كانت السماء ملبّدة، والهواء مشبعًا برطوبة متعبة حين وصلت مارينا إلى الحي الغربي، حيث تتزاحم الحانات والمقاهي ذات الطابع الليلي
أضواء النيون تنعكس على الأرصفة المبللة، والناس يأتون ويذهبون كأنهم شخصيات في مسرح لا أحد يعرف نهايته
وقفت أمام حانة كبيرة مكتضّة "ذا هافن"، ملك إيثان براون، للمرة الثانية كما فعلت سابقًا حيثُ التقت بكريس لأول مرة
دخلت بثقة محسوبة، عيناها تتجولان في المكان وكأنها تقيّمه لا تزوره، اختارت مقعدًا على طرف البار، وطلبت مشروبًا هادئًا لا يلفت الانتباه
لم تكن في مزاج للشرب، ولكنّها كانت في حاجة لتبدو طبيعية أو على الأقل، كما تتخيل الطبيعي في عالم ايثان المقلوب
لم تمضِ سوى دقائق حتى شعرت بوجوده، لا حاجة لأن تنظر، بسبب أن الحضور ذاته يخبرها أن إيثان رآها الآن
اقترب بخطى هادئة دون استعجال ثمّ جلس إلى جانبها، و دون أن يطلب إذنًا، كأن المكان يخصه... وهو فعلاً كذلك
قال بصوت يحمل ابتسامة باهتة
"أتكررين اللقاءات مارينا؟ أم أنني من يجذبك بالمصادفة؟"
رفعت عينيها نحوه ببرود مدروس
"لست من محبّي التكرار، لكن يبدو أن الأماكن قد أصبحت تضيق"
ضحك بخفّة، ثم أمال رأسه قليلاً
"ظننت أنكِ تفضلين الأماكن الأكثر... تحفظًا، كالنادي مثلاً حيث التقيتك قبل يومين"
تضايقت للحظة من تذكيره لها بأنّ أمرها قد كشف تمامًا لتنفعل، لكنه لم يمنحها فرصة الرد
"لكنّي أعترف بأنّ مفاجأتك المتكررة أصبحت محبّبة"
ثم نظر إلى ساقيها و إلى الكأس أمامها
"هل أزعجك إن جلست؟ أم أنك تفضّلين المراقبة من بعيد؟"
بدأ لها وكأنّه يتصرف بطريقةٍ تنافي شخصيته تمامًا، بدأ أكثر لطفًا، و لم تكن لتجب على سؤاله ولكنها قالت بحدة خفيفة
"ماذا عنك؟ أما زلتَ تدور في حلقتك الضيقة؟ صباحًا في النادي، و ليلًا في الحانة؟"
حرّكت شعرها الأسود الطويل على كتفها بخفة لتسدله من جديد وبدت عيناها السوداوان الواسعتان تلمعان بسخرية ناعمة
رفع إيثان نظره ببطء، عضلات ذراعيه المشدودة تنعكس على ضوء المصباح، ووجهه الحنطي تظلّله لحية سوداء مهذبة بينما حدّة عينيه لم تخفت، ولا حاجباه الكثيفان أخفيا الضيق الذي مرّ سريعًا في ملامحه
"على الأقل، الأماكن لا تخون"
ضحكت، تلك الضحكة القصيرة التي لا تحمل مرحًا ثمّ راوغت بتلميحاتها
"لكن من قال إنك لا تخونها أنت؟ أو أنك تهرب من شيء، أو من أحد؟"
أنت تقرأ
ضحايا هيلتون
Mystère / Thrillerلم يكن هيلتون ضحيّةً يومًا، ولم يكن بريئًا، بل كان أشد استحقاقًا لما حدث، إن أعدنا تسوية الأمور بإنصافٍ أكثر لوجدنا بأننا الضحايا هنا.. أجل! فنحن ضحايا هيلتون
