كانَ الوقتُ في بداية الليل والساعة قد قاربت السادسة والنصف، لتبدأ المدينة بالدخول في سُباتها البطيء
كان الشارعُ خاليًا إلا من بقايا ضوء خافت يتسلل من أعمدة الإنارة، يتراقص فوق الأسفلت الرطب من أثر مطر خفيفٍ مضى نهار اليوم
في زاوية معتمة من أحد الأزقة الجانبية، توقّفت سيارة آرثر بالقرب من شقته، كانت مركونة بمحاذاة جدار قديم، تتنفس الصمت كأنها جزء من المشهد لا يُلاحظ
الهواء بارد يحمل في طياته رائحة تراب مبتل وشيئًا من القلق، بينما ينعكس ضوء القمر على سطح السيارة المعدني، فيرسم لمعة باهتة على هيكلها الأسود
حينها كل شيء حول آرثر كان ساكنًا،
لكن داخله... لم يكن كذلك
وقف بجانب سيارته، يتفقد شيئًا على هاتفه قبلَ دخوله لشقته الخالية من خطيبته صوفيا التي يأست سابقًا من رجوعه مبكرًا، ثمّ ظهر كريس من الزاوية بخطواته الهادئة و بنظراته الثابتة
"مساء الخير، آرثر"
التفت آرثر ببطءٍ لناحيته، لم يتفاجأ، لكنه لم يبدُ مرتاحًا أيضًا رغمَ قربه منه
"كريس؟ ظننتك في إجازة فلمَ ترتدي بدلةَ التحقيق؟ ظننتكَ نسيت طيّها مع بقية أوهامك"
قالَ ساخرًا وهو يراقبُه بينما يسيرُ بسيرٍ وئيدٍ منه ليبتسم كريس بعدها دونَ هضمه
"وأنا ظننتك أكثر حذرًا، لكن يبدو أننا كلانا كنا مخطئين"
سكت آرثر للحظة، ثم قال وهو يضع الهاتف في جيبه
"جئت لتسألني سؤالًا؟ أم لتستجوبني خارج الأوقات الرسمية؟"
اقترب منه كريس حتى أصبح على بعد خطوتين فقط
"حسنًا، لن أراوغ بالحديث هذه المرة، رأيتك آرثر... في تسجيل الكاميرا قرب عمارة روز، الساعة 11:42 مساءً بينما كنت تقف بجانب صندوق الكهرباء... ثم فجأة، الكاميرا توقفت"
قالَ دونَ أن يدلي بالتفاصيلِ أكثر تاركًا له نهايةً مفتوحة ليكملها عنه
زمّ آرثر شفتيه، ثم قال بصوت هادئ
"التسجيلات لا تُظهر كل شيء، كريس"
ضحكَ حينها كريس بخفة ليتكئ على سيّارته
"بل تُظهر ما يكفي، أنت كنت هناك قبل أقل من نصف ساعة من وقوع الجريمة، بالضبط عندما انتهيت من تحذيري، أوليسَ من الأولى بأن تأخذ حذرك؟"
دار الصمت لثوانٍ دونَ ردٍّ سوى تلك النظرات المتبادلة بينهما بطريقةٍ مباشرة ليسألَ كريس
"ما تفسيرك؟"
أخذ آرثر نفسًا عميقًا بعدَ أن شعرَ بأنّه في مأزق، كانَ ليستعدّ بكذبةٍ مسبقة لو أنّه علمَ بالأمر إلّا أنّه فاجأه على بغتةٍ منه
"ربّما لأنّني لستُ بإجازةٍ كما أنت؟"
سألَ بتكشيرةٍ محاولًا الهربَ منه وإنهاءِ نقاشه
إلّا أن كريس عاودَ سؤاله
"دون أمر مهمة؟ دون إشعار لأي أحد؟"
لم يكُن آرثر ليجيبه بل اكتفى بالحملقةِ به بعدَ أن أقرّ بأن أمره قد كُشف تمامًا ولكنّه واصل تبرير كذبته
"تعلمُ بأن الأوامرِ تُرسل أحيانًا بشكل عاجل، ولا كل شيء يُوثّق"
كريس أخرج من جيبه صورة مطبوعة من لقطة الكاميرا، ورفعها أمام وجه آرثر ليتّضح له بأنّه قد تأهّب لكلّ شيء
"هذه اللحظة قبل دقيقة واحدة من انقطاع البث، يدك كانت على القاطع"
أخذ آرثر الصورة منه ببطء، نظر إليها، ثم نظر إلى كريس مرتديًا قناعَ البرود
"ربما كان خللًا... وربما كان خطأ مني، لا أكثر"
اقترب كريس خطوة أخرى، صوته أصبح أكثر انخفاضًا محاولًا تمالك غضبه بعدَ أن رأى جانبًا لم يكن يتوقّعه من آرثر
"هل كانت روز هدفًا؟ هل كنت تغطي على أحدهم أو... هل كنت تختبر من يراقب من؟"
توتّرت عضلات وجه آرثر للحظة، ثم تنهد وقال
"كريس... أنت تمشي على حبل رفيع جدًا، وأنا لا أحب الأسئلة التي تحمل نبرة اتهام مبكر من قبلِ صديقٍ مقرّب"
"وأنا لا أحب المنافقَ الذي يختبئ خلف الشاشات ثم يظهر فجأة في أكثر الأماكن حساسية"
قالَ كريس بعد أن صرّ على أسنانه غضبًا وقبضَ بيده محاولًا تمالك أعصابه
شعرَ بالندم حينها على تلبيةِ أوامر آرثر بالهرب من مكانِ الجريمة الذي كان من المفترض بأن يحصدَ فيه أكبر عددٍ من الأدلة
سادت لحظة صمت ثقيل بينهما، ثم قال آرثر
"إن كنت تشك بي، واجهني رسميًا، لكن إن كنت تلوّح بشيء... فتأكد أولًا أنك قادر على تحمّل نتائجه"
استدار بعدها ليركب سيارته عوضًا عن دخولِه لشقّته وكأنّه ليس في موقفٍ ليتحمل السكون فيه، وكريس بقي واقفًا يراقب انعكاسه في زجاج النافذة قبل أن تُغلق عليه بهدوء
يعلمُ جيدًا أن هناك شيء خاطئ... ولكنه لم يكن يملك الدليل بعد وهذا ما أشعره بالعجز التام ليخيّل له بأنه داخلَ قفص
أنت تقرأ
ضحايا هيلتون
Mystery / Thrillerلم يكن هيلتون ضحيّةً يومًا، ولم يكن بريئًا، بل كان أشد استحقاقًا لما حدث، إن أعدنا تسوية الأمور بإنصافٍ أكثر لوجدنا بأننا الضحايا هنا.. أجل! فنحن ضحايا هيلتون
