((٥))

285 36 65
                                        

نزلت الشيهانة والوضحة من السيارة بخطوات ثقيلة هدّها الخوف والبرد والبلل، وبدأوا يمشون ويطردون أثر الشاب، صاعدين الجبل الوعر، والأمطار تزداد بغزارة تضرب الوجوه. صعدوا فوق الجبل والريح تعصف بهم، والتفت الشاب يصيح بصوتٍ جهوري: "امسكوا أنفاسكم، واثبتوا بـالرمل والصخر.. لا تزل قدم أحدٍ منكم ويسقط داخل مجرى السيول!"
بدأت الشيهانة تمشي وتحاول توازن جسدها المهدود، قطع الشاب من فوق جالة السائلة، وتلته الوضحة، أما الشيهانة فكانت تمشي وتثبت نفسها بالوعر.. مير الحمى الخبيثة اللي أصابتها عقب لاهوب حر الصحراء وشقا المسرى بدت تسري بعظامها، وشعرت بدوارٍ شديد وغشاوة على عيونها السود الواسعة من قوة التركيز ومن ثقل الحمى. وفي غفلة من الوقت.. زلقت قدمها على الصخر الأملس، وصرخت صرخة شقّت دوي الرعد وهي تسقط بجوف السائلة الجارفة!
ناظرت الوضحة الموقف، وانصرع عقلها، وصرخت صرخة هزت أركان الخلا.. ما عرفت وش تسوي ولا وين توجّه! كيف في لمحة عين وثانية من الوقت تختفي خيّتها وعزوتها للأبد؟! كيف تفرقهم الدنيا بهالسهولة والقسوة؟! انفتحت عيونها على آخرها، والدموع أخذت مجراها تنهمر مع المطر، وصرخت وتبكي بنواح يقطع جلاميد الصخر:
"شيهانة!.. لا تتركيني يا خيتي! شيهانة لا تروحين للأبد وتخليني وحيدة! أنتِ تعرفين إني مالي غيرج في هالكون وأحتاجج.. لا تتركيني للأيام تقسى عليّ وتكسر ظهري، لا تخليني يتيمة بالخلا مثل ما سووا أمي وأبوي وقفوا عن الدنيا وخلونا!"
جلست الوضحة على ظهر الجبل، طاح حيلها وانصبت على الرمل تبكي منهارة، تندب حظها الشقي، وتصيح بـقهر: وش اللي جابها لهالديرة؟ وتلعن الزمان واليوم الأقشر اللي ما وجدوا فيه السند ولا العزوة، اليوم اللي أصبحوا فيه مشردين تطردهم العربان، مابه معهم أهل ولا ربع. كانت تبكي بكاءً حاراً يقطع القلوب ويهد حيل من سمعه.
أما الشاب، فكان واقفاً يناظرها بشفقة وعيونه تدمع لحالها؛ فـأصعب موقف يمر على الآدمي هو أن يفقد ونيسه وعزوته في لحظة ما كانت بحسبان الفكر. تقرّب منها ونطق بصوتٍ خاشع: "قومي يا بنت الناس.. اجهدي عمرج، المطر زاد والسيل بيرفع جاله."
صرخت الوضحة بنواح يكسر النفس: "كيف أقوم وكيف تبيني أحيا.. والروح والشيهانة راحت ومي معي؟!"
رد الشاب والوجع بقلبه: "يا بنت الأجاويد.. ذا قضاء ربي وقدره، وكل شي في اللوح مكتوب ومقدّر، استغفري واطلبي لها الرحمة."
بدأت الوضحة تشعر بدوارٍ أسود من كثرة البكاء والنواح ومن صداع رأسها والأمطار اللي تصب فوقها، لين غابت عن الوعي بين يدين الشاب..
<< وفي جوف السائلة القاتمة.. الشيهانة >>
بعد ما زلقت قدمها، سقطت بجوف السيل العارم، لتكون الميا ه الهادرة هي المستقبل والمصير.
كانت الشيهانة تصارع الموج وتطلع راسها وتصارخ بقهر: "يا الوضحة!.. يا الوضحة طلّعيني! غرقّت.. رح أختنق!"
مير سيل الوادي كان أقوى من جسدها الغض، وسد فمها الماي وبشرت بالهلاك يوم شعرت بضغط الماء يجرها للقاع، وغابت عن الدنيا في عتمة السيل..
<< وفي قبيلةٍ بعيدة، أول مرة يطأها العلم: قبيلة الشيخ أبو صقر >>
كان أهل القبيلة ورجال الناموس مجتمعين في مضافة الشيخ الكبير "أبو صقر"، والحديث حزتها متمحور عن علوم القبائل والشيوخ والأمطار. رائحة القهوة الشقراء والهيل تعم المكان وترد الروح، وفليحان القهوجي يدور بين الرجال، يقدم الفناجين بوقار ويسكب دلاله.
وفجأة.. انقطع حبل السوالف يوم دخل "صالح بن أبو صالح" راعي القبيلة، وهو يلهث ونبرته مليانة فزع: "يا شيخ!.. الفزعة يا شيخ بارك، أبوي عثر على بنت ملقاة في مرعى القبيلة بأسفل الوادي.. والظاهر إن السيول جرفتها من ديارٍ بعيدة وماتت!"
فز الشيخ أبو صقر من على فروه، وصاح بصوتٍ جهوري: "صقر!"
تقدّم صقر، الشاب الشهم الشجاع اللي كان جالس مع أصحابه بـصدر المجلس، وقال باعتزاز: "أمر يا أبه.. لبيه."
الشيخ أبو صقر: "خل أمك تنادي الحكيمة "أم داود" تجي بعجل لجل تشوف البنت، وناخذ الفرسان لـمطرح قبيلتنا ونشوف وش علمها!"
صقر: "تأمر يا يبه، الحين العلم يوصل."
وبعد دقائق معدودة، حضرت أم داود وهي تحمل صرارها، وقالت بعجلة: "وش العلوم يالشيخ؟ طالبتني في هالساعة؟"
الشيخ أبو صقر وهو يركب جواده: "مو وقت الهرج والحكي الحين.. إذا وصلنا هناك بتشوفين العلم، اسبقينا مع الفرسان لوادي الرعيان!"
صعد الشيخ حصانه الأصيل، ورجال القبيلة صرخوا وسحبوا الرسن، وأسرعوا وهم يتجهون نحو وادي الرعيان يطابقون الأرض.
وأول ما شارفوا الوادي ولمحوا الراعي "أبو صالح" واقفاً عند جالة الماء، نزل الشيخ أبو صقر من على حصانه وقال بحزم: "وش العلوم يا أبو صالح؟ وش شفت؟"
أبو صالح: "مافي إلا الخير يالشيخ.. وأنا أرعى المواشي والبل في طرف الوادي، خرجت بعض الأغنام لنهاية المجرى، رحت أجيبهن وإلا عيني تقع على بنت ملقاة بين الحصى والشجر، والظاهر إن السيول العارمة جرفتها من قاصي الديار."
الشيخ: "الحين تقدمي يا أم داود، وشوفي البنت وعلمينا إن كانت حية ترزق أو إنها فرقت الحياة وراحت لربها."
*(وكاد في عادات القبائل وسنع البدو، ممنوع ومن أكبر العيب إن حدٍ من الرجال يلمس حرمة أو يقرب منها).*
تقدّمت أم داود بخطى خبيرة، ونزلت عند البنت اللي كانت الشيهانة، وجلست على ركبها، ومسكت كفها البارد وقاست النبض عند المعصم.
وقف الشيخ والفرسان يرقبون بعيونٍ قلقة وصامتة، وصاح الشيخ: "اهرجي يا أم داود.. علمينا وش شفتي؟"
التفتت أم داود وقالت براحة تامة: "اطمئن يالشيخ.. البنت لسا حية والنفس يعاودها، والواضح إنها أغمي عليها وهدّها التعب وهي تقاوم السيول وميا ه الوادي."
حمّد الشيخ ربه وقال بوقار: "سبحان الله.. مكتوب لها عمر جديد بالدنيا عقب ما ذاقت الموت."
ثم التفت لرجاله وأمر: "انقلوها لخيمتنا بعجل، وعالجيها يا أم داود بما تعرفين من طب."
أشار الشيخ لأحد الفرسان، فنزل الرجل من على فرسه لجل تصعد عليه أم داود وهي تسند البنت المغشي عليها، وانطلقت الخيول معاً تعود بمسرى سريع إلى مطرح القبيلة.
وأول ما وصلوا الديرة، جمع الشيخ أبو صقر رجال ونساء القبيلة كلهم عند مضافته، ووقف بينهم وصرخ بصوت رجولي خشن يقهر الرجال ويهز الخيام:
"اسمعوا وارتكوا للعلم يا أهل القبيلة!.. اليوم عثرنا بفضل الله على بنتٍ مسكينة بالوادي، والظاهر إن السيول جرفتها لـديارنا. وبما إنها طاحت في قبيلتي ودخلت تحت شاوري وحمايتي، فمن هاليوم تراهي تعتبر بنت من بنات الديرة! ما حدٍ منكم يتهجم عليها بكلمة شينة، ولا يمس عرضها بلفظ، وبتظل عندي في بيتي معززة مكرمة. إن كان ودها تعود لأهلها وعزوتها يوم يطيب حالها، أرسلها مع الفرسان لأهلها، وإن ودها تجلس وتتزبن في القبيلة، فـيا هلا بها ومسهلا. البنت من هاليوم بحسبة بنتي "صقر"، ما حدٍ يغلط عليها أو يلوحها بـبلا!.. تسمعون وش أقول الحين؟! والآن كل واحد يعاود لعمله ومكانه، والعلم الحرمة حرمتكم!"
امتثل الجميع لأمر الشيخ الشهم، وتفرقوا..
<< وفي داخل خيمة "أم صقر" >>
كانت زوجة الشيخ، الحرمة الطيبة "أم صقر"، جالسة عند رأس الشيهانة، تبلل الخرق وتضع الكمادات على جبهتها الحارة لجل تكسر الحمى. وبعد ما راحت أم داود عقب ما أكدت إن حالها زين ومابه كسر، لمحت أم صقر البنت تبدأ تتحرك وتون بصوتٍ واطي، وتفتح عيونها بشويش وتناظر السقف.
فتحت الشيهانة عيونها الكحيلة، ورأسها يكاد ينفجر من شدة الصداع، ولفت بوجها وهي تناظر وجه المرأة الغريبة الجالسة عندها. مسكت رأسها بكفوفها المرتجفة من قوة الألم، ونطقت بهدوء وصوتٍ مبحوح: "من.. من أنتِ؟ وأنا وين؟"
ابتسمت زوجة الشيخ وقالت بنبرة حنونة تطمن الخايف: "أنا أم صقر يا بنتي.. مرت شيخ القبيلة، وأنتِ الحين في أمان وبيت شيوخ."
سرحت الشيهانة، وعيونها غايمة، وقالت بعدم تركيز: "وش أقرب لج أنا؟ وش جابني عندج؟"
ردت أم صقر بقلب الأم: "أنتِ من اليوم وطالع بحسبة بنيتي الغالية، مابه بيننا غيرة."
قالت الشيهانة بصوتٍ ضايع وصداع يهد فكرها: "يعني.. يعني أنا بنتج الحقيقية؟"
ناظرتها مرت الشيخ بتمعن، ولقيت عيونها حايرة وما تدل على معرفة، وعرفت بذكائها البدوي إن البنت صابتها صدمة الماء وفقدت الذاكرة وما عاد تدري وش أولها من تاليها.
سألت الشيهانة بغصة: "أنا.. أنا وش اسمي؟ وش يلقبوني به؟"
فكرت مرت الشيخ لثوانٍ، وارتسمت على شفايفها ابتسامة حنونة وقالت: "أنتِ اسمج.. **ليال**."
وتابعت وهي تنهض لجل تداري الموقف: "الحين أقوم أجيب لج زادٍ وأكل يقوي عظامج ويهدي راسج."
سكتت "ليال" (الشيهانة) وعيونها تناظر الفراغ بحيرة وضياع..
أما مرت الشيخ، فخرجت وعبرت الرواق ودخلت مضافة زوجها بعجلة، ولم يكن في المجلس حزتها غير الشيخ أبو صقر وولده الفارس صقر.
قالت أم صقر ونبرتها فيها علم: "يا الشيخ.. البنت صحت وعاود لها الروح."
تنفّس الشيخ أبو صقر براحة وقال: "الحمد لله اللي أحياها عقب ممات."
تابعت أم صقر بوجل: "مير البلا والمشكلة.. إن البنت صحت وفاقدة الذاكرة والعقل؛ ما تدري من هي، ولا وش ديرتها، ولا حتى وش اسمها!"
سكت الشيخ وعقد حاجبيه يفكر في هالمصيبة، وصد بنظره صوب ولده "صقر" اللي كان جالس بزاوية المجلس، يراقب السالفة بهدوء وعيونه الصقرية تشتعل بـتساؤلات تلوح في المدى..

 رواية/ شبه القمر لفا ديرتنا قصص لتهوسّ بها. اكتشف الآن