في احد الجبال يقع كهف منعزل كان بمثابة ملاذ
داخل الكهف المظلم، الذي تشتعل فيه النار
، جلست الشيهانه بهدواء تتراقب أختها الوضحة بقلق واضح ارتسم على ملامحها الحادة كانت نظراتها الثاقبة تخفي وراءها قلقًا عميقًا.
سألت الشيهانة بصوتها هداء : علامك جيتي من بدري في مره بالوادي؟
أجابت الوضحة بجدية: " أيوه يا أختي مسافة نصف ساعة بالكثير ويكونوا يم الكهف
نهضت الشيهانة على الفور تصميمًا قويًا يرتسم على وجهها. "الآن أروح أجهز البواريد."
تحركت بخفة ورشاقة، وكأنها جزء من المكان، ارتدت ملابسها الرجالية العملية التي تخفي أنوثتها وتمنحها حرية الحركة. أخرجت بندقيتها المصقولة بعناية، ثم تناولت بندقية الوضحة الأخرى، تفحصتهما ببراعة المقاتل المتمرس.
تقدمت الوضحة بخطوات واثقة نحو فتحة الكهف، نظرة ثابتة تتجاوز الأفق البعيد. أمسكت ببندقيتها بيديها القويتين، ثم قفزت برشاقة لتمتطي ظهر فارسها الأصيل، "الرعد"، الذي كان ينتظرها بصهيل خافت وكأنه يفهم المهمة الملقاة على عاتقه. انطلق الفارس كالبرق الخاطف، يحمل على متنه فارسة لا تقل عنه قوة وعزيمة.
وقفت الشيهانة على حافة الكهف، أطلقت صفيرًا حادًا اخترق سكون الجبال. استجاب له على الفور حصانها الأسود الجامح، الذي اندفع نحوها بخطوات واسعة وثابتة. قفزت الشيهانة بمهارة على ظهره، وكأنها وُلدت على صهوته، ثم انطلقت بسرعة البرق خلف أختها، تاركة وراءها صدى حوافر الخيل يتردد في الوادي.
لحقت الشيهانة بالوضحة، التي أبطأت من سرعة جوادها قليلاً لتتمكن أختها من اللحاق بها. توقفتا للحظة عند مفترق طرق وعر.
"وكاد أنهم الآن في بداية طريق وادي الأشباح،" قالت الوضحة بصوت جهوري يخفي توترًا داخليًا. كانت تعرف طبيعة هذا الوادي الموحش وسمعته المخيفة.
عدلت الشيهانة لثامها الذي يخفي جزءًا من وجهها، وعيناها تتمعنان المكان بحذر. "نروح نسقي الفرس يم الغدير حق قبيلة الشيخ نادر، ووقت رجعتنا يكونوا قربوا." كانت تخطط بخبث ودهاء، تستغل معرفتها بتضاريس المنطقة.
انطلقتا بفرسيهما نحو الغدير المتلألئ تحت أشعة الشمس الحارقة. وبينما كانتا تقتربان، تبدت لهما صورة هادئة لبنات القبيلة وهن يملأن جرارهن بالماء، ضاحكات ومستبشرات.
نزلت الفتاتان عن فرسيهما، تراقبن المشهد بصمت. فجأة، اقتربت منهن فتاة ذات عينين واسعتين وشعر أسود فاحم، تحمل ملامح العزة والكبرياء. كانت الجمرة، ابنة شيخ القبيلة.
"يا حيا الله بمن لفا ديرتنا، اقلطوا في مضافة الشيخ،" قالت الجمرة بترحيب حار يعكس كرم الضيافة الأصيل
.
أجابت الوضحة بصوت خشن متعمد، يخفي نعومة صوتها الحقيقي: "تسلمي يا الأخت، بس والله مستعجلين، نجيكم مره ثانية إن شاء الله." لم تكن لديهن رفاهية الوقت للضيافة، فهدفهن كان أبعد من ذلك.
امتطت الأختان فرسيهما من جديد وانطلقتا بسرعة، تاركتين وراءهما نظرات استغراب ودهشة من بنات القبيلة.
وفور وصولهن إلى المنطقة الوعرة التي كان المارة يعبرون فيها عادة، تبدل المشهد الهادئ إلى ترقب حذر. تقدمت الوضحة والشيهانة بفرسيهما، وبحركة سريعة ومتقنة، رفعتا بندقيتيهما وصوبتاهما بتركيز شديد نحو مجموعة من الرجال كانوا يسلكون الطريق.
كانت بندقية الشيهانة موجهة مباشرة نحو رجل تبدو عليه علامات الكبر والوقار، وكأنه كبيرهم وعاقلهم. نظرت إليه بعينين لا تعرفان الرحمة ونطقت بصوت حازم: "سلام عليكم، كل الي في حوزتكم."
تلعثم الرجل في الكلام، وبدا عليه الارتباك والخوف. "ما عندنا شيء، يا بنتي."
أطلقت الوضحة رصاصة في الأرض بالقرب من أقدامهم، صوت الانفجار المدوي هز سكون المكان وأثار الذعر في قلوب الرجال. "مافي حوار، نقول تسلم يعني تسلم، بدون كثرة هرج." كانت كلماتها قاطعة ولا تحتمل النقاش.
اقتربت الشيهانة بفرسها من الرجل الكبير، ووجهت فوهة بندقيتها الباردة نحو رأسه مباشرة. نظرت في عينيه بثبات وقوة وسألته بحدة: "من أي قبيلة أنتم؟"
أجاب الرجل بصوت مرتعش: "من قبيلة الشيخ أبو ذياب."
تجمدت الكلمات على شفاه الوضحة والشيهانة. الصدمة ارتسمت بوضوح على وجوههن. لم يتوقعن أبدًا أن يكون هؤلاء المارة من قبيلة بهذه المكانة.
نطقت الوضحة بصوت يحمل نبرة تحدي وغضب مكبوت: "توصل لشيخك ذا الهرج: 'عمر الوفاء كان مصدق الأجيال، ما كل من تخلى عن خويه يقال له رجال، الرجال لها أفعال وقوال، ما تنام عينه وخويه ما لفا الدار.'" كانت كلماتها بمثابة رسالة قوية تحمل عتبًا عميقًا.
ساد الصمت بين الرجال، وجوههم تعكس الحيرة والقلق من هذه الرسالة الغامضة.
صرخت الوضحة بصوت عالٍ هز أرجاء المكان: "نقول لكم نزلوا الحمولة، مو اسكتوا عن الهرج!" لم يكن لديهن وقت للتردد أو الخوف.
استسلم الرجال للأمر الواقع، ونزلوا كل ما كان بحوزتهم من متاع وأموال. وما هي إلا لحظات حتى انطلقوا مذعورين، تاركين خلفهم الأختين وحمولتهم.
في قبيلة الشيخ أبو ذياب، كان الهدوء الذي يسبق العاصفة يخيم على المضافة. دخل الرجال الذين تعرضوا للسطو، وجوههم شاحبة وعيونهم زائغة. تقدم أبو جعفر، ويده مطروحة على رأسه في علامة للأسى والهوان.
"يا شيخ، مصيبة!" نطق أبو جعفر بصوت خافت ومتهدج. "قطعوا الطرق وأخذوا كل اللي كان معنا."
وقف الشيخ أبو ذياب متعبًا، التجاعيد العميقة في وجهه تبدو أكثر وضوحًا تحت ضوء المصباح الخافت. نظر إلى جميع الحاضرين في مضافته بنظرة تحمل مزيجًا من الغضب والقلق. "اسمعوا يا نشامى، لزوماً علينا أن نضع حدًا لقطع الطرق، ترى يتمددون كل يوم وإحنا نسمع بسطوهم على المارة وأخذ كل الحمولة اللي معهم." كان صوته قويًا وحازمًا، يعكس إصراره على استعادة الأمن والنظام.
نهض شاب وسيم ذو نظرة ثاقبة وشعر أسود كالفحم. كان ذياب، ابن الشيخ، الذي كان يتمتع بشجاعة نادرة وحماس لا يلين. "أمر يا أباه، والله لأجيبهم لك من تحت الأرض." كانت كلماته تعبر عن ولاء عميق وعزيمة لا تلين.
هز الشيخ أبو ذياب رأسه إعجابًا. "كفو يا ذياب."
تذكر أبو جعفر شيئًا هامًا. "ترى قطع الطرق أرسل لك بهرج."
"هات العلوم يا رجال،" أمر الشيخ بنبرة حادة.
أجاب أبو جعفر، وهو يحاول تذكر الكلمات بدقة: "يقول: 'عمر الوفاء كان مصدق الأجيال، ما كل من تخلى عن خويه يقال له رجال، الرجال لها أفعال وقوال، ما تنام عينه وخويه ما لفا الدار.'"
انتشرت الحيرة والهمسات بين الحاضرين. كانت هذه الكلمات تحمل معنى خفيًا لم يفهمه أحد.
أما الشيخ أبو ذياب، فقد بدت الصدمة واضحة على وجهه. اتسعت عيناه قليلاً، وتصلبت ملامحه. نطق بصوت آمر: "ذياب وفارس، خذوا عشرة فرسان من خيرة رجال القبيلة، ومو تجوا إلا ومعاكم قطع الطرق. جيبوهم أحياء أو أموات."
أجاب ذياب بحماس جامح: "أمرك يا أباه، إذا أردت أقطع رقبتهم وأرميهم لذيابة تاكلها وتنهش فيهم." كانت كلماته تعكس غضبه الشديد ورغبته في الانتقام.
أومأ أبو ذياب برأسه بجدية. "توكلوا على الله يرعاكم."
انطلق الفرسان العشرة كريح عاصفة، يقودهم ذياب وفارس، ابن عمه الشجاع الذي كان يتمتع بسمعة طيبة بين أفراد القبيلة. وبعد وقت ليس بالطويل، وصلوا إلى مشارف وادي الأشباح، المكان الذي تردد اسمه في الحكايات المخيفة.
في الغار المظلم، خرجت الوضحة بحذر، تتفقد محيط الوادي بنظرات حادة تخترق الظلام. حدقت بعينيها القويتين نحو الأسفل، ولاحظت حركة خيول كثيرة تقترب من بعيد. شعرت بقلق ينتابها، الظاهر أن هناك قبيلة أخرى قادمة، وربما كانت تنوي مهاجمتهن. صرخت بصوت عالٍ يحمل تحذيرًا:
"يا شيهانة، جهزي البواريد بسرعة! ترى في فرسان قادمين، الظاهر أنهم ناويين مهاجمتنا."
خرجت الشيهانة على الفور، تحمل بندقيتيهما بيديها الثابتتين. انطلقتا معًا نحو تبة صخرية أعلى الوادي، توفران لهما موقعًا استراتيجيًا للمراقبة والدفاع.
تركتا فرسيهما مربوطين خلف صخرة كبيرة، وتقدمتا بحذر، تختبئان بين الصخور وتصوبان سلاحهن نحو الفرسان القادمين من الأسفل.
"نبدأ؟" سألت الشيهانة بهمس واثق.
أجابت الوضحة بعينين تلمعان بتحدٍ: "عليهم يا الصقره!"
ركزت الشيهانة بصرها على رأس أحد الفرسان الذي يبدو أنه قائدهم، وضغطت على الزناد بهدوء. دوى صوت البندقية في الوادي، وسقط الفارس من على جواده.
في نفس اللحظة، سددت الوضحة رميتها بدقة قاتلة، وأردت فارسَين آخرين قتيلين.
في الوادي، نظر ذياب بدهشة إلى الفرسان الذين سقطوا برصاصتين قاتلتين. رفع نظره بسرعة إلى أعلى التبة، ورأى لمعان بندقية موجهة نحو فارس آخر. أطلق رصاصة سريعة باتجاه مصدر النيران، باتجاه الوضحة.
اتجهت الرصاصة القاتلة نحو الوضحة بسرعة البرق. وفي لحظة حاسمة، قدمت الوضحة رأسها بشكل مفاجئ لتزيح يد الشيهانة التي كانت تستعد لإطلاق النار، لتتلقى الرصاصة في كتفها بدلاً من ذلك.
صرخت الوضحة بألم مكتوم، وعيناها مثبتتان على شيهانة التي اتجهت نحوها بخوف وهلع واضحين على وجهها.
وفي هذه الأثناء الحرجة، وصل بقية الفرسان من جهة أخرى، وتمكنوا من الصعود إلى أعلى التبة، محاصرين الأختين من اتجاهين.
