((١٣))

163 22 62
                                        

انتبه لهم رجالٍ من قروم القبيلة، وأقبل صوب المارد بخطواتٍ رزينة، وصاح يرحب فيهم قبل يوصلهم: "يا حيا الله بالضيوف الأجاويد.. يا حيا الله بوجيه الخير.. اقلطوا!"
صاحت الوضحة بصوتٍ جهوري خشنته حيل لجل ما يبان وراها علم: "الله يحييك ويبقيك يا راعي المحل، ويديم عزكم!"
الرجال بابتسامة وبشاشة وجه: "هلت وأنورت الديرة بكم يا ضيوف الرحمن، يامرحبا الساع."
دهمان: "مهليةٍ بوجيه رجالها وأهل الكرم."
الرجال: "اقلطوا لربعة مجلس الشيخ، الدلال تقلب على المشب، والوجيه مسفرة لابتغاء علومكم."
أشارت الوضحة لدهمان بعينها يخدم القول ويقدم، ودخلوا مضافة الشيخ وهاج.
كان المجلس مليان بروايح الهيل والعود الأزرق، والشيخ وهاج جالسٍ بالصدر بوقاره وبشته، وأول ما نظر الوجيه الغريبة، نهض على حيله يهلي ويرحب بالضيوف ويثني لهم التحية. جلسوا بالربعة، وأقبل القهوجي يسوق الفناجيل باليمين، يثنيها ويمدها بوقار. مد يده للوضحة، فأخذت الفنجال ودارت في خاطرها حيرة تزلزل الصدر: (كيف بتشربين يا وضحة وأنتِ ملثمة باللثام والشال غاطي ملامحك؟ إن كان الخبلان دهمان وشعلان ما عرفوا وراك، هالقروم رجاجيل الشيخ وهاج ذيابٍ بيصيدون جرتك وعلمك علم لو انفك الشال!)
ولمحها واحد من عوارف الديرة ورجاجيلها الجالسين بالصدر، رمقها بنظرة حادة ونطق مستغرب: "علامك يا ولد الأجاويد؟ أراك جالسٍ بالفنجال وما فكيت لثام الشال عن وجهك؟ حنا بالمجلس وأنت بين أخوانك وماله لزوم الحذر والغطا."
تبسمت الوضحة من تحت شالها بحنكة، وفكت الثمة برفق وهي تقول في خاطرها: (عز الله إنها سواد وجه لو دروا، مير مالي غير أرسم ملامح الرجاجيل وأمشي مع السيل). أول ما فكت الشال وبانت علوم وجهها، نظرها الرجال بانتقاد وعقد حاجبيه وقال بنبرة لائمة: "وش علامك يالخوي.. أرى ملامحك غضة وبليا شنب؟ وين خط عارضك ومربى رجولتك؟"
تمنت الوضحة في صدرها الموت له وقالت: (ليتك تبكم وتنكتم وتكفينا سخف هرجك اللي ماله سنع)، وطمأنت راسها بالأرض كأنها مستحية، مير فزع لها دهمان مرقعاً السالفة وقال: "ترى الولد توه غضٍ وصغير السن، ما خط الشارب بوجهه ولا قست عظامة." سكت الرجال على فور صياحه يوم جته نظرة زجر حادة من الشيخ وهاج، كأنه يقول له: (اقصر الهرج، عيب تنتقد الضيف في ربعتي).
ودار الهرج بين الرجاجيل في علوم العرب وشداد الأرض وحال الحيا والمطر، لين استوت السالفة وطاب المجلس، ونطقت الوضحة بصوتٍ حازم وخشن هز أركان المضافة: "أقول.."
الكل بالربع التفتوا ورا صوتها وردوا بوقار: "قول.. سم وعلا شانك!"
تنحنحت الوضحة، وساق لسانها قصيدها الموزون ذو القوافي الحادة:
من صقر عرفت علـــــــوم الجزيـــــــــــــره
المختصر بجيب  المستجدات الاخيره
لاتأمن الناس ولو لك في دخل قلوبهم ديره
اخاف ياشديد البــــــأس من اقذر الجناس
تسقيك لضاء جهنم وترويــــــك سعـــيره
ما كل كل الناس معـــــدن ذهــب والماس
بعض البــــشر يناس لا رجوله ولا  غيره
اوصيك يامقـــــدم يافارس  الفرســــان
تحذر من الامطار ومـياههــــا الغزيره
كن كما الربان يعــــرف مدى الطوفان
قلبه  على كل حــمل داخل السفينه
اعرف مدى الانسان من حركت السان.
عمر الكلام حنبه  وصمت فيه الف خيره
اوصيك ياثار ياحــــــــــــر يمنــــــاضل
كون كما البحر خرجه ساحل ودخله  لولو ومرجان
يعمل كما  الميزان مايقبل الانسان يستبدله بمسمار
وهذي العلوم المثيره
أول ما قفلت بيت القصيد، ضجت المضافة بصوتٍ واحد زلزل العمدان: "صح لسانك وعلا شانك يا ولد الحمايل! أشهد إنك قرم ولد قرم."
وابتسم الشيخ وهاج من كل خاطره، وعجبه منطوقها الرزين، فرد عليها بهالبيتين على الفور:
سبحان ذي أعطاك وأنعم بمن رباك
ياجيد من أجاويد العرب وذخر كل ديره
<< في ديار الشيخ بارك >>
وفي الجانب الآخر من الديار، كان هذا اليوم الموعود والمشهود.. يوم كتب كتاب الغيد "الهنوف" وملكتها على ابن عمها "بندر".
حريم العشيرة كلهن التمن من كل حدب وصوب ببيت الشيخ، والزغاريد تملا المكان. وكانت الهنوف قد تهيأت بلبسها البدوي العريق المخيط بالزري المذهب، تكسوها الهيبة، وعلى راسها عصابة الفضة وثقل الحلي التراثية. تمكيجت بوقار ملامح البدو، وأخذت المرود ودعجت عيونها بالكحل العربي الأسيل اللي زاد عيونها اتساعاً وحسناً.
تبسمت برقة يوم انفتح باب الخدر، ودخلت أمها تلوح بثوبها وتزغرد وتهلهل بالفرح والتباشير، وفي خاطر الأم دعوة صادقة تكررها: (بسم الله عليها الرحمن الرحيم، ربي يكفيها شر حاسدٍ ونظرة عين، بنتٍ تأخذ العقل واللب بممشاها!).
أم الهنوف وعينها تدمع فرح: "ياالله يا بنيتي، دام إنك كملتي زينك وحلاك، تعالي نجلس مع حريم الديرة السامعات لعلوم الفرح."
مشت الهنوف وخطواتها تفيض رقة وثقة، ودخلت مجلس الحريم وشافت التباشير والبهجة في وجيههن، وجلست بوقار بجانب بنت عمها ورفيقة دربها "نهلة".
نهلة بغمزة وهمس: "أقول.. وش ه الزين الشامخ والإشراق يابنت العم؟ عز الله بندر بيموت في دبايبك."
الهنوف بحياء بدوي أصيل: "تسلمين يابنت الحمايل، الزين منبعك وأصلك."
وفجأة، تراجعت الحريم خطوة يوم دخلت أم الهنوف وبيدها دفت الحبر وورقة وثيقة الزواج الشرعية بعد ما وقعوا الرجاجيل برع. مدت الأم الوثيقة، فأخذتها نهلة ببهجة ومسكت كف الهنوف ووضعت إبهامها بالدواة وبصمت الهنوف على كتاب زوجها، وعلت أصوات الغطارف (الزغاريد) تهز البيت، والأم تلهج بالدعاء أن يوفقها الكريم ويجعل دربها سمحاً.
أما عند الرجال في ربعة المجلس الكبير، فقد تم العقد الشرعي ووقع الشيخ والكتاب، وقاموا رجاجيل القبيلة يباركون لبندر بضرب البارود ويهنئونه، ما عدا "قناف" اللي كان ممتدٍ بطرف الخيمة وعينه تفيض قهر، ورجله مكسورة ومجبرة بسبايب طراد الناقة وهباله!
وعقاباً له هو وفهد على الخبل والفضائح اللي صارت قدام حلال العرب، أمرهم الشيخ بارك بحزم أن فهد ما يفارق قناف قيد شبر، ويقعد على خدمته رغماً عن انفه ويلبي كل ما يطرأ على باله من شروط.
وكانوا الرجاجيل الجالسين بالوسط يسمعون نجير دلال القهوة ويخالطه صياح قناف ونقاشه الغثيث: "فهد.. يا فهد! تعال لمتني الحين."
فهد في خاطره وده يمسك قناف ويرميه بوسط الربع الخالي ل لضواري والضباع من كثر ما غثه بشروطه من الصبح: "أمر وش تبي ياقناف؟ اخلص علينا وقصر حسك."
رفع قناف رجله المجبرة وقال بدلع مستفز: "ماغير رجلي أحس إن وجعها ساطي وتاكلني حيل، قلت أنادي فهد عسى يحط رجلي فوق كتفه وظهره، يمكن ترتاح من قساوة الأرض!"
فهد بغضب ووجهه محمر كالدم: "يا خوي اقطع هرجك الخايب هذا قبل ما أقطع رجلك الثانية اللي أشغلتنا بها وخلتنا حكاية مضحكة بين القبايل!"
قناف ببرود: "علامك هبيت فيني كأنك ذيب؟ خلاص دام هرجي ما جاز لك، نفسي ب فنجال قهوة دافية، تعال اسقني بيدك الحين."
فهد بسخرية لاذعة: "ليه يا قليل الحيا والسنع؟ وأنت كل يوم تشرب برجلك؟ وين يديك الممدودة؟"
وهنا صاح الشيخ بارك بصوتٍ عالي زجر فهد: "فهد! نفذ هرج خويك بليا اعتراض واقصر الكلام، السنع سنع!"
سكت فهد كاظماً غيظه، وتقدم وجلس بجنب قناف ورفع الفنجال يسقيه، وفي خاطره: (جعله سّم وحريقٍ ببطنك يا نذل)، وبندر جالسٍ يرقب خبالهم وميتٍ عليهم من الضحك والشماتة.
التفت أبو بندر للشيخ بارك ونطق بصوته الجهوري قاطعاً الضحك: "دام إنه تم العقد وبصمت البنت بحمد الله، بعد إذنك يا خوي، ودنا نستعجل بعرس الولد بليا تمطيط وأيام مالها لزوم."
الشيخ بارك برزانة: "الشُّور الأول والأخير لبنت العرب والهنوف، قم يا بندر، ادخل على بنت عمك في خدرها وشوف وش في خاطرها واتفقوا على حراوي الزواج وميعاده."
أبو بندر: "عز الله هذا الهرج السنع والمنطق يا خوي."
قام الشيخ بارك وأشار لبندر، ولحق بندر ورا عمه والتوتر ينهش ضلوعه لين وصلوا لطرف خيمة الحريم المعزولة. وقف عمه وقال: "ادخل لهذي الخيمة واقعد، وأنا الحين أنادي لك البنت تدخل عليك."
دخل بندر والتوتر هادٍ حيله، يقدم خطوة ويؤخر خطوة، وفي خاطر صدره حيرة تنهش قلبه: (وش بلاه سبب رفضها لي من البداية وهل هي مجبورة علي؟). رفع نظره فجأة ويشوف عمه دخل وتاليتها دخلت وراه الهنوف، بنتٍ تخطت الزين بمسافات، تضيع علوم الراس بـ طولها وعيونها المدعوجة بحور الصفا. تبسم بندر تلقائي بدون شعور ونطق: "السلام عليكم ورحمة الله."
ردت السلام بصوتٍ خافت ونبرة ثقة وجلست بالطرف الثاني من الخيمة بجنب أبوها.
أبو الهنوف بابتسامة: "أترككم الحين تتفقون على علومكم." وخرج وخلاهم بروحهم.
تنحنح بندر يحاول يجمع شتات نفسه وقال: "شلونك يابنت العم؟ وش علومك وعلوم ديارك؟"
الهنوف وعينها ثابتة بالأرض بحياء: "الحمد لله بخير ونعمة من الكريم، أنت وش علومك؟"
بندر: "الحمد لله على قضاؤه.. يابنت العم، ودنا الزواج وميعاد الدخول يكون بعد شهر من الحين، وش قلتِ؟"
رفعت الهنوف راسها بعز وكبرياء ونظرت في عينه مباشرة بدون خوف: "ومن قال إني بوافق على ه الكلام المبتور؟ أنا بليا سنة كاملة تمر ما أرضى يفتح لي بيت ولا أدخل بدارك!"
شاش غضب بندر من عنادها وتحكمها ونطق بنبرة حادة: "بعد شهر يعني بعد شهر! وبنشوف الحين شوري اللي يمشي في هالديار وإلا شورك يابنت الحمايل!"
الهنوف بهدوء وثقة قاتلة غاظته زيادة: "اسمع يا ولد العم، حنا الحين بـ بر الأمان وطرف السلم وما دخلنا الغميق، ودك تكمل وتتحمل شروطي وعقلي ورغبتي، كان بها.. ما ودك، طلقني الحين وكلٍ يروح في حال سبيله والأرض واسعة!"
صاح بندر وهو قايم والشرار ينقز من عينه والدم فار بعروقه: "أطلق؟ ورب الكعبة بليا طلاق! وما يكون الدخول والزواج إلا بعد شهر ورأسك مرفوع!"
خرج من الخيمة وهو يخطو بغضب، بينما سمع صوتها الهادئ من ورا الرواق وهي تقول بروقان وثقة: "بنشوف يا ولد العم.. الأيام بيننا والدروب تبي تظهر السنع."

 رواية/ شبه القمر لفا ديرتنا قصص لتهوسّ بها. اكتشف الآن