((٢٢))

170 19 117
                                        

تجمّدت الأقدام في مطارحها، وشخصت الأبصار بـ روعٍ خطف الأنفاس، ونطقت "أم صفية" بـ صوتٍ متهدج، تتقاطع حروفه بين الضلوع من هول ما بصرت: "جـ... و... هـ... ر... ة...!!!"
كانت الكلمة كـ جمرةٍ سقطت في وادٍ من صمت. أما "أم سراج" فـ كانت لساتها واقفتن في مطرحها تحت تأثير الصدمة والوجل، مذهولة الخاطر، غايرة العينين بـ زول الحرمة المقبلة، ونطقت وعينها ما رمت بـ ملامحها: "من.. من أنتِ يا بنت الناس؟ ومن أي الديار لفيتينا بـ ه الزين الحازم؟!"
نظرت لهن "ليال" بـ شموخٍ واثق، وعزة نفسٍ ورثتها من منابت فخرها، والتوت ثنايا ثغرها عن ابتسامة سخرية لاذعة تارسها التحدي، ونطقت بـ نبرةٍ لها رنين الصمصام بـ مجالس الرجال: "أنا ليال.. بنت الشيخ أبو صقر، وزوجة ولدك سراج بـ حكم الصلح وفصايل الدم والعهد القاطع!"
خيّم الصمت الثقيل على أم سراج وأم صفية، وخرسن عن النطق بـ حيرة دارت بـ عقولهن، وصرن يتبادلن النظرات والوجوم يلف المكان. أما حريم القبيلة اللواتي حضرن المجلِس وقعدن يرقبن العلوم بـ فضول، فـ ما لبثن قليلاً حتى أحسسن بـ ثقل الهوى بـ الخيمة، وقمن بـ حشمة تلوح على خطاوهن، وانسحبت كل واحدة صوب بيتها، والهرج والظنون تقفي جرتها بـ سكك الفرجان.

وما هي إلا حزة قصيرة من رحيل الحريم وخلو الخيمة الكبرى، حتى أقبل الشيخ "أبو سراج" ومعه ولده بـ طوله وهيبته "سراج"، يمشون بـ خطىً وئيدة وثقيلة تسبق زولهم لـ داخل الدار.
تنحنح الشيخ أبو سراج بـ وقاره الشامخ وصوته الجهوري وهو يدلف صدر الخيمة: "يا الله.. يا ساتر، دشينا يا حريم، غطن وجوهكن."
فزت ليال بـ عزة وحياء بدوي لجل تثبت لثامها وتواري حُسنها النادر عن عيون الرجال، مير استوقفتها أم سراج بـ نبرةٍ جافة وعينٍ شاخصة ونطقت: "اتركي الثمة واللثام عن وجهك يا بنت الأجاويد.. تراه سراج زوجك، وهاد أبوه بـ مقام أبوك الشيخ أبو صقر، فـ ماله داعي التغطي والتحرج بـ ه الدار بـ وجود أهل بيتك."
فكت ليال لثامها بـ مضض، وهي تحس بـ حرجٍ خفيف وحمرة الخجل تلوح على وجنتيها الفاتنتين كـ شقائق النعمان.
مشى الشيخ أبو سراج بـ هيبته وجلس بـ صدر المكان، وأول ما التفتت عينه وصابت وجه ليال بـ بصرها، صعق بـ مطرحه، وفز واقفاً بـ طوله فازعاً بـ حركةٍ هزت دلال القهوة، وصاح بـ صدمةٍ وزلزالٍ زلزل أركان الخيمة بـ أكملها: "جـ... و... هـ... ر... ة...!!!"
عقدت ليال حاجبيها بـ عجب، ونطقت بـ صوتٍ خافت تداري به حيرتها وذهولها من حال ه القوم: "وش بـ ه القوم معلقين على ذي 'الجواهر والجوهرة' بـ ه الديرة؟!"، ثم التفتت بـ شموخ صوب الشيخ، وبـ نبرةٍ تارسها التحدي والذكاء والسخرية قالت: "مين 'جوهرة' ذي اللي تشبهني حتى غديتوا بـ ه الروع والذهول من شوفي بـ مجالسكم؟! وش علمها ووش قصتها مع الشيوخ؟"
ثبت الشيخ أبو سراج عيونه الدهرية بـ ملامحها، وتأكد بـ قرارة نفسه وخافقه إن ذي البنية ما هي إلا غصنٍ أصيل من شجرة جوهرة الطاهرة، وتنهد تنهيدة شجن طويلة تخرج من أعمق ضلوعه وكأنها زفير السنين الغابرة، وبدأ يسوق لها خبر جوهرة، ويسحب لها شريط الذكريات بـ ليل الأزمان

 رواية/ شبه القمر لفا ديرتنا قصص لتهوسّ بها. اكتشف الآن