<< في ديار الشيخ وهاج >>
وفي مضافة الشيخ وهاج، دار فنجال القهوة ونطق الشيخ بترحيبٍ حار: "وعز الله إن الديرة نورت وأسفرت بوجودكم يا وضاح أنت ودمهان، يا مرحبا بالضيوف."
تبسمت الوضحة من ورا لثامها الأسود وعينها تلمح دهمان اللي يغلي وجالس بجنبها وشوي وينفجر من الضيق، ونطقت تساير الشيخ: "اسمه ياشيخ دهمان، والاسم غني عن التعريف."
هز الشيخ وهاج رأسه بوقار وهو يراقب حركات وضاح (الوضحة المتنكرة)، ولمحت عينه الذكية الوضحة وهي تضع شيئاً بخفاء وتحت الجلسة (المفرش) اللي تجلس عليه، وتيقن الشيخ وتأكد في نفسه إن هالـ ورقة وراها سرٍ كبير وخطير يخفيه وضاح وراه.
نهضت الوضحة تعلن الرحيل، ونطق الشيخ وهاج بثبات وسلوم البدو: "ما تعاودون وتظهرون من القبيلة إلا وقد أخذتم ضيفتكم ووطيتم وليمتكم، حق الضيف قايم."
الوضحة بصوتٍ خشن: "تسلم يالشيخ، وكثر الله خيرك وجاد الله عليك، مير دروبنا طويلة وراها لزوم."
خرجوا ومشى دهمان يجر خطاويه ورا الوضحة وهو يبرطم، واعتلت الوضحة متن فرسها بـ تنهيدة قوية ونطقت بخفوت: "الحين تمام التمام.. شفنا الديرة وعرفنا مداخلها ومخارجها زين، وبإذن الله نغزيها بالليل الحالك، ولا من شاف ولا من درى وتصير السالفة سريعة."
التفت لها دهمان وعيونه تفيض هيام وغزل ونطق غافل عن حقيقتها: "ولك يا وضاح.. شفت الزين والحلا اللي بـ بنات ه الديرة؟ ما قد شفت في حياتي حور عين مثلهن، ذولا مو بشر، ذولا حوريات نازلات من السما!"
نطقت الوضحة في خاطرها وهي تلعنه: (عمى بعيونك الخفيفة أنت وذوقك الخايس الشين!) ومير ابتسمت بسخرية لاذعة على نفسها وهي تقول: (أكيد بـ يشوفهن مزيونات دام وجهي مصبوغ بالأسود ومفلوق كأني قرد!).
## << في ديار الشيخ بارك ♕ >>
أما في مضافة الشيخ بارك، كان الحال يملؤه السخافة والخبل، قناف جالس وممدد رجله المكسورة بطرف المجلس والمجبرة بالجبس، وبجنبه فهد الشايل همه، وبندر جالس يراقبهم ببرود.
التفت قناف بصوتٍ فيه تمسكن صوب فهد ونطق: "إذا ما عليك أمر ولا به كلفة يا فهد.. نفسي اشتهت لحم حمامة بيضاء ناصعة البياض، ويكون شرط عيونها زرقاء صافية!"
رمقه فهد بنظرة سخطة وسخرية لاذعة وقال: "وشعهرها أسود بعد يالمخبول؟! يا أخي اترك عنك الهبل والعباطة وارفض هالعلوم الخايبة، وارفع علومك لـ علوم الرجاجيل السنعين!"
قناف بزعل متمثل: "وايش فيك علامك قلبت وجهك الثاني علي كأنك ذيب؟ أنا مريض الحين ولزوم تداريني."
كان بندر ينظر لسخافتهم وخبالهم اللي ماله حد، ودار في صدره ونفسه: (الحمد لله والشكر على نعمة العقل والرزانة، رجاجيل شكبرهم وعقولهم عقول صبيان!).
عند الهنوف.. كانت جالسةٍ في خدرها والضيق حاشرٍ ضلوعها، وبجنبها نهلة بنت عمها ورفيقة دربها، والسكوت طال بينهن لين التفتت نهلة وعينها تلمع بالحمية ونطقت: "أقول يا بنت العم.. وش رايك اليوم نكسر هالضيق والكدر، ونظهر لـ ديار الوادي نصيد لنا جماري ولا ظباء؟"
ردت الهنوف بابتسامةٍ جفت من كثر التفكير: "عز الله إنها فكرةٍ زينة وتطرد عن النفس همومها وهواجيسها."
فزت نهلة بحماس وقالت: "أجل قومي معي يا بنت الشيوخ، نأخذ بواريدنا ونسري بليا كثر حكي."
الهنوف: "زين، تم العلم."
نهضن الغيد بخطواتٍ خفيفة، وأخذن بواريدهن المجودة، واعتلن متن خيولهن الشامخة، وانطلقن يقصن الأثر والعجاج ثاير وراهن صوب الوادي العشيب.
وصلن للمطرح، ولمحت الهنوف فريسةٍ تلوح من بعيد بين الشجر، رفعت بارودتها بثبات بدوي، وسددت النظر بعينٍ قوية وثورت الرصاصة اللي صابت هدفها بـ مقتل. التفتت الهنوف بفرحة تبي تروح تاخذ صيدها، مير لفت انتباهها "نهلة" اللي كانت واقفة بـ مكانها كأنها جذع نخلة يابس، مذهولة وعيونها جاحظة وشاخصة لـ ورا ظهر الهنوف والدم هرب من وجنتيها.
التفتت الهنوف بريبة ونطقت بلهجة حادة: "وش علامك جامدة يا بنت العم كأنك شفتِ منية الموت؟ علام عيونك طالع لورا ظهري؟"
مير نهلة ما ردت بكلمة، وظلت عيونها شاخصة ومرعوبة وخارجة من محاجرها لـ ورا ظهر الهنوف وجسدها كله ينفض من الخوف.
دارت الهنوف بجسدها ببطء لجل تشوف وش اللي وراها ومرعبٍ بنت عمها بهالشكل، وأول ما شاش نظرها للموقف، جحظت عينها وتجمد الدم بعروقها وطاحت البارودة من يدها وهي تشوف............
<< ♕ في عرب الشيخ أبو ذياب >>
دخل الشيخ أبو ذياب لخيمته بوقاره وهيبته، وشاف بنته "ذهول" جالسة بوقار، وبيدها فنجال دلة القهوة تشرب منه برسل.
تبسم الشيخ وقال بصوته الدافئ: "ما شاء الله تبارك الرحمن، وعز الله ما حد يحب دلة القهوة ويهواها في هالقبيلة كثرك يا بنيتي."
ردت ذهول بابتسامة حياء: "القهوة يا يبه هيلها مير يعدل المزاج ويكفي عن كثر الهرج اللي ماله سنع."
جلس أبو ذهول بجنبها، وتنحنح يبي يفتح السالفة ويدخل بالموضوع السنع: "اسمعي يا ذهول يا بنيتي.. أنتِ ما شاء الله كبرتِ وغديتِ حرمةٍ رزينة، ويزينك زين الحمايل وعفتها، وصرت أشوف الخطاب يقدمون لـ بوابتي من كل حدب وصوب يبون رضاكِ. واليوم يا بنيتي، خطبك مني رجالٍ نشمي وعقيد قوم، وتعرفينه أنتِ زين، ولد أجاويد وأبوه كان من فرسان الديرة وعوارفها المشهود لهم بالحق، وما هقوتي في الولد إلا كل خير وعز ورجولة."
كانت ذهول تسمع مقدمات أبوها والوجل ينهش صمتها، وطأطأت رأسها صوب الأرض من زود الحياء والإحراج، وحسبت في ظنها وخاطرها إن الولد الأجويدي مهوب إلا ابن عمها "فارس" اللي خطب وراها، وما توقعت إنه يتقدم له السالفة بذي السرعة والجرأة.
تبسمت بخفاء وهي تتذكر ذاك اليوم المشهود اللي فزع فيه فارس وضرب "سعد" لجل حشمتها وعرضها، ونطقت في خاطرها: (مستحيل أرفض فارس لو طارت رقاب الرجاجيل، هو سندي وهو رفيقي).
التفت لها أبو ذياب ونطق: "وش قولتك يا ذهول؟ وش شورك بالولد؟"
تمنت ذهول في تلك اللحظة لو إن الأرض تنشق وتبلعها من شدة الخجل، ونطقت بصوتٍ خافت: "الشور شورك، واللي ودك فيه يا يبه يصير ونرضى به، مالي كلام عقب كلامك."
أبو ذياب بابتسامة: "واللي هو ايش يا بنيتي؟ اقطعي بالقول وريحي بالي."
ذهول بحياء شديد: "موافقة."
ونهضت على الفور وثوبها يجر وراها وخرجت من الخيمة تخفي حمار وجنتيها.
أما الشيخ أبو ذياب، فـ أخذ خطواته ودخل ربعة المضافة، وشاف الرجاجيل جالسين يرقبون دخوله وينتظرون الرد والقول الفصل، وخاصة "سعد" اللي كانت عيونه واقفة وشاخصة صوب الشيخ يرتجي العلم ويبي يكسر خشم فارس.
نظر الشيخ لـ سعد ونطق بـ ترحيب وبشاشة: "ألف مبروك يا سعد، البنت جاز لها العلم ووافقت ومالنا عقب شورها شور."
فز سعد من مكانه والفرحة مشاش عيونه، ورسم على وجهه ابتسامة خبث وشماتة أعمى قلبه؛ لأنه حسب في ظنه إنه بهالفعل كسر رأس "ذياب" و"فارس" وحطم هيبتهم وسط العرب وغدا فوقهم. واستغرب في نفسه كيف وافقت ذهول عليه وهي عالمة بعلومه الردية وسوابقه الشينة في الديرة، ومير تبسم بخبث وهو يتخيل كيف بـ ينقهر فارس اللي كان يشوف نفسه فوق العرب كأنهم خدمٍ عنده ويرفع خشمه بالسما. تقدم سعد بـ غطرسة وقبّل رأس الشيخ، والدنيا ما عاد تسعه من كثر الفرحة بتحقيق نصره الأول وتحديه الساخر لـ فارس وعصبته.
وكان "ذياب" (أخو ذهول) جالس بطرف المجلس، يراقب الوضع وعينه تندب الحظ، وحس إن الساعة توقفت في صدره والضيق حشر ضلوعه وعروقه. ما توقع هالشي من أخته ذهول أبداً! كيف توافق على سعد وهي عالمة بـ أفعاله الردية وعلومه الشينة بين القبايل؟! من أول ما تكلم سعد وطلب يدها، ما رضي ذياب يعترض حشمةً لـ مجلس أبيه؛ لأنه كان قاطعاً بالقول ومتأكد إن أخته تبي ترفضه وتثور في وجهه وتطرده. وتيقن ذياب إن السالفة فيها خربطة وغلط كبير، ومستحيل ذهول بكامل عقلها ورزانتها ترضى بهالـ سعد الردي.
خرج ذياب من المضافة وعيونه تقدح شرار والغيض ياكله، ومتجهٍ صوب خيمتها يبي يشوف وش اللي جرى لعقلها، وعسى يرد لها صوابها ويهد جمرها قبل ما تقع الفأس بالرأس وتصير بـ ذمته!
<< ♕ في ديار الشيخ وهاج >>
عقب ما خرجت الوضحة ومعها دهمان وودعوا العرب، انفض المجلس ومشى أهل القبيلة كلٍ لصنعته وحلاله وبوشه، وما بقي في ربعة المضافة سوى "سيف" وأبوه "أبو سيف" والشيخ "هاج" جالسٍ يقلب أفكاره ويهوجس بـ علوم الضيوف.
التفت أبو سيف للشيخ ونطق بنبرة قلقة تارسها الشك: "يا رجال.. وعز الله إن قلبي غدا مهوب مرتاح لهالضيوف اللي لفو ديارنا اليوم، أحس ورا جرتهم وخطاويهم سرٍ وعلمٍ كبير يخفونه عنا."
سيف أيّد أبوه وقال بنبرة جادة: "صادق بـ قولك يا يبه، حتى أنا شفت ذاك الولد الصغير اللي مسمي نفسه وضاح، أحسه يلمح لشي مبهم وغامض حتى بـ قصيده وشعره اللي ساقه قدامنا، ما هوب شعر قيل لجل التسلية."
وجه أبو سيف نظره للشيخ وهاج مستفسراً: "وش اللي فهمته يا شيخ من أبيات شعره؟ أدري إنك قرم وفطين وتصيد الجرة من أولها وما تطوفك السوالف."
تنهد الشيخ أبو وهاج ونطق برزانة وهيبة شيوخ: "كل بيوت شعره كانت تحذير وتنبيه مبطن من غدر الغادرين، أحس ورا ه الصغير سالفة دم أو غزو يبي يلف ديرتنا." ثم التفت لـ ولده سيف وقال بحزم: "قوم أصلحك الله.. شل النظر وجيب المكتوب والورقة اللي لمحت الصغير يحطها بالخفاء تحت الصوفة والمفرش اللي كان جالسٍ عليه قبل قليل."
نهض سيف سريعاً، ورفع طرف الصوفة والمفرش، ولمح ورقة مكتوبة بخط اليد ومطوية بعناية، أخرجها وجابها على الفور للشيخ لجل يشوف علومها ويقرا المكتوب. فتح الشيخ وهاج المكتوب، وبدأ يقرأ الكلام اللي بداخلها بـ تمعن وهدوء:
> ((يا صاحب الشدّه وياعالي القدر احذر من الليل
> ذي فيه الوحوش الطوال تنهش قبيلة عمرها منذ الأزل
> أخاف من غدر الغادرين في ليلةٍ غاب فيها القمر))
>
ولمح الشيخ أسفل الورقة كلمة واحدة منفردة بآخر السطر، وهي كلمة: **((مويلا))**.
التفت أبو سيف ونطق بـ فضول وشوق للعلم: "وش فهمت من ه السطور يالشيخ؟"
فكر الشيخ وهاج برهة ويقلب الحروف برأسه، ونطق بفطنته المعهودة: "شوف.. الوحوش الطوال وكاد إنهم الغزاة والخيالة اللي يبون النهب؛ لأن أكثر الغزو والنهب ما يصير إلا تحت ستار الليل الحالك، والقبيلة المقصودة في كلامه هي قبيلتنا وعربنا."
أبو سيف استغرب ونطق: "بس يالشيخ وهاج.. قبيلتنا مالها عمر طويل في هالديار، حنا انتقلنا وتوطنا بهالمطرح تقريباً قبل 40 سنة بس، مهوب منذ الأزل كمال قال!"
سيف شاركهم الرأي وقال: "يمكن يا يبه هذا مجرد مدح وثناء وشكر للقبيلة وللشيخ، وهالشي قد يقوله أي شاعر يبي يكرم معزبينه ويرفع شأنهم."
الشيخ وهاج: "صادق بـ قولك يا سيف، مير التحذير اللي بالسطور واضح ولا غبار عليه."
سيف بتفكير وعمق: "وكيف يقول: (في ليلةٍ غاب فيها القمر)؟ أعتقد القمر في سمانا ما يغيب ولا يختفي!"
رد الشيخ بذكاء ودراية بحساب الشهور وأيام العرب: "من ناحية غياب القمر.. فالقمر ما يغيب كلياً، بس في نهاية الشهر الهجري يتأخر شروقه في المشرق وما يبين بالليل أوله، وهالشي يفسر غياب القمر وشدة الظلام. بالمختصر.. الظاهر وعلمها عند الكريم إن القبيلة تبي تتعرض لـ غزوٍ جاير في ه الأيام؛ لأننا الحين في أواخر الشهر، والقمر ما يظهر إلا متأخر والظلام دامس والفرصة سانحة للي يبي يغزي. بس اللي عجزت عنه وصعب على فكري الحين هو كلمة (مويلا).. وش معانيها وش علمها بوسط ه السالفة؟"
سيف: "يمكن يقصد قرب الموارد أو ما شابه من مياه العرب ومناهل المي؟"
أبو سيف تنحنح وعدل جلسته وقال: "شوفوا.. بعض أهل الفطنة والذكاء في القبائل يستخدمون في مكاتيبهم السرية المفهوم العكسي والمقلوب لجل ما يصيد علمهم القوم أو الأعداء لو طاحت الورقة بيدهم."
سيف بجدية: "وش ه الكلام والهرج يا يبه؟ كيف مقلوب ومعكوس؟"
نطق الشيخ وهاج بنبرة سادها الحزن والذكرى العميقة: "صادق بـ قولك يا أبو سيف.. تذكرت رفيقي وصديقي الغالي (ضاوي)، كان لما يكتب لي رسالة في لزوم السر يكتب كلماتها بالمقلوب والمعكوس لجل ما يفهمها إلا أنا وهو. تصدقون إني ارتحت لهالوضاح حيل ودخل قلبي؟ أحس في ملامحه ومنطوقه وعيونه شبهٍ كبير من رفيقي ضاوي."
سكت أبو سيف وما رد بكلمة؛ لأنه يدرى بـ كبر معزة ضاوي في قلب الشيخ وهاج وش كثر هادّه فراقه.
قطع سيف حبل مشاعرهم وذكرى الماضي، وجلس يرتب حروف كلمة **((مويلا))** بـ جدية وعينه تدور بالورقة، وفجأة جحظت عيونه وتغير وجهه ونطق بصوتٍ حاد وقوي: "الكلمة مقلوبها يا شيوخ تعني.. **((اليوم))**!"
فز الشيخ وهاج من مكانه وطار النوم من عينه وصاح بصوتٍ جهوري هز الخيمة والديار: "عز الله إذن الغزو الليلة! الليلة يبون يغزوننا القوم! روح يا سيف سريعاً بليا تأخير.. اجمع فرسان ورجال العشيرة كلهم، وخلهم يتجهزون بالبواريد والسلاح على مشارف الديار وفي ريع الوادي، واقصروا علومكم!"
سيف بعزم وقوة بدوية: "تامر يالشيخ.. أبشر بسعدك وفالك طيب، والله ما يشوفون إلا اللي يسرهم!"
