شبه القمر لفا ديرتنا
✍🏻/دروب يمانيــــــــة
في جوف غارٍ من غيران الجبل المطل على الوادي، كانت الأنفاس محبوسة والصدر يغلي كنه دلةٍ على صالي النار. نوّخت فرسها على عجل، ودخلت تذري الغبار وراها، وعيونها تدور أختها بوجل.
نطقت الوضحة وهي تلوف أنفاسها: "الشيهانة.. علامج جيتي من بدري؟ عسى ما شر يا خيتي؟"
التفتت لها الشيهانة وعيونها يتطاير منها الشرار: "إلا الشر مقبل ومنساق.. في مارةٍ بالوادي، مسافة نصف ساعة ويكونون قبالة الكهف.. لزوماً نتحزم".
الوضحة ما كذبت خبر، فزت ونطقت: "أجل الحين أروح أزهب البواريد".
قامت الشيهانة، لبست هدوم الرجال وتلثمت بلثامٍ غطى ملامحها وما بين إلا عيونها الذيبية، جابت البارود ومَدت للوضحة سلاحها. الوضحة خذت البارود بيمناها وراحت تمتطي "الرعد" اللي جفل من ريحة الغزو. أما الشيهانة، فصفرت للجامح، وجاها يطوي الأرض طي، صعدت على ظهره وانطلقت بأثر أختها مثل الهبوب.
وقفت الوضحة على مشارف الهضبة، والتفتت للشيهانة: "وكاد إنهم الحين بمطلاع وادي الأشباح.. وش الرأي؟"
الشيهانة وهي تعدل لثمتها بثبات: "نورد الخيل يم الغدير حق عرب الشيخ نادر.. نسقيها، ووقت مرواحنا نكون قفيناهم ومحدن درى عن جرتنا".
انطلقن يبارن الريح، وأول ما وصلن الغدير، نزلن يردن الماء، وهناك بنات العرب مجتمعات يملن القِرب.
تقدمت "الجمرة" بنت شيخ القبيلة، ونطقت بنخوة بدوية: "يا حيا الله بمن لفا ديرتنا.. اقلطوا يا نشامى في مضافة الشيخ، الوجب زاهب".
الوضحة غلظت نبرتها لجل تداري أمرها، ونطقت من ورى اللثام بصوتٍ أجش: "تسلمين يا الأخية، كثر الله خيركم.. مير والله مستعجلين ولنا دربٍ نحث السير فيه، انجيكم في مقبلات الأيام".
ركبن الخيل وقفن، وفي ثواني غابن ورا العج العاصف.
فور وصولهن للمضيق اللي تعبر منه القافلة، كمنّ بين الصخور، ووجهن البواريد بثبات على المارة. الشيهانة حطت عينها في عين كبيرهم وعاقلهم، وصاحت بنبرة تهز الوادي: "سلموا.. كل اللي بحوزتكم ينزل الأرض، ولا أحدٍ يثني ركبته!"
نطق كبيرهم والروعة بقلبه: "ما عندنا شي يذكر.. اتقوا الله يا رجاجيل، حنا عابري سبيل".
الوضحة ثارت بارودتها في الهوا، وقالت بغيض: "ما في حوار وسوالف.. نقول لك سلّم يعني سلّم بدون كثر هرج ومماطل!"
قربت الشيهانة وجمعت السلاح على راسه: "من أي عرب أنتم؟ ومنهو شيخكم؟"
أجاب الرجل وعيونه بالثرى: "من عرب الشيخ أبو ذياب".
هني.. طاح الصاعق على قليب البنات خلف اللثام، وتذكرن ثارٍ قديمٍ يطبخ على نار هادية.
