في قبيلة الشيخ أبو ذياب ♕ >>
دلف فارس بخطواتٍ رزينة، تهتز لها أركان المضافة، وفور أن وطأت قدمه عتبة المجلس، شاش نظره وتجمد الدم في عروقه وهو يبصر "ذهول" ساطعة بوسط الرجاجيل، وقد كشفت عن لثامها لتبين ملامح وجهها الغض قدام قواطع الأجانب. شعر فارس بـ لظى ونارٍ لاهبة تفور بـ جوف ضلوعه من الغيرة، ونطق بنبرة حادة، جهورية، خرجت كـ سهمِ الموت يملؤها الغضب العارم: "ادخلي لـ خدرك!"
لم تبدِ ذهول أي اعتراضٍ يذكر، بل ألجمتها نبرته الصارمة، فـ استدارت بـ ثوبها الذي يجر خلفها مطأطئة رأسها، وخرجت من المضافة والضيق يأكل صمتها.
جلس فارس بـ صدر المجلس والغيض يعلو حواجبه، والتفت "أبو علي" (عقيد القوم وأحد كبار العوارف) صوب الشيخ، ونطق بصوتٍ ثقيل، يزن الكلمات بـ ميزان الحكمة: "الحشيمة والقدر لـ محارمك ياشيخ أبو ذياب، ودم بنتك غالي وحنا قواطع حق.. البنت مهي قابلة بـ سعد، فلا تجبرونها على شيٍ ما وده خاطرها به. صحيح إنك قبل قليل جيت وعلمتنا بموافقتها، بس عقب الخطوة الكبيرة والجسورة اللي خطتها اليوم بفك لثامها وعفتها قدامنا لجل تدفع هالضيم، حشى وكلا نكسرها وحنا رجال القبايل الصناديد اللي عمر كلمتنا ما تنكسر ولا توطي لحق عذراء!"
وفي تلك الأثناء، دخل "ذياب" للمضافة، والابتسامة ترتسم على ثغره وهو يلمح وجه سعد وقد غدا باهتاً أصفراً كأن أحداً صفقه كفاً حامياً على وجنته كسر كبرياءه. جلس ذياب بجانب فارس، ووجه نظره لـ كبار السن والشيوخ ونطق بـ فخر: "السموحة منك ومن الحضور يا بو علي.. حتى لو وقفت القبيلة كلها بـ رجاجيلها بوجهي وقالت زوجوا بنت الشيخ لـ سعد غصبٍ عنها، فـ أنا ودي أوجهكم مستحيل أرمي أختي وقرة عيني بـ لظى نار سعد! سعد خيبة رجال ومو قد المقام، وأختي شيخة بنت شيوخ وما يليق بـ مقامها وعزها غير رجالٍ نشمي، صنديد، يصونها ويحميها من جور الأيام ونوائب الدهر!"
أما سعد، فكان جالساً يتجرع الغصص والقهر، ومن أول ما دخلت ذهول المضافة وهو يربط على كفه ويصبر نفسه على ه الإهانة، وعقب كلام ذياب اللاذع، زادت النار في قلبه وتضاعف غيضه. قام من مكانه بـ غطرسة يخفي وراها ذله، وهو يحس بالمهانة تصيب كبرياءه وسط الشيوخ، وبداخله حقدٌ أسود قديم من المشكلة الأولى التي ضربه فيها فارس لجل حشمة ذهول، والآن زاد حقد غليانه عليهم كلهم، وتوعد في جوف خاطره الماكر: (والله وتالله لا أرد لكم الصاع صاعين يا ذياب ويا ذهول.. أما أنت يا فارس، فـ حسابك معي قصة ثانية، والأيام بيننا وقواطع!). وخرج والشر يتطاير من عيونه.
التفت فارس صوب عمّه وصوب أبيه بـ ثبات وثقة، ونطق بنبرة تفيض رجولة وأصالة: "بعد إذنكم يالحضور، وعلى رأسهم أنت يبه وعمي الشيخ أبو ذياب.. أنا ودي أطلب يد بنت الشيخ (ذهول) على سنة الله ورسوله، وعهداً عليّ أمام الله وأمام ه الوجيه الغانمة إني لـ أصونها، وأكرم ضيفتها، وأكون لها السند والعز في هذي الحياة ولا يمسها ضيم وأنا حي!"
تبسم أبو فارس بـ فرحة عارمة وانشرح صدره لإن ولده فزع بـ شجاعة واختار الزين وبنت الحمايل، ونظر للحضور وقال: "هاه.. وش قلتوا يا ربع ويا وجيه الخير؟"
ابتسم الشيخ أبو ذياب برزانة وارتياح ونطق: "يا زين فارس وزين تربيتك يا خوي، وعز الله إن الولد نشمي وما يعيبه شين. ودام البنت قالت وعلمتنا قبل قليل بـ لسانها إنها مستعدة تتزوج أي شخص طيب سمعه يسبق خطوته، فـ أكيد إنها موافقة بـ فارس. فارس رجال ونعرف معدنه وتربيه أخوي على السنع وما يخطه الشين أبد، مبروك عليكم!"
قام رجال القبيلة والحضور يباركون لـ فارس، والدلال تدار بالفرح والناموس الرفيع.
