعتراض واضح أمام والده: "يا به!.. أختي ذهول شيخة وماتتزوج غير شيخ ولد شيخ له صيت بالديار!"
رد الشيخ أبو ذياب بحكمة: "الكبر لله يا ولدي.. وسعد رجال ولد رجال وما خطاه الشينة، وأبوه كان نعم الرفيق."
لمح ذياب الإصرار في عيون أبوه، فنطق يحاول ثنيه وإقناعه: "بس يا يبه.. ذهول بعد عمرها صغير وطرية على ه السيرة!"
ضاق الشيخ وصاح: "وش فيك لكثرة الهرج والاعتراض يا ذياب؟! كلمتي ما أثنيها قدام الرجال.. أنا قلت آخذ العلوم والشور من البنت بنفسها؛ إذا كانت عايفة الزواج ردينا العلم، وإذا وافقت تمت على بركة الله."
ضاقت الدنيا بنواحيها على فارس عقب ما سمع كلام عمه وإعطاء الشور لذهول، فـقام من المضافة بـخطى ثقيلة وهو يستأذن الحاضرين والضيق جاثم فوق صدره. ولمح بعينه سعد اللي كان يناظره بابتسامة خبث ونصر لئيم.
خرج فارس وجلس وحيداً عند مشب النار الخارجي، والهم ياكل روحه، يتساءل وش بيسوي الحين لو وافقت ذهول حياءً من أبوها؟
تنهد بقهر، وفجأة لمح بطرف عينه "ذهول" تمشي برقة ومعها أخته "حسناء" جالبات القرب، فـفز قلبه، ونطق بصوتٍ عالي النبرة مليان شجن وضيق: "أقووول!..." لجل يستوقفهم ويشفي غليله.
<< في قبيلة الشيخ بارك..  >>
وفي ديار بارك، كانت الشيخة الهنوف جالسة في بيت والدها برفقة أمها وأبوها الشيخ.
نظر إليها الشيخ بارك بنبرة مليانة أسف وحنان: "أنا آسف يا بعد قلبي ويا الهنوف.. إني حطيتك بموقفٍ وضيق ما كان ودي أحطك فيه أبدًا قدام رجال العشيرة."
تبسمت الهنوف برضا تداري به كسر خاطرها، وقالت بعزة: "عادي يا يبه ولا يهمك.. وربي لو تطلب عيوني وروحي ما غلت عليك يا مهجة قلبي ويا تاجي."
تنهد أبو الهنوف بـضيق: "والله إني أشعر بضمير يأنبني في جوفي وأنا غاصبك على ه الجوازة يا بنيتي."
ردت الهنوف بـشموخ بدوي أصيل: "ما عاش من يغصبني وأنا بنت الشيخ بارك شيخ المشايخ وسيدهم! بعدين خلاص.. نهايتي ومصيري بروح لبيت زوجي، وبندر ولد عمي ما خطاه الشينة، رجال أجودي وراعي فزعات ومثلي تصونه."
فرحت أم الهنوف ونطقت: "ذا الكلام الزين والشور الغانم! منى عيني الحين وأنا أشوفك متوفقة وعايشة حياتك المستورة.. أنا وأبوك كبرنا وماندري متى يجي الموت وياخذ أمانته."
قالت الهنوف بعاطفة: "بعيد الشر عنكم.. ربي يطول بـأعماركم ويديمكم فوق راسي."
ابتسم الشيخ بارك براحة، وأكمل العلم: "ودام إنك موافقة وطايعة للشور يا بنيتي.. كلمني عمك أبو بندر الحين عن كتب الكتاب، وقبل قليل قلت له يأجل الموضوع لجل راحتك. مير الحين عقب ما سمعت موافقتك وارتاح قلبي من الهم اللي كان آكله، بروح باكر بـإذن الله وأقول له نحدد كتب الكتاب ويكون بعد بكرة!"
طلقت أم الهنوف زغرودة فرح رنت في أرجاء الخيمة. وكانت الهنوف تناظر فرحة أبوها وأمها، وبداخلها عهد إنها مستحيل تكسر ه الفرحة أو تنزل رأس أبوها بين العربان؛ ودام إن قدرها انكتب مع بندر، فـراح ترضى بـالقدر والخيره فيما اختاره الله لها، ميرها تخفي بقلبها حسرة.
<< في قبيلة الضواري.. >>
وعند مورد الماء في قبيلة الشيخ ضاري، كانت بنات القبيلة جالسات يملأن القرب ويتحدثن.
التفتت المها لـرفيقتها وقالت بـاستغراب: "أقول يا روعة.. علامك سارحة وشاردة البال؟ وش اللي شاغل فكرك؟"
تنهدت روعة بحزن وقالت: "والله يا المها ما غير قلبي محروق وواكلني القلق على أخوي غياث.. من يوم استدعاه الشيخ وخلاه يروح بـمرسال ومراسيل ما عاد رجع للديرة! وكان المفترض يعاود بـنفس ذاك اليوم، بس الحين صار له يومين كاملين وما عاد عوّد ولا شفناك زوله! يا خوف قلبي صاير له شي بالخلا!"
هدأت روعها أشجان وقالت بحنان: "عسى خير يا بعد قلبي ولا تقلقي.. وكاد إنه تأخر بضيافة أحد الشيوخ وراح يعاود غانم وسالم." وجلسن يكملن حديثهن عن أحوال القبيلة والوليمة الكبيرة.

<< ♕ في قبيلة الشيخ أبو صقر..
وفي ذات النهار، وفي مطرح الشيخ أبو صقر..
وصل فرسان قبيلة أبو سراج؛ "سراج" و"سمعان" و"نهيان"، ودخلوا الديرة بـخيولهم والعجاج يثور وراهم وعيونهم تقدح شرر.
كانت بنات القبيلة؛ قمر ونجمة وليال (الشيهانة) واقفات قرب مورد الماء، كل واحدة بيدها زمزميتها، ويتكلمن بهدوء. وفجأة، سكتن البنات وتجمدت الكلمات في عروقهن وهن يشوفن الفرسان الغرباء يتقدمون ناحيتهن بـملامح غاضبة مرعبة وسلاحهم مشهر، ووقف سراج بفرسه فوق رأسهن.
لدّ سراج بنظرته الحادة الصارمة صوب البنات، ونطق بصوتٍ جهوري يرعب الصخر قاصداً قمر ونجمة:
**سراج:** "أين الشيخ أبو صقر وأبو محمد؟! قولوا لهم فرسان الثأر والدم على الأبواب! جئنا نأخذ دم وقاص اللي ذبحه ولدكم صقر غدراً بوادينا! صيحوا للشيخ الحين يسلّم ولده صقر، ولا وعز الله لتسيل دماء بهالمطرح ما تسدها وديانكم!..."

 رواية/ شبه القمر لفا ديرتنا قصص لتهوسّ بها. اكتشف الآن