((٢٣))

159 21 99
                                        

عقب ما تم كتب الكتاب بـ الدفتر بـ مجالس الشيوخ، ووقع الأمر بـ المكتوب، خرج "ضاوي" بـ قامته الشامخة لـ صدر الفناء، يقف بـ صمت بـ قلق الانتظار لـ جوهرة، التي دلف عمها الشيخ "أبو رماح" لـ خدرها لجل يناديها عاسب تقفي جرة رفيق عمرها الجديد.
وقف ضاوي بـ وقار الكبار، ومسح دمعةً حارة تلوح بـ طرف عينه بـ عزة نفس، وهو يبصر زول أبيه "أبو هاجم" الذي صادّ عنه بـ وجهٍ ناشف جاف، وأعطاه ظهره بـ كدر وغل الشك الشين الذي يعمي البصيرة.
أما في داخل الخدر، فـ قد وقف الشيخ "أبو رماح" أمام جوهرة، وبـ ملامح كـ الليل المظلم، ونبرةٍ يملؤها الجفاء والقساوة صاح بـ وجهها: "اسمعي يا سويدة الوجه وقليلة السنع.. من ه الحزة انسي إن بـ ه الدنيا لكِ أب، أو أم، أو أخ، أو أخت!"، وصرخ بـ صخبٍ زلزل أركان المضافة: "انسي إن لكِ عائلة وعزوة بـ فرجان العربان! أنتِ من اليوم غديتِ مجرد جرة بنت مالها أهل ولا وراها حمايل رجال، وأنا متبرئ من دمك ومن زولك من اليوم لـ يوم الدين!"، ثم تابع وعروق السخرية اللاذعة ترتسم على ثنايا ثغره: "والأن اخرجي بـ حشمتك برع دياري.. تراه ه الرجال اللي بعتِ أهلك وناسك وعزوتك من أجل غوايته واقفاً برع الخيمة ينتظرك بـ سلاحه!"
بلعت جوهرة غصتها الحارقة التي كتمت أنفاسها بـ جوف الضلوع، ومسحت دموعها الغزيرة بـ طرف ثوبها، وهي تبصر كيف غدرت بها الدنيا والناس بـ الباطل والبهتان. خرجت بـ خطواتٍ متهدجة تارسها كسر الخاطر، حتى بصرت "ضاوي" وهو يرقب ممشاها بـ شموخٍ ونخوة فرسان، وتقدمت منه بـ حياء.
نظر لها ضاوي، وبـ صوته الشهم نطق: "يا الله يا بنت العم.. نتوكل على الله الكريم ونقفي جرتنا بـ ه الفلا."

ضلّ الرفيقان يمشون بـ قفار البادية تفصلهم الفيافي لـ مدة ثلاثة أيام كاملة بـ لياليها صوب ديار الشمال، والبرد يلف مسراهم والجهد هد حيلهم. وأول ما وصلوا مشارف الشمال، صعد ضاوي بـ خيله وطوله رأس جبلٍ شاهق، وهو يلمح بـ عينه "كهفاً" غائراً وعميقاً في صخر الجبل، فـ دلف بـ وسطه وهو ينظر لـ طوله وعرضه بـ دقة وعلامة الرضا والارتياح تلوح على ملامحه البدوية الرفيعة.
التفت ضاوي صوب بنت عمه جوهرة ونطق بـ رجولة ونخوة: "اسمعي يا بنت العم.. أنتِ عارفة وش حصل بـ ساحتنا، ووش هي الظروف الشينة الشاقة اللي تزوجتك بـ سلومها بـ عهد الكتاب، وأنتِ عارفة إني انطردت برع العشيرة ودمي مهدور بـ الحرام بـ تهمة الغدر! لـ هذا.. احنا رح نعيش بـ وسط ه الكهف عاسب يفرجها ربك العليم من سابع سماه، وتعيشي معي على الحلوة والمرة وتصبري بـ رجاحة عقل على حكم ربك وقدره المكتوب."
ثم تابع ممسكاً بـ حبال طاقته: "والآن.. أنا رح أروح صوب الفلا أجمع لنا الحطب والوقيد، وأنتِ نظفي الكهف من الحجر والتراب، وخذي حذرك بـ ه الدار الوحشة."
بدأت جوهرة بـ همة وعزة تنظف الكهف وتزيح الحجر بـ يدين عاجيتين، ومير أول ما جاءت تبعد حجرةً صلدة كبرى من زاوية المكان، شافت "عقرباً الأسود" كبيراً مرعباً يخرج من جحره بـ ذيلٍ مسموم، فـ صرخت بـ هلعٍ وخوف تزلزل له صدى الجبل!
كان ضاوي بـ سفح الجبل يجمع الحطب، وأول ما سمع صرختها المدوية ومبثوث لوعتها، ترك الحطب من يده بـ فزعة رجال، وجرى بـ خطىً سريعة كـ الريح العاصفة خائفاً بـ خافقه يكون صار لها شر أو عثرة بـ غيابه. أول ما دلف صدر الكهف وهو يلهث بـ أنفاسه، شافها واقفة بـ زاوية الذعر وتنظر لـ الأرض بـ عينين شاخصتين، رمى بـ بصره لـ مطرح نظرها وهو يبصر ه العقرب الكبير، فـ تقدم بـ جسارة فرسان وأخذ حجرةً صلدة، وصك العقرب بـ ضربةٍ قاضية قتلت شره، ثم مسك العقرب بـ طرف عصاه ورماه بـ الفلا خارج الكهف.
التفت لها لجل يطمن بالها، ورجع لـ مسلكه يجمع الحطب الذي تركه بـ الفزع، وعاد بـ الحمل لـ جوف الكهف وهو يبصرها كملت تنظيف المكان بـ سنع الحريم، وفرشت فرشةً بسيطة على الطين.
طرح الحطب بـ الوجار وأشعل النار بـ زندها حتى تلاشت العتمة، وتقدمت جوهرة بـ خطواتها الوجلة لـ يم النار، عسى يروح عنها وعن ضلوعها البرد الشديد الذي نخر عظمها نخيراً، وجلست تمد كفيها تدفي نفسها بـ وهج الرماد بـ صمت الصبر.

 رواية/ شبه القمر لفا ديرتنا قصص لتهوسّ بها. اكتشف الآن