عودة

7 0 0
                                        


رائحة الخريف كانت لا تزال عالقة في هواء الجامعة، تمسّدت بين المباني القديمة والأشجار التي بدأت أوراقها تتساقط خلسة، كما تساقطت أشياء كثيرة من حياة فيوليت في الأسابيع الأخيرة

ما كان يومًا عالمًا تدور فيه كما تشاء، صار الآن مسرحًا لحذرها وتوجّسها، وأحيانًا... لمشاعر غريبة لا تعترف بها حتى لنفسها

كانت عودتها إلى كلية الحقوق حديث الممرات، الكل يرمقها، بعضهم بابتسامة حذرة، وآخرون بتساؤل مكتوم عن سبب اختفائها لكل تلك المدة، لكن فيوليت لم تهتم كثيرًا فقد كانت غارقةً بمشاكل أكبر من تلك

رفعت رأسها، مشَت بخطى هادئة، وكل خطوة منها تحمل بقايا كبرياء تحاول تثبيته رغم ما انكسر داخليًا، وحدها تعلم أنها بلا مأوى حقيقي الآن، تعيش على هامش شقة مؤقتة، وتخفي إفلاس والدها وكأنها تخفي مرضًا خبيثًا

لكن كل هذا لا يغيّر شيئًا، هي فيوليت، ولا ينبغي لأحد أن يظن العكس

دخلت قاعة المحاضرة متأخرة قليلاً كما العادة، عيناها تلقائيًا التقطت ذلك الظهر المنحني على الطاولة، صاحب الخط المستقيم في دفاتره، والنظرة الحادة التي لم تعد تخشاها، ليام

كان يجلس في مقعده المعتاد، كالعادة في الصف الثاني من اليمين، منكمشًا في ذاته، يحاول أن يبدو كمن لا يرى شيئًا حوله، لم يلتفت، لم يرمقها، كأنها لم تكن موجودة قط

لكنها لم تنزعج ..

جلست خلفه بمقعد واحد، فتحت دفترًا فارغًا، وبدأت ترسم خطوطًا لا تعني شيئًا لتغرق في هواجيسٍ لا نهاية لها ولمّا انتهت المحاضرة، جمعت دفاترها بهدوء، ثم تقدّمت نحوه

"ليام"
نطقت اسمه بثقة، كما لو أن شيئًا لم يتغير بينهما على الرغم من أنه يتصرف على العكس من ذلك

لم يجبها، بل استمرّ في إغلاق حقيبته ببطء ليتجاهلها عن عمد ويحاول الهرب منها على الرغم من أنّه سيلتقي بها في شقته لاحقًا لا محالة

قالت بلهجة خفيفة، تحمل نوعًا من الادعاء بالاهتمام
"كنت أراجع ملاحظات الدرس، هناك بعض الأمور التي لم أفهمها، وأعتقد أنك ستكون الشخص الأنسب لشرحها لي"

رفع رأسه، التقت عيناه بعينيها، للحظة فقط، ثم أعاد النظر إلى حقيبته ليقول بهدوء
"لا أعتقد أنني متفرّغ لذلك، كما أن الامتحان بعد أربعة أيامٍ فحسب، أحتاج للتركيز على ما فاتني"

ضحكت بسخرية خفيفة بينما تداعب خصلاتِ شعرها كما تفعل عادة جراء توترها
"ألم تكن من أولئك الذين يساعدون زملاءهم دومًا؟ أم أنّك تغيّرت أنت أيضًا؟"

قال دون أن يبتسم
"تغيّرت الأمور، نعم"

أرادت أن تستفزه، أن تضعه في موقع الدفاع، أن تستعيد تلك السيطرة القديمة، لكنها لم تجد سوى جدار من البرود لا يمكن تسلقه

كانت قد احتفلت معه البارحة بيومِ ميلاده واليوم يتجاهلها ببساطة ليعيد رسم خطه الأحمر الذي لطالما كان حاجزًا بينه وبينها

تقدّمت خطوة أخرى، قالت وكأن الأمر مفروغ منه
"على أي حال، سنعود في نفس السيارة، أليس كذلك؟ شقتك على الطريق، وأنا..."

قاطعها فورًا خوفًا من أن يسمعهم أحدٌ من الطلبة الموجودين، فقد بدأ له أمر مبيتها عنده سريًا على عكسها
"لن أعود مباشرة، لديّ ما أفعله"
كذبة واضحة، لكن نبرته لم تكن قابلة للنقاش كما أسلوبه الجاف

سكتت، للحظة بدا أنها ستردّ، لكنها لم تفعل، حاولت أن تُظهر الاستهزاء في نظرتها، لكنها لم تكن مقنعة كعادتها

قالت بصوت منخفض، أقرب للتمتمة
"لا داعي لهذا الجفاء، لم أعد تلك الطفلة التي تعاند الجميع من أجل أن تشعر بالسلطة"
قالت محاولةً التعبير عن ندمها لما فعلت له سابقًا دون أن تعتذر منه

لم يعلّق حينها وفقط أغلق حقيبته، وقف، واستدار ليغادر

وقبل أن يخطو، توقّف للحظة، دون أن يلتفت، قال بصوت هادئ لكنه بارد قبل أن يغادر المكان
"لم أعد ذلك الفتى الذي يسمح لكِ أن تكوني فوق الجميع"

في الخارج، كان الهواء بارداً، لكنّ ليام لم يشعر بشيء، عقله كان مشغولاً بأمرٍ لا يريد الاعتراف به

فيوليت قد تغيّرت عليه، شيء فيها لم يعد كما كان، وبرغم كل ما فعلته، وكل ما قالته ذات يوم... لم يعد يكرهها كما كان يفعل

لكنه لن يسمح لها بالدخول من جديد، كلّا! ليس بهذه السهولة

ضحايا هيلتونقصص لتهوسّ بها. اكتشف الآن