((٤))

300 38 35
                                        

التفتت العيون بذعر، وإلا بـ **"سيارة"** جيب حديثة تتقدم وتشق الرمال بوسط الصحراء، منظر غريب على عالمهم وعربانهم!
فزت الوضحة، وطار الخوف وجاء محله طمع الحياة، وقفت وأشارت بيدها للسيارة وصاحت لجل توقف.
ضرب الشاب كوابح السيارة، ووقفت وأثارت الغبار حول الشجرة. انفتح الباب، وخرج منها شاب لابس لباس أهل الحاضرة والمدن، طالعهم باستغراب وعجب ونطق: "إيش تبغين؟ وش مقعدكم في هالمكان المهجور؟"
حجت الوضحة بصوتٍ مبحوح: "إذا ما عليك أمر.. ولا يهينك، تجيب لنا ماء يحيينا."
رجع الشاب للسيارة، وعاد وبيده "زمزمية" ماء بارد يلوح عليه الشهد. أخذت الوضحة الزمزمية بعجلة، ودارت بظهرها للشاب لجل تحافظ على لثامها وسترها وما يشوف وجها، شربت رشفة بلت بها عروقها، وراحت تركض صوب الشيهانة اللي كانت طايحة وتعبانة من كثر العطش.
مدت الوضحة الزمزمية لأختها ونطقت بتحذير: "لا تشربين كثير هالحين والبطن خاوية.. بللي فمك وبس، شوي شوي يا خيتي."
سوت الشيهانة مثل ما قالت لها أختها، والماء البارد يعيد الروح لجسدها.
أما الشاب، فكان لازال واقفاً جانب باب سيارته، عيونه تتفحص لباسهم البدوي البالي، والفرس المنهك المربوط بالجريد، وعلامات الدهشة والريبة تملأ وجهه، كأنه يطالع شخصيات خرجت من كتاب تاريخ.. وكان صمته يثير في قلوب البنات رعباً جديداً من نوع آخر!
*هكذا أخذ المشهد حقه الروائي المشوق بالكامل يا زينب! فكرة دخول السيارة فكرة عبقرية منكِ وتصنع تحولاً خيالياً رائعاً في الرواية البدائية.*
*والحين الشاب واقف ومستغرب.. وش بيسوي؟ هل بيعرض عليهم يركبون معاه بالسيارة ويهربون للجنوب؟ وكيف بيتعاملون مع هالتكنولوجيا الجديدة وهم أهل خيل؟*

تقدّمت الوضحة بخطى ثقيلة، ومدت يدها المرتجفة تعيد الزمزمية للشاب، وقالت بصوتٍ حاور تداري به حرجها: "مشكور يا نشمي.. جاد الله عليك وأحياك مثل ما أحييتنا."
هز الشاب رأسه بصمت مريب، وعيونه لا زالت تدرس حالهم الغريب.
في تلك الأثناء، تقربت الشيهانة وهي تلهث، وهمست في أذن خيّتها بعيون خايفة: "تهقين نروح معه؟ نركب بذا الحديد؟"
ردت الوضحة بيقين المطرودة: "وين نروح يا خيتي؟ مابه لنا مفر غيره.. وكاد رح نمشي معه لجل نطلع من وسط هالمتاهة والصحراء اللي تبتلع الحي."
كان الشاب واقفاً ينظر لهن بصمتٍ مطبق، كأنه يزن غايتهن في ميزان فكره. تشجعت الوضحة، والتفتت إليه وقالت بنبرة رجاء بدوية أصيلة: "إذا ما عليك أمر يا الأخو.. ولا يهينك، ممكن تخرجنا من هالفيافي والقايلة؟"
لم ينطق الشاب بحرف، اكتفى بوجومٍ وهز رأسه، ثم استدار وركب خلف مقود السيارة. صعدت الوضحة والشيهانة بعجلة، وجلست في المقاعد الخلفية وقلوبهن ترتجف مع كل دقة من دقات المحرك.
تحركت السيارة تشق الكثبان الرملية وعجاج الرمل يثور حولها، والبنات في الداخل يأكلهن القلق والوجل من هذا المجهول.
التفتت الشيهانة وبصوتٍ مخنوق همست: "مدري ليه يا الوضحة.. مدري ليه أحس إن الثواني الجاية بتجيب معها بلا وعلمٍ قشرا."
ردت الوضحة وعيونها تناظر النوافذ: "صادقة يا خيتي.. شوفي السما فوقنا كيف اسودّت والسحب متراكمة وركامها يخوف، الظاهر رح تسيل الوديان، اسمعي.. اسمعي صوت الرعد والبرق كيف يشق القاع!"
وفجأة.. دوت رعدة قوية زلزلت الأرض، فصرخت الشيهانة برعب وهلع، وحطت كفوفها على أذانها وهي تبكي.
التفتت لها الوضحة بقسوة وجفاء، مير قسوتها كانت دار لروعتها، وصاحت بها: "علامج؟! كم صار لي وأنا أقول لج حرام تحطين يدج على أذانك وتهتز هيبتك؟! اجهدي عمرج!"
ردت الشيهانة بنبرة باكية وعيون مليانة قهر: "بس أنتِ تعرفين.. تعرفين وش صابني بالماضي وليه أخاف من رعد السما!"
تنهدت الوضحة، ونزلت عبرة حارة على خدها ندمت فيها على انفعالها وقسوتها على خيّتها المهدودة.
أما الشاب في مقعده الأمامي، فكان صامتاً صمت القبور، ملامحه جادة وعيونه على الطريق، رغم أن علامات الاستغراب والريبة تكاد تنفجر من وجنتيه. كان يهوجس في سره: *(بنتين.. حريم في عز القيظ وبجوف الخلا، وش اللي جابهن هنيا إلا إن كان أهلهن وعشيرتهن تبروا منهن لـذنب، أو طردتهن القبيلة لـجناية؟! الله يستر من تاليتها).*
<< وفي تلك الأثناء.. نعود وراء لقبيلة الشيخ بارك >>
ترجل وقاص عن فرسه عقب ما عاد من يم الغدير، ودخل بخطى ثقيلة وعجلة إلى مضافة الشيخ حيث المجالس غاصة بالرجال. أول ما دخل، وقف الجميع يرقبون العلم.
تنهد الشيخ بارك وصاح: "وش العلم يا وقاص؟ جبت البنات معك؟"
رد وقاص بنبرة جادة: "أظن يا عمي الشيخ.. وكاد إنهن هاربات ومقفين، وكلامهن اللي حكوه للشيخة أم الهنوف مجرد حجة لجل يضيعن الأثر ويهجن بالخلا."
فز الحكم من مكانه، وعدّل بشته وهو ينهض وعيونه تشتعل قلقاً: "أستأذنك يا شيخ بارك.. المسرى حان."
قال الشيخ بارك يمسكه بـشيمة العرب: "اجلس يا ضيف.. تراك اليوم في ضيافتنا وعيبٍ علينا تقفي والزاد ما قُدم لك."
رد الحكم بعجلة: "المعذرة منك يا شيخ.. ومن عشيرتك وهل الناموس، بس والله إني مستعجل وورايه علمٍ لازم يوصل لأبوي."
أومأ الشيخ بارك بوقار: "الله معك وسدد خطاك."
خرج الحكم من المضافة مثل السهم، واستدعى أمه أم حكم من بيت الحريم، وخرجت العجوز معه، وامتطوا ركائبهم وعادوا يسبقون الريح صوب قبيلتهم لجل يبلغون الشيخ ذياب بالخديعة.
<< عند الوضحة والشيهانة >>
في جوف الصحراء، تبدل الحال واكفهرت السما، وبدأ المطر ينزل كأنه قِرب ومزون انفتحت، وصوت الرعد يهز جبال الرمال وخرق السكون الموحش. ولم يعد يُسمع في ذاك الخلا إلا عواء ذئبٍ جائع من بعيد، يجاوب أصوات الصواعق.
كانت السيارة تمشي بسرعة كبيرة، والشاب يحاول يطرد الوقت قبل لا تسيل المحافر، لين وصلوا قرب مجرى السيول (السائلة). كان السيل حزتها ينزل كأنه الجبال الجارفة، واشتدت الأمطار بغزارة مرعبة حتى بدأت المياه تخرج عن مجراها المعتاد وتفيض صوب الرمال.
خافت الوضحة، وقربت من الشاب وقالت بصوت يرتجف: "إذا تسمح يا النشمي.. ابعد بالسيارة من يم السائلة، الأمطار في تزايد والخوف ياكلنا، أخاف يجرفنا السيل وما بين الحديد والماء إلا متر واحد!"
لم يتكلم، مير حرّك مقود السيارة بهدوء ودهاء، وابعد عن مجرى الخطر لتقف السيارة تحت ظل شجرة عودة، بعيدة قليلًا عن جالة السائلة.
كانت الشيهانة قد دست رأسها بحضن الوضحة، تتخفى من صوت الرعد، والوضحة ساكتة تماماً، تناظر المطر بقلق بالغ ويدها على قلبها؛ فالكارثة أكبر من المطر.. إنهن في مكان منعزل بالخلا، ومعهن شاب غريب لا يعرفون أصله من فصله.
نزل الشاب من السيارة، وسحب صوفه (بردته) وتوشح بها لجل يقيهم شر الشبهة، وجلس تحت الشجرة برهة والمطر يصب على رأسه بغزارة.
أول ما قفى ونزل، تنفست الوضحة الصعداء، وكشفت عن لثامها لجل تاخذ النفس عقب ما أحست بالاختناق من هول الموقف، ورفعت يدينها تدعي بقلب محروق: "يا رب.. يا رب خارجنا من كل محنة، ومن كل بلاء وعلمٍ ردي، يا رب استر علينا وعلى عرضنا ولا تشمت بنا الأعداء."
أما الشاب تحت الشجرة، فكان جسده يبتل وعقله يغلي بالهواجيس، وقال في سره: *(يوم شفت القلق والتوتر واضح على ملامحهن، لمحت الخوف بعيونهن، نزلت وجلست بالوجار تحت المطر لجل يرتاحن، مير داخلي نار وقلق.. وين رح أودي هالبنات؟ الظاهر إن وراهن مصيبة أو بلاء يهد الحيل، الله يخرجنا من هالمأزق بالسلامة).*
التفت لسيارته، وتذكر إنه صار لهن ساعات طويلة من غير زاد ولا ماء، والعطش كان بيموتهن، وأكيد الجوع ينخر بطونهن الحين.
قام من مكانه وهو يتحمحم لجل ينبهن، واقترب من السيارة ودق زجاج النافذة الأمامية برفق، معلناً عن قدومه.
أول ما سمعت الوضحة حركته ودقته، فزت وأعادت لثامها بسرعة، ودقت بظهر كفها على الزجاج من الداخل لجل يعلم إنها انتبهت له.
فتح باب السيارة ودخل ببدنه، وبدأ يبحث في المتاع عن خبزٍ كان عنده، وسحبه ومده صوب الوضحة وهو ينطق بصوت رجولي خشن ووقور: "خذي.. كلي أنتِ وأختك، الزاد يقويكم."
مدت الوضحة يدها بحرج شديد وأخذت الخبز وقالت: "تسلم يا النشمي.. عذبناك معنا وهدينا حيلك في هالمطر."
نزل الشاب مجدداً ليعود إلى جلسته تحت غزارة الأمطار يفكر بحل لمصيبته، ينظر للأمطار وهي تنزل والخوف يزداد بداخله، فالظاهر أن السيول عارمة ورح تجرف المنطقة بالكامل.
أما في الداخل، التفتت الوضحة لشيهانة التي غطت في نومٍ عميق وهدها التعب، هزتها من كتفها وقالت: "يا شيهانة.. فزي، يا شيهانة!"
تحركت الشيهانة بانزعاج، وفركت عيونها السود الواسعة الكحيلة وهي تتلفت بذعر.
<< في قبيلة الشيخ أبو ذياب >>
وفي نفس الوقت، دوت حوافر الخيل في ديرة الشيخ أبو ذياب معلنة وصول الحكم وأمه. استقبلهم رجال القبيلة وفرسانها بوجيهٍ جادة.
دخل الحكم للمجلس، ففز الشيخ أبو ذياب وقال: "وش العلوم يا الحكم؟ أشوفكم عاودتم بعجلة.. عسى لقيتوا الذيبات؟"
سرد الحكم لوالده والفرسان كل ما جرى في ديرة الشيخ بارك، وكيف البنات هربن أول ما سمعوا بذكرهم.
ضاق صدر الشيخ أبو ذياب وقال بغضب: "الظاهر البنتين لهن يد وعلاقة بقطع الطرق ووراهن حنش كبير!"
حج الحكم بيقين: "وهذا الظاهر والوكاد يا يبه.. لأن أول ما علمن بجيئتنا وطاري قبيلتنا، هجن من الديرة مثل الظباء."
استغرب ذياب وقال وهو يعقد حاجبيه: "ويش عرفهن إننا نبحث عنهن بالذات؟ حنا ما قد شفنا وجيههن ولا عرفنّ العشيرة!"
فزت أم الحكم من وراء الرواق وقالت: "أنا العلم عندي.. يوم وصلت لبيت الحريم، سولفت لهن القصة كاملة بدون ما أدري، والظاهر إن البنتين لقطن العلم وعرفن إن فرسان الشيخ ذياب يطردون أثرهن، وهربن لجل ما ينكشف المستور."
ضرب الشيخ أبو ذياب الأرض بعصاته وقال بصوتٍ زلزل الفرو: "اسمعوا وارتكوا للعلم!.. أنا بكرة مع غبشة الصبح برسل مراسيل وخطوط لكل القبائل في الشمال والغرب بوصف البنتين ولعنبو من يخبيهن!"
ثم التفت لذياب وفرسانه، وتابع بسخرية مريرة ثم بقوة وصرامة هزت المضافة: "وأنتم يا الفرسان.. يا أهل الناموس، تجيبون لي قطاع الطرق والبنات من تحت الأرض! سامعين؟! من تحت الأرض!"
*

كان المطر يصب من مزن السما كأنه القِرب الانفتحت، والكون غدا ظلاماً دامساً. تحمحم الشاب، وعدّل لثامه وهو يدخل بجسده للسيارة لجل يشغل المحرك ويطرد الوقت، مير المحرك أطلق حشرجة ميتة وعيّا يشتغل؛ فقد تعطلت السيارة من كثرة المطر والماء اللي غمر جوفها. تنهد الشاب بضيق، وحك رأسه وهو يهوجس في سره: *(وش السواة الحين والحديد عيّا يطيع، والسيارة معطلة بوسط هالهلاك؟)*
نزل في وسط المطر، وتفقد المحرك بجرأة، وشاف إن الحديد صالح ومابه شي، مير الوكاد إن العطل في موضعٍ آخر ما طالته عينه. عاود وركب وحاول مرة ثانية وثالثة، مير الفرس الحديدي ما رضى يتحرك ولا يثور عجاجه.
التفت الشاب للشيهانة والوضحة، وقال بنبرة جادة وخوفٍ يداريه: "الظاهر إن السيارة صابها عطلٍ قشرا وعيّت تمشي، والأمطار في تزايد والوديان بدت تفيض.. والوكاد إن السيل إذا زاد نتفة صغيرة، بيسحب السيارة وإحنا بجوفها."
فزت الوضحة والذعر يأكل نياط قلبها: "وين نروح يا نشمي؟! وين المفر والوعر محاصطنا؟"
رد الشاب وعيونه على قمم الجبال: "مالنا غير نصعد ظهر الجبل.. المنطقة هنيا خطرة، والسيول إن داهمتنا تجرنا، وبنلتوي من فوق جالة السائلة لجل نزبن بـمكانٍ رفيع."
*(ملاحظة روائية: كانت السائلة الملعونة تمشي وتلّف من تحت عرق الجبل، جارفة وقوية، ومن زلّت قدمه وسقط فيها، تبتلعه الظلمة ويدخل في جوف السيل للأبد).*
نزلت الشيهانة والوضحة من السيارة بخطوات ثقيلة هدّها الخوف والبرد والبلل، وبدأوا يمشون ويطردون أثر الشاب، صاعدين الجبل الوعر، والأمطار تزداد بغزارة تضرب الوجوه. صعدوا فوق الجبل والريح تعصف بهم، والتفت الشاب يصيح بصوتٍ جهوري: "امسكوا أنفاسكم، واثبتوا بـالرمل والصخر.. لا تزل قدم أحدٍ منكم ويسقط داخل مجرى السيول!"

 رواية/ شبه القمر لفا ديرتنا قصص لتهوسّ بها. اكتشف الآن