اجتمعن حريم القبيلة في خيمة أم الهنوف، والزغاريد تملأ المكان بمناسبة خطوبة الشيخة الهنوف لـولد عمها بندر. كانت "أم بندر" الفرحة مو واسعة قلبها، وكل دقيقة وثانية تطلق زغرودة ترج أركان الخيمة؛ فخراً بأن وحيدها وسيد الرجال أخذ المزيونة شيخة البنات.
أما "أم الهنوف"، فرغم فرحتها بأن بنتها أخذت بندر زينة شباب القبيلة، إلا أن خاطرها كان متكدراً وضيقاً، وهي تشوف الملامح الحزينة والضيق الواضح الجلي على وجه بنتها الهنوف اللي تجامل الحاضرات بـغصة.
لمحتهم "مسعدة"، وبفضولها المعهود حشرت أنفها ونطقت بخبث: "يا حظك الردي يا بندر!.. عروستك الهنوف اللي يشوف وجهها الحين يقول حفروا قبرها وماهي رايحة لعرس! لو إنك جيت وأخذت بنيتنا (ورود) زينة البنات كان أبرك لك!"
فزت أم بندر بردّ لاذع: "الهنوف جميلة حيل وماخذه الزين كله من ساسها، ويزينها زود إنها أخذت بندر سيد الرجال وخيال العبية!"
وقفت أم الهنوف تدافع عن بنتها ونطقت بعزة: "وش اللي يكدّر خاطر بنيتي وهي بنت شيوخ؟! وما يضيق خاطر الهنوف وهي تحت كنف أبوها الشيخ بارك! وما يلبق لبندر غير الهنوف شيخة وأخلاق عالية، ويا حظه يوم صارت من نصيبه."
لكن مسعدة لم تسكت، وقالت بسخرية: "أقول اقصروا الهرج بس.. واضح من ملامح شيختنا الهنوف إنها مغصوبة على هالزواجة والشور مو شورها!"
هنا.. غلت الدماء في عروق الهنوف، وحاولت تتحكم بأعصابها لجل ما تخرب فرحة بيتها، ثم رفعت رأسها الشامخ، وأطلقت أبياتاً شعرية بصوتٍ ناعم حاد كـالسيف:
{بنت الشيــــوخ طول عمرها حـرة أبية}
{ماتنغـــصب وسلاحها يطخ الــــــرديه}
{بنت الدلل والعـــــــز والعنـــــجهيـــه}
كبيـــــــرة القوم فتنـه بطلــتها البهيــــة}
صعقت مسعدة من جزالة الأبيات وقوة هيبة الهنوف، وقصرت هرجها الردي وانطمت عقب ما لجمتها الشيخة قدام الحريم.
<< في قبيلة الشيخ أبو ضاري.. ليلة العهد >>
في ذات الوقت، كان رجال القبائل يتوافدون على مضافة الشيخ أبو ضاري، ووقف الشيخ الكبير ووريثه الشيخ الشاب "ضاري" في المنتصف يستقبلون الوفود والخطوط التي جاءت من كل حدب وصوب، والبعض منهم تعذر لظروفه.
بدأ الفرسان بالسلام والمباركة، وارتفعت الأصوات بـ"المهاجل" والزوامل البدوية العريقة التي تنبض بموروث الأجداد.
رحب الشيخ الكبير بالجميع وصاح: "يا حيا الله بمن لفا ديرتنا وطب مطرحنا! زارتنا البركة وعز الله إنكم أسفرتوا وأنورتوا."
دخلت الوفود إلى المضافة الشرحة، وريحة القهوة العربية الأصيلة بالهيل والزعفران تفوح وتملأ الأرجاء، وسكب مصلح الدلال للجميع. جلس شيوخ القبايل بـوقار الفرسان، وقُدمت لهم الصحون والولايم الكبيرة، وأكرموهم غاية الكرم والسنع.
وعقب العشاء، دارت دلال القهوة مجدداً، وجلسوا يتبادلون العلوم والأخبار، وما خلت الجلسة المهيبة من المساجلات الشعرية. وقف الشيخ الشاب "ضاري" ليرحب بضيوفه، ونطق بأبياتٍ موزونة ترحيباً بكبار القوم:
{يا مرحبا ترحيب من كل نشمي}
من ديرة الضواري لكل الصناديد}
{ترحيبةٍ توفي لكل مقدام}
{هلات ونوّرت العشيرة بـالأجاويد}
{يا الشيخ وهاج صقر الحمى بالحرب ضاري}
{ومزحم شيخ النوارس أسد البراري}
{والشيخ سلطان شيخ الشيوخ وسندنا}
{أشجع شيوخ الجزيرة بيوم الطرادِ}
