70

407 41 10
                                        

لا أستطيع أن أكتب عن دمشق، دون أن يعرّش الياسمين على أصابعي. ولا أستطيع أن أنطق اسمها، دون أن يكتظَّ فمي بعصير المشمش والرمان، والتوت، والسفرجل. ولا أستطيع أن أتذكرها، دون أن تحط على جدار ذاكرتي ألف حمامة .. وتطير ألف حمامة.. أنا مسكون بدمشق، حتى حين لا أسكنها  لا تطلبوا مني أوراقي الثبوتية.  فأنا محصول دمشقي مئة بالمئة.. كما الحنطة، والخوخ، والرمان، والجانرك , واللوز الأخضر في بساتين الغوطة. سافرت كثيراً.. حتى وصلت الى حائط الصين العظيم . ولكن حمائم الجامع الأموي لا تزال تطلع من جيوبي حيثما اتجهت , ولا تزال القطط الشامية تموء تحت سريري في كل فندق أنزل فيه . ولا تزال رائحة الخبيزة والقرنفل تطلع لي من كل حقيبة أفتحها ..  أنا خاتمٌ من صياغة دمشق. نسيجٌ لغوي من حياكة أنوالها صوت شعري خرج من حنجرتها. رسالة حب مكتوبة بخط يدها. سحابة من القرفة واليانسون، تتجول في أسواقها. شجرة فل تركتها أمي على نافذتي ولا تزال تطلع أقمارها البيضاء … كل عام ..

نزار قباني

شُمُوسْحيث تعيش القصص. اكتشف الآن