((٢٤))

156 17 76
                                        

في مجلس "أبو سراج"، حيث الدلال تتقافز بـ جوار الوجار، والقهوة تفوح بـ ريحتها اللي تشرح الصدر، ساد صمتٌ ثقيل عقب ما انهت "صفية" سرد قصة "جوهرة". كان الصمت بـ المضافة كأنه سيفٍ مسلول، لا يقطعه إلا خشخشة الجمر بـ الوجار. "ليال" كانت بـ طرف المجلس، ترفع يدها لـ تمسح على صدغها اللي ينبض بـ وجعٍ كأن به مطارق تضرب عظم الجمجمة، وصوت صفية لا يزال يتردد بـ مسامعها كـ صدى الرعد بـ الجبل.
نطقت صفية وهي تضيق عيونها بـ الحزن: "والله يا خيتي إن سيرة خالتي 'جوهرة' تشق الصخر، وتخلي الدمعة بـ عين الرجال صعبة، انظلمت ظلمٍ شيب بـ الرأس بـ ريعان الصبا. ماتت وهي مقهورة، واليوم ذكراها تحرق قلوبنا."
أم صفية كانت تراقب ليال بـ عيونٍ تملؤها الريبة والحنية، وقالت بـ نبرةٍ واطية، كأنها خايفة من حيطان الخيمة: "عسى ما شر يا بنيتي؟ ويش فيك؟ نظراتك من يوم حكينا عن 'ضاوي' و'جوهرة' تغيرت، صرتِ تسرقي النظر للسقف وتتنهدي، يا خوف قلبي من هموم الدنيا ترفعي ضغطك بـ ه اللحظة."
حاولت ليال أن تلملم شتات نفسها، وبـ صوتٍ مخنوق بـ العبرة حاولت تجمل الموقف: "لا بأس يا خالة.. لا بأس، بس القصة هزتني. أنا غريبة عن ه الديار، وما أعرف ذي 'جوهرة' اللي تحكون عنها، يمكن ملامحها مألوفة لي، ويمكن لا.. الذاكرة عندي مثل الضباب بـ ليلةٍ مظلمة."
أبو سراج، اللي كان يهز سبحته بـ وقار، قطع الصمت بـ صوتٍ رخيم: "كيف ما تعرفينها وأنا أبوكِ؟ الروح ترتاح لـ شبيهتها! أنا متأكد بـ قلبي إنكِ غصنٍ من شجرتها، ملامحك هي ملامح جوهرة تماماً، كأنكِ مرسومة بـ ريشتها! والله إن قلبي يشهد إنكِ بضعة منها."
سراج، اللي كان جالس بـ طرف المضافة يلمع خنجره بـ حدة، رمى نظرةٍ حادة وسخريةٍ باردة: "ويش جاب ذي لـ عمتي يبه؟ لا تقعد تتوهم.. ذي حصلها الشيخ 'أبو صقر' بـ مجرى السيلة بعد ما جرفتها سيول الشتاء.. لو لا ستر الله ولطفه، لـ صارت خبراً كان بـ بطن الوادي. لا تربطنا بـ أوهامك."
أم سراج بـ ضيقٍ شديد: "الله سترها، لولا لطف الكريم لـ صارت بـ ذمة الغيب."
ليال وهي تحس بـ نغزاتٍ بـ رأسها كأنها وخز الإبر: "شوفوا.. أنا ما أعرف شي، لما شافني الشيخ وقتها كنت فاقدة الذاكرة، فـ ما أقدر أجزم بـ شي لا أعرفه، ولا أقدر أقول غير اللي أعرفه."
سراج قطع حديثها بـ نبرة آمرة وقاسية، وقام من مكانه وهيبته تملأ المكان: "أقول.. قومي جهزي العشى، تراي جيعان، وما جبتك لـ المجالس تجلسي 'شيخة' بـ مضافتنا! خدامة وكثير عليكِ."
سكتت ليال وهي تسمع صوته الذي بدأ بـ القسوة والأوامر، وتيقنت بـ قرارة نفسها إنه ما تزوجها إلا لـ ينكد عليها ويذلها، فـ عضت على شفتها لـ تخزي الشيطان ونطقت بـ انكسار: "بـ سكنك.. بس دلوني وين الديمة؟"
أم سراج بـ حزن على حالها، أشارت لـ بنتها: "قومي يا صفية، ورّيها وين الديمة وتساعديها."

عقب ما خرجت ليال بـ خطواتها المتهدجة، التفت أبو سراج صوب ولده سراج، ونطق بـ حزم الشيوخ اللي ما يقبل الجدال: "اسمع يا سراج.. أنا متأكد إن ذي البنت لها صلة بـ عمتك، ملامحها هي ملامح جوهرة، فـ احترمها وصنها، وما رح اسمح لك تظلمها أبد.

 رواية/ شبه القمر لفا ديرتنا قصص لتهوسّ بها. اكتشف الآن