٠٢٧

381 21 11
                                        


يكسرني حزنها.. أود لو أحمل عنها همومها وأضعها كلها فوق ظهري.. وليتني أستطيع فعلها..

لو تعلمين يا ناز مقدار الحب الَّذي أحمله لكِ.. لو تعلمين ما أنا مستعدٌ لفعله من أجلكِ.. مستعدٌ للقبول بكُلِّ شيء من أجل عمرٌ أقضيه معكِ..

ويكتب الله الأقدار بعظمة ليسَ لها مثيل.. يُفصل الله الأفضل لنا دومًا.. هذا الله الَّذي كنتُ ملحدًا أنكرُ وجوده.. يجعلني أندم ألف الندم! فهُوَ لم يهديني من ضلالي وينتشلني من مستنقع الجهل والإنكار واللاجدوى فحسب.. بل إنه لا يزل يمنُ عليّ بكرمه ورحمته أن أخرجني من عمق الهم للمرَّة الثانية..

قال العم أبراهيم لي ذات مرَّة: يقول الله (أنا عند حسن ظن عبدي بي) ظن الإجابة عند الدعاء.. وظن القبول عند التوبة وظنّ المغفرة عند الاستغفار  وظن المجازاة عند فعل العبادة بشروطها تمسكًا بصادق الوعد..

وما تضيق إلاّّ لتفرج بعدها...

موت العم أبراهيم كان حادثٍ أليمٍ جعلني أضيق وأحزن.. وكلما نظرتُ لناز ورأيتُ بكاؤها المؤلم لقلبي، أزدادُ ألمًا..

يوم دفن العم أبراهيم بقيت ناز عند قبره تبكي ولم تتزحزح من مكانها مهما حاولتُ إقناعها.. لم أكن أجرؤ حَتَّى لمحاولة أقناعها بالمغادرة وتركه.. فأنا أيضًا أحاول تقبل مغادرة العم أبراهيم..

كم إن العمرَ سريع.. ومخيف! كان العم أبراهيم معنا في الأمس واليوم.. أينَ هُوَ؟

أتخيل لو إنني متُ على ضلالي.. أتخيل لو لم يحاول معي العم أبراهبم ويصرُ لأقناعي!

كم أنا ممتنُ له.. كم أنا بحاجة لرد فضله! لَكِن.. قبل أن أردُ الفضل أينَ ذهبتَ يا عم؟

تركتها تودع والدها.. أملتُ أن تستطيع تحمل فكرة فراقه، وأستطيع أنا.

كنا نحن الأثنان في تلك المقبرة بمفردنا.. أحمل أنا سكين مطبخ.. لا أدري ما سأفعل به لو أتى أركان ورجاله الآن وحاولوا أخذها عنوة مني.. لَكِن الشيء الوحيد الَّذي كنتُ متأكدٌ منه.. هُوَ إنه لن أدع أحدهم يقربها طالما أنا على قيد الحياة..

في تلك الأجواء الكئيبة الرمادية وصلت سَّيَّارة مجهولة وركنت بالقرب من قبر العم إبراهيم، أيّ بالقرب منا.. فتأهبتُ للنهوض وسبقتُ أيّ أحدٍ في الوصول لعندها:

ناز.. علينا المغادرة هيا!

ناظرتني وتبدو في غير وعيها وكأنها ليستْ معي.. عينيها حمراء من شدة البكاء.. تبدو منطفئة جدًا وكأنها لا تزل تعجز عن تصديق إنها أصبحت يتيمة..

نظرتُ للسَّيَّارة نظرّة قلقْ.. فوجدتُ الباب ينفتح، فدب الخوف في قلبي!

وفي لحظةٍ أدرتُ كامل ظهري وجعلتُ ناز ورائي وطلبتها أن تختبئ خلفي.. ولم أكد أكمل جملتي وإذ بي أستوعب..

تَوبة عاشِق.قصص لتهوسّ بها. اكتشف الآن