<< وفي قبيلة الشيخ أبو ذياب.. >>
كانت بنات القبيلة جالسات عند الغدير يملأن القرب، وكانت "ذهول" شاردة بذهنها، وعيونها على الأفق تتذكر فارس والقصيد والنظرة اللي هزت وجدانها عقب سقوط لثامها.
لمحتها حسناء وقالت بابتسامة: "علامها بنت العم شاردة والفكر غايب؟"
نغزتها بدرية بضحكة: "وش بلاكِ؟ وكاد شاردة بفارس الأحلام اللي خطف قلبها!"
صحت ذهول من هواجيسها، وقالت بعجلة تحاول تداري حرجها: "خبلات أنتن.. وش هالتفكير وهالهرج الردي؟! عقلي وفكري عند أبوي الشيخ. صار لنا أيام وليالي ما نشوفه مثل خلق الله، كل همه وفكره يمسك قطاع الطرق اللي لعبوا بفرساننا."
ردت حسناء بدعاء: "إن شاء الله يقبضون عليهم، ويعم السلام والستر أرجاء الديار."
وفي تلك اللحظة، تقدّم الفتى "سعد" على فرسه لجل يشرب من الغدير، والتفت للبنات وبنبرة خبيثة قال: "إيش علامكن يا زينات الديرة مجتمعات هنيا؟" ثم لدّ بنظره صوب ذهول وتابع بدلال: "خاصة بنت شيخنا.. أشهد إنها مزيونة بالحيل وتاخذ العقل."
فزت ذهول وقالت بنهر: "احشم نفسك يا ولد.. وقصر هروجك الردية ولا توطوط صوبنا!"
سخر سعد وضحك: "أفا.. علم المزيونة هبّ فينا وزعلت!"
ردت حسناء بقوة: "احشم نفسك واحشم العشيرة والقبيلة اللي أنت تاكل من خيرها! ترى لو يدرى الشيخ أبو ذياب بعلومك وسواد وجهك، لا يقصيك ويطردك من الديرة كلها!"
قال سعد بسخرية مريرة: "وليه يطردني؟ وش سويت يا أخت الفارس المغوار.. فارس؟!"
حسناء بعزة نفس: "وش فيك تنطق اسم فارس بسخرية؟! فارس رجال ولد رجال، وما شفنا منه الشينة أبد، بعكس بعض الناس اللي يلحقون ورا الحريم ولا يحشمون عرض ولا ديرة!"
تغير وجه سعد وضاق، وصاح بنبرة قذرة: "اقصري هرجك يا بنت قبل لا أقص لك لسانك ذا! بناتٍ ما شافوا تربية!"
فزت ذهول بصراخ: "بنت عمي مربية وغصباً عنك وقبل تشوف زول وجهك يا الهبيل يا مكسور الناموس!"
سعد بتهديد وعيون تشتعل شر: "وربي لأوريكن النجوم في القايلة.. شي ما قد شفتوه أنتِ وبنت عمك!"
صرخت ذهول بوجهه: "اتقي شر الحليم إذا غضب! تهددنا يا قليل الكرامة ويا مكسور الشيمة؟! مابه فيك ذرة حياء!"
وفي هذه الأثناء.. أقبل الفارس فارس وذيبان (ذياب) على خيولهم عقب ما سمعوا الجلبة.
صاح ذياب ونبرته ترعد: "وش علم أصواتكن واصلة لآخر الديار؟! وش صاير؟" ثم التفت لسعد وقال بغضب: "وأنت يا سعد.. وش مجلسك عند الغدير ومورد الماء وأنت تدري إن المكان فيه حريم وعرض؟!"
سعد بعناد وكبر: "أجلس وين ما ودي وأشتهي، أنت مالك خص فيني ولا لك دخل بـشؤوني!"
تقدّم فارس، والدم غلى في عروقه يوم لمح روعة ذهول وخوف حسناء، وقال بصوتٍ يرعب السباع: "اقصر الهرج يا ردي.. قبل لا أقص لسانك من لغاليغه!"
التفت ذياب لذهول وسألها: "وش فيك يا ذهول؟ وش بلاكِ ترجفين؟"
ذهول بقهر: "مابه إلا هالقليل الحياء.. جاء يتغزل فينا، ولما قلنا له احشم نفسك وقصر لسانك، قام يهدد ويتوعد ويفسخ الحياء!"
هنا.. فار دم فارس الخالص بمجرد فكرة إن هالردي تجرأ وتغزل بـ"ذهول" نور عينه، ونزل من ظهر فرسه مثل السبع الضاري، وهجم على سعد وأنزله عن خيله بطرقة واحدة، وبدأ يضربه بعنف ولكمات متتالية هزت قاعه. نزل ذياب بسرعة وهو يحاول يفرق بينهم ويحجز فارس اللي عمّاه الغضب الشديد، وهو يصيح بصوتٍ جهوري: "أنا أعلمك المرجلة والسنع اللي جيت تظهرها صوب الحريم والعرض يا نذل!"
وبعد جهدٍ جهيد، استطاع ذياب يفرق بينهما، ووقف سعد وهو يلهث وخشم وجهه ينزف دماً غزيراً، وبصوتٍ مليان حقد ونبرة ثقيلة قال: "رح تشوف يا فارس.. والله إن ما أخذت حقي منك وزيادة وبـطريقتي، ما أكون أنا سعد ولد فلان!" ومشى بخطوات ثقيلة يجر أذيال الهزيمة والشر يطير من عيونه.
<< وفي قبيلة الشيخ بارك.. خيمة الهنوف >>
دخل الشيخ بارك خيمة ابنته الهنوف، فرأى الابتسامة الشرحة تشق وجهها عقب ما ظنت إن السالفة انطوت. جلس بالقرب منها، ونطق بنبرة حنونة مكسورة: "اسمعي يا الهنوف يا بنيتي.. وعز الله إنك أغلى من روحي ونور عيوني اللي أشوف به."
فزت الهنوف وقالت: "ما خطاك السوء يا يبه.. لبيه، وش بغيت تهرج فيه؟ أحس إن في جوفك علومٍ وهرج ثقيل."
تنهد أبو الهنوف: "شوفي يا بنيتي.. أنتِ تعرفين إني شيخ قبيلة وعشيرة، وأمشي شوري وكلمتي تهز رجال القبايل كلهم."
الهنوف باعتزاز: "ونعم فيك يا تاجي وأبويا، رجال وشيخ قبايل والكل يهابك."
أبو الهنوف بغصة: "تدرين إني لما بلغت أخوي أبو بندر وولده بندر بعيفتك للزواج وإنك رافضة، كان كبار وشيوخ العشيرة كليتهم مجتمعين بالمضافة، وخلفوني الشور! وحرجوني وقالوا كيف أنت شيخ تمشي كلمتك على قبائل وعربان وما قدرت تمشي كلمتك وشورك على بنتك في بيتك؟! وأنا يا بنيتي انحرجت حرجٍ شديد إني أكسر كلمتي وشيمتي قدام ربعي.. وأعلنت الموافقة رغماً عني."
وتابع وعيونه تترجاها: "ترضيها يا نور عيني ويا الهنوف.. يصير علومي بشينة ويمشي طاريي بالضعف بين العربان؟"
نزلت عبرة من عين الهنوف، مير عزة نفسها وشموخها لأبوها كان أكبر، ونطقت بنبرة حنونة مكسورة: "ما خطاك السوء يا يبه، وعلومك كلها غانمة وزينة ومرفوعة. دامك أنت وافقت وربطت الكلمة قدام الرجال، فـاعتبرني موافقة وطايعة لشورك، حتى لو إني كنت عايفة سيرة الزواج وطريه، مير ما يهون عليّ ولا يرضيني أكسر كلمتك يا تاج راسي قدام العشيرة."
قام الشيخ وعيونه تفيض بالدموع فرحاً، وقبّل رأسها بحنان: "سلمتِ يا بعد عمري وعزوتي، وربي لأكتبن لكِ أجمل عرس تسولف به كل القبايل والعربان!"
خرج الشيخ متهللاً، بينما حاولت الهنوف ترسم ابتسامة كاذبة على وجها لجل ما تشغل تفكير أبوها بشي، رغم إن قلبها من الداخل كان ينزف وميت من الرفض، مير شيمة أبوها هزت رغبتها.
<< وفي قبيلة الشيخ ضاري.. ديرة الضواري >>
كان رجال القبيلة ووجهاؤها مجتمعين في المضافة الكبيرة، ومصلح القهوجي يدور يسكب دلال القهوة الشقراء للرجال.
التفت الشيخ أبو ضاري لولده الشيخ الجديد "ضاري"، وقال: "روح يم المرعى وكلم الراعي مسعود يجهز الذبائح ويسوقها، والحريم أنا كلمت أمك تجهز قدور الوليمة الكبيرة وقلت لها يساعدونها حريم القبيلة كليتهم، وأنت تدري إن اليوم مع العصر بتوافد علينا الوفود والخطوط من مشايخ القبائل، بمناسبة استلامك للمشيخة والختم."
ضاري باعتزاز: "تأمر يا يبه، الحين العلم يخلص."
خرج ضاري ومعه رفيقه جعفر، وتوجهوا صوب مسعود وشيكوا على الذبائح والبل وعادوا للمضافة بوقار.
عند الحريم.. في بيت الشيخ.
قالت أم ضاري: "أقول يا المها."
المها: "لبيه، وش بغيتِ يا يمه؟"
أم ضاري: "روحي أنتِ وروعة وأشجان وليلى صوب الغدير، اجلبن القرب ماء، وكاد إن الماي يخلص الحين مع شغل القدور والطبخ."
قامت البنات بعجلة، كل واحدة سحبت زمزميتها وقربتها وتوجهت صوب الغدير، عَبين الماي وعادوا للمطرح، وبدأ الكل بالعمل بنشاط وهمة عالية كأنهم خلية نحل؛ النساء يتساعدن في تجهيز القدور والوليمة للضيوف، والرجال كل واحد مشغول بعمله وسلاحه لجل استقبال الوفود.
<< وعند الوضحة.. في خيمة أبو شبل >>
كانت الوضحة في ذات اللحظات جالسة بـضيق مع أم شبل (عفراء)، وفجأة سمعت صوت أبو شبل يتحمحم من وراء الرواق وينادي: "يا أم شبل! يا عفراء!"
خرجت عفراء: "أمر يا أبو شبل، وش بغيت؟"
أبو شبل: "مافي إلا كل خير، روحي الحين شيكي على الحلال والغنم في السرحة."
عفراء: "الآن أروح مابه خلاف."
خرجت عفراء وتركت الوضحة بمفردها داخل الخيمة، وكانت الوضحة تشعر بثقل شديد وضيق من بقائها عالة في ذا المكان. أول ما خرجت عفراء وتأكدت إن المكان خالي، قامت الوضحة بتثاقل وهي تجر نفسها، ولمحت البندق (البارودة) المعلقة بالخيمة، تقدمت وسحبتها، وحطت قيمتها وفوقها فلوس واجد من التي كانت معها لما كانوا يشتغلون في قطع الطرق.
ثم التفتت ولمحت ملابس رجالية بدوية، أخذتها وارتدتها بسرعة لتخفي معالم جسدها ولثمت وجها كـالرجال الفرسان، وخرجت تسلل وراء الخيمة. شافت الفرس الأصيل المربوط، فرجعت وحطت قيمته بالمال أيضاً لجل الشبهة والحلال والحرام، واعتلت ظهره بجرأة وثبتت نفسها، وانطلقت به يشق كبد الصحراء اللاهبة، وبداخلها عهد مكتوب بدم قلبها: إنها بتلف القبايل والعربان كلها، عسى ولعل تشوف أختها الشيهانة الحية في ظنها!
<< وفي قبيلة الشيخ أبو صقر.. خيمة الحكيم >>
في تلك الأثناء، قام الرجل المصاب (المرسول) وعاود له الوعي عقب ما أخرج حكيم القبيلة الرصاصة من كتفه وضمد جرحه.
تقدّم منه الشيخ أبو صقر وقال بنبرة جادة: "وش جابك لمرعى قبيلتنا ووادي الرعيان يا رجل؟ ومن أي العربان أنت؟"
رد الرجل بتعب: "ما جيت يا طويل العمر إلا بعلوم الخير والناموس.. الشيخ الكبير "أبو ضاري" أرسلني بمراسيل وخطوط لكل القبايل والشيوخ يستدعيهم للحضور والمباركة."
أبو صقر باستغراب: "وش علوم الشيخ أبو ضاري؟ وليش يستدعي شيوخ العشائر بهالسرعة؟"
المرسول: "مابه إلا ولده الفارس "ضاري"، رجع غانم وسالم من الكلية الحربية بالحاضرة، وأعلنوه اليوم شيخاً رسمياً لقبيلة الضواري وسلموه الختم والمشيخة."
تقدّم صقر وسأل بعقد حاجبين: "دام إنك مرسول ومتوجه لمضافة الشيخ أبو صقر.. وش اللي ودّك ودخّلك لعمق وادي الرعيان بين الشجر؟"
تنهد المرسول وقال بأسف: "والله يا ولد الشيخ.. وأنا متوجه صوب ديرتكم، سمعت صوت طخ رصاص وصيد من بعيد، فـحرفت مسار فرسي وتوجهت باتجاه الصوت عسى ولعل أشوف رجال أو خيال يدلني صوب مطرح القبيلة لجل ما أضيع. وأنا أتقدم خطوات بين الشجر صوب الصوت، ما دريت إلا وطلقة رصاصة عشوائية تطخ فوق كتفي وتطرحني الأرض بدمي!"
